ستاند أب كوميدي فلسطيني... لأن الضحك هو البديل
عربي
منذ 4 أيام
مشاركة
يتجاوز مشهد الـ ستاند أب كوميدي الفلسطيني كونه نمطاً ترفيهياً، ليصبح أداة للترحال الثقافي وتفكيك السرديات المؤطرة بالمحتوى الإخباري والسياسي، سواء داخل فلسطين أو الشتات. فمن المسارح المحلية إلى أندية ومسارح الكوميديا في العالم، يواجه الفنان الفلسطيني أبعاداً تتداخل فيها قيود الاحتلال مع الرقابة السياسية والاجتماعية وشروط التمويل المؤسساتي. فتