عربي
علّق أحد الأصدقاء على عودة نوري المالكي إلى التنافس على منصب رئاسة الوزراء (في العراق) لولاية ثالثة باستحضار تجربة الزعيم البريطاني وينستون تشرشل؛ فعلى الرغم من إنجازاته (تشرشل) في الحرب العالمية الثانية، لم يفز بانتخابات يوليو 1945، وذهبت رئاسة الوزراء وقتها إلى حزب العمّال. وعلى الرغم من البريق المؤكّد في شخصية تشرشل وإنجازاته، وكاريزما شخصيته البلاغية، فضّل الناخب البريطاني البحث عن مرشّح يركّز، لا على الماضي ومفاخره، وإنما على تحدّيات الحاضر والمستقبل، وبالذات ملفّات الحياة اليومية من صحّة وعمل وخدمات. ومع ذلك، بقي تشرشل رمزاً وطنياً بريطانياً، ولم تكن خسارته في الانتخابات هزيمةً لشخصه، وإنما لطموحه إلى دور أكبر من إمكاناته في تلك اللحظة، وممّا تحتاجه بريطانيا للخروج من أعباء الحرب.
ما الذي لدى المالكي (في هذه المقارنة المجحفة التي صنعها الصديق في كلامه) ليقدّمه للعراق في لحظته الراهنة، شديدة الالتباس والمليئة بالمخاوف والتحدّيات؟ ... ما يقدمه، ويصرّ على تقديمه في كل دعاية انتخابية برلمانية، منذ خسارته المنصب في 2014 أمام زميله في ائتلاف دولة القانون، حيدر العبادي، صورة "الرجل القوي"، التي يفهمها زملاؤه من الطبقة السياسية الشيعية قبل غيرهم، بمعنى محدّد: صورة رجلٍ شرهٍ لزيادة الصلاحيات، والانفراد بالقرارات، وتخريب التفاهمات.
وإذا مضينا في المقارنة مع تشرشل (لدواعي الفكاهة لا أكثر) فإن أهم إنجازات الرجل القضاء على المليشيات في الجنوب، وعلى الجماعات المسلّحة السنّية في وسط العراق وشماله، وأهمها تنظيم القاعدة. وهذان الإنجازان كانا بتخطيط مشترك، وبدعم لوجستي وعسكري واستخباري مباشر من الأميركيين، الذين كانوا في العراق وقتها. وما إن غادر الأميركيون حتى خرب كل شيء، وانحدرت البلاد (في عهد الولاية الثانية للمالكي) سريعاً إلى الفوضى، ثم إلى لحظة الذروة الصادمة: انهيار وتفكّك فرقتَين عسكريَّتَين كاملتَين أمام تنظيم إرهابي مسلّح، وخسارة ثلث العراق.
خرج الرجل من رئاسة وزراء دولة العراق، ليتزعم (في الظلّ) رئاسة وزراء موازية حرص على إنشائها بمساعدة الحرس الثوري الإيراني، تضمّ تشكيلاتٍ مليشياوية تخادم معها، ولم يستطع السيطرة عليها؛ بل بدا، في بعض الأحيان، وكأنّه مجرّد واجهة سياسية لها، حتى نال لقب "زعيم إسلامي كبير" من المرشد الأعلى الإيراني، بما يشبه التزكية لأن يكون رجل الظلّ الإيراني في العراق. ومن المفارقات أنه رفض مغادرة مكتب رئيس الوزراء في المنطقة الخضراء حين جاء حيدر العبادي ليتسلّم منه المكتب، وحسماً للنزاع، فضّل العبادي اختيار مكتب آخر لإدارة الحكومة منه. ... وعملياً، ظلّ المالكي قوياً، وظلّ مؤثّراً في الحكومات كلّها التي تشكّلت من بعده، وها هو اليوم لا يؤثّر فحسب، وإنما يطمح إلى العودة إلى الكرسي الذي تركه منذ أكثر من عقد.
من المفهوم أن إيران سترحّب بعودة المالكي؛ فهو رجلها المخلص على مدى السنوات الماضية، ولديه قدرة مالية كبيرة، وشبكة نفوذ داخل دوائر الدولة ما زالت فاعلة. ومن المثير أن تظاهرات أكتوبر 2019 اندلعت في وقت كانت كتلتا "الفتح" التي تضمّ أغلب الأحزاب الشيعية الموالية لإيران، وتحالف سائرون (مقتدى الصدر)، تتفاوضان على تقاسم المناصب في الدولة العميقة للمالكي.
إنه، ضمن اشتراطات الوضع غير الصحّي في العراق، رجل قوي ولا شكّ، وهذا ما يريد المالكي تصديره لإدارة ترامب كي لا تمانع تولّيه المنصب. وقد علّق أحد مؤيّديه: "الذي أتى بها هو القادر على إنهائها"، في إشارة إلى المليشيات. لكن هذا استنتاج فاسد. فالمالكي لا يقود هذه المليشيات ولا يشرف عليها، بل هو واقع تحت ظلّ حمايتها. وكلاهما (المالكي والمليشيات) تحت ظلّ جناح أكبر من الجارة الشرقية. كما أنه ليس من المنطقي تسليم مفاتيح البلاد لرجل على أساس النيات والتخمينات، لا على قراءة الوقائع وتاريخ الرجل.
يفيد جديد التحديثات أخيراً في هذا الشأن بأن نوري المالكي نجح في شقّ صفوف الكتل والأحزاب الشيعيّة والسنّية والكردية، وتكوين رأي عام مؤيّد له، وأنه سيخوض معركةً شرسةً قبل أن يتراجع. وربما سينتهي الحال، كما يقول المثل الشعبي العراقي: "أشوفك الموت حتى ترضى بالسخونة"، فتقبل كل الكتل بمرشّح تسوية يفرضه المالكي نفسه.
