عربي
لم يعد التصعيد الأميركي حول غرينلاند مجرد خلاف دبلوماسي أو سجال سياسي عابر، بل يتكشف تدريجياً بوصفه صراعاً اقتصادياً - جيواستراتيجياً عميقاً، تقوده ثروات الجزيرة الكامنة تحت الجليد، والتحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي، ولا سيما سباق التحول الأخضر وسلاسل توريد المواد الخام الحيوية. وفي قلب هذا المشهد، تتداخل اعتبارات الأمن القومي الأميركي مع مصالح دوائر مالية واقتصادية قريبة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في نموذج يعكس تآكل الحدود بين السياسة ورأس المال.
يذوب الغطاء الجليدي في غرينلاند بوتيرة غير مسبوقة، مع ارتفاع درجات الحرارة في القطب الشمالي إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي. هذا التحول المناخي، الذي يُعد كارثة بيئية بحد ذاته، فتح في المقابل نافذة اقتصادية واسعة، إذ بات الوصول إلى باطن الأرض أسهل، وأصبحت عمليات الاستكشاف والاستخراج أقل كلفة وأكثر جدوى مقارنة بالماضي. ويرى خبراء جيولوجيون أن ذوبان الجليد لا يكشف عن ثروات معدنية ضخمة فقط، بل يعيد رسم الخريطة الاقتصادية للقطب الشمالي، من حيث الملاحة، والبنية التحتية، وتكامل المنطقة في سلاسل التوريد العالمية. هنا تحديداً، تتقاطع المصالح الأميركية مع هذا التحول، ليس بوصفه حدثاً بيئياً، بل فرصة اقتصادية واستراتيجية نادرة.
ثروات تحت الجليد
وفق هيئة المسح الجيولوجي الدنماركية، تحتوي غرينلاند على مخزون كبير من المواد الخام الحيوية، مثل الغرافيت، والنيوبيوم، والموليبدينوم، والتيتانيوم، إضافة إلى اليورانيوم والعناصر الأرضية النادرة، التي تُعد ركائز أساسية لصناعات المستقبل: بطاريات السيارات الكهربائية، توربينات الرياح، تخزين الطاقة، والتقنيات الدفاعية المتقدمة. هذه الموارد لم تعد مجرد سلع صناعية، بل تحوّلت إلى عناصر سيادية في الاقتصاد العالمي. فالتحول الأخضر يتطلب كميات من المواد الخام تفوق بأضعاف ما يستهلكه العالم اليوم، في وقت تهيمن فيه الصين على ما يصل إلى 70% من إنتاج العناصر الأرضية النادرة عالمياً. ومن هذا المنطلق، تبدو غرينلاند بالنسبة للولايات المتحدة فرصة استراتيجية لتقليص الاعتماد على الصين، وإعادة توزيع النفوذ في أسواق المواد الخام.
ولا يقتصر التحول على باطن الأرض. فذوبان الجليد فتح ممرات شحن بحرية كانت مغلقة لعقود، ووفق دراسات أكاديمية، ارتفعت حركة الشحن في مياه القطب الشمالي بنسبة 25% بين عامي 2013 و2019. هذه الطرق تختصر المسافة بين آسيا وأوروبا، وتمنح من يسيطر عليها أفضلية تجارية ولوجستية هائلة. غير أن هذا البعد الاقتصادي يرتبط مباشرة بالأمن. فروسيا كثّفت وجودها العسكري على طول الممرات القطبية، فيما ترى واشنطن أن السيطرة أو النفوذ في غرينلاند تضمن لها موقعاً متقدماً في الاقتصاد القطبي الناشئ، حيث تختلط التجارة بالطاقة والدفاع.
البيئة وحدود الاستثمار
رغم الإغراء الاقتصادي، يبقى استغلال ثروات غرينلاند محفوفاً بتحديات كبيرة. فذوبان التربة الصقيعية يعقّد إنشاء البنية التحتية للمناجم، كما أن الحساسية البيئية لدى السكان مرتفعة. وقد تجلّى ذلك بوضوح في رفض مشروع كفانيفيلد لاستخراج العناصر الأرضية النادرة واليورانيوم، رغم ما يُقال عن احتوائه على خُمس الاحتياطي العالمي، خوفاً من تلويث بلدة نارساك بنفايات مشعّة.
هذه الحادثة تختصر المعضلة الغرينلاندية: بين السعي إلى الاستقلال الاقتصادي، وحماية البيئة والهوية المحلية، في مواجهة ضغوط استثمارية خارجية متزايدة. ويبرّر ترامب تصعيده بشأن غرينلاند باعتبارات الأمن القومي، من مواجهة روسيا والصين إلى حماية طرق الشحن وبناء منظومات دفاعية مستقبلية.
غير أن هذا الخطاب، في نظر محللين أوروبيين وغرينلانديين، لا ينفصل عن حسابات اقتصادية واضحة: تأمين موارد استراتيجية، التحكم بممرات تجارية، ورفع قيمة الأصول الأميركية في الاقتصاد العالمي القادم. وفي هذا السياق، يُنظر إلى التعرفات الجمركية التي لوّح بها ترامب ضد الدنمارك ودول أوروبية داعمة لغرينلاند أداةَ إكراه اقتصادي، تهدف إلى رفع كلفة الرفض السياسي، ودفع الأطراف المعنية نحو تسويات تخدم الرؤية الأميركية. هذا النهج يعكس عقلية "الصفقة" التي تميّز ترامب، حيث تُستخدم التجارة بديلاً عن القوة العسكرية المباشرة.
شبكة المصالح
ويتعزز هذا التحليل عند النظر إلى الدائرة الاقتصادية المحيطة بترامب. فالملياردير الأميركي رونالد لاودر، الداعم المالي القديم للرئيس الأميركي، يُعتقد أنه صاحب فكرة شراء غرينلاند أساساً، وفق ما كشفه مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون في كتابه The Room Where It Happened (نُشر عربياً بعنوان "الغرفة التي حدث فيها الأمر")، وأكده لاحقاً في تصريحات إعلامية. لاودر لم يُخفِ اهتمامه بثروات الجزيرة، ودافع علناً عن خطة ترامب، واصفاً إياها بـ"الاستراتيجية". والأكثر حساسية أن استثماراته تمتد إلى داخل غرينلاند نفسها، عبر شركتين يديرهما يورغن ويفر يوهانسن، زوج وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت.
هذا التداخل بين المال والسياسة أثار جدلاً واسعاً في الصحافة الدنماركية، وطرح أسئلة حول تضارب المصالح، وانتقادات لاذعة من تيار دنماركي لا يوافق على استقلال الجزيرة، بحجة أنها غير قادرة على إدارة شؤونها، في لحظة تتعرض فيها الجزيرة لضغوط خارجية غير مسبوقة. لا توجد اتهامات قانونية، لكن توقيت هذه الشراكات يعزز المخاوف من أن النقاش السيادي حول مستقبل غرينلاند لا يجري في فراغ سياسي، بل في بيئة تتشابك فيها المصالح الاقتصادية العابرة للحدود.
بين السيادة ومنطق السوق
في المحصلة، لا يدور الصراع على غرينلاند بين دول فقط، بل بين نموذجين للعالم القادم: نموذج يرى في الأرض والموارد سلعة قابلة للشراء والضغط الاقتصادي، ونموذج يتمسّك بالسيادة، والبيئة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وبين ذوبان الجليد وذوبان الخط الفاصل بين السياسة والمال، تقف غرينلاند أمام سؤال وجودي: هل تستطيع حماية قرارها السيادي في عالم تُدار فيه الصراعات بالأرقام والاستثمارات بقدر ما تُدار بالجيوش؟
وحيث لا ينظر كثير من المقربين من ترامب إلى غرينلاند كياناً سياسياً له شعب وحقوق، بل بما هي "أصل استراتيجي" طويل الأمد: أرض غنية بالمعادن النادرة وموقع مثالي للبنية التحتية العسكرية واللوجستية وعقدة محتملة في تجارة القطب الشمالي وفرصة لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي العالمي، تصبح غرينلاند بهذا المعنى جزءاً من رؤية أوسع لإعادة رسم خريطة القوة، حيث تتداخل مصالح الدولة مع مصالح رأس المال. عموماً، وفي قلب هذا الصراع، يقف ترامب، لا بوصفه رئيساً فحسب، بل على أساس أنه ممثل لتحالف معقّد من المصالح الاقتصادية والجيواستراتيجية، يرى في الجليد الذائب فرصة ذهبية… مهما كان الثمن.
خيارات أوروبا أمام تهديدات ترامب
وأمام رفض الدنمارك وغرينلاند أي نقاش حول شراء الجزيرة أو نقل السيادة، لجأ ترامب إلى التلويح بأدوات اقتصادية مباشرة، في مقدمتها فرض رسوم جمركية على دول أوروبية داعمة لغرينلاند. هذا التصعيد وضع الاتحاد الأوروبي أمام اختبار غير مسبوق، إذ لم تعد الرسوم مجرد أداة تجارية، بل باتت وسيلة ضغط جيواستراتيجية مرتبطة بملف سيادي.
وبحسب تقديرات أوروبية، يمتلك الاتحاد قائمة جاهزة بسلع أميركية تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار يمكن فرض رسوم انتقامية عليها، إضافة إلى إمكانية تعليق أجزاء أساسية من الاتفاق التجاري مع واشنطن. كما ناقش دبلوماسيون أوروبيون تفعيل أداة "مكافحة الإكراه الاقتصادي"، المعروفة إعلامياً بـ"البازوكا"، والتي تتيح فرض قيود على الخدمات، والملكية الفكرية، والمشتريات الحكومية الأميركية داخل أوروبا.
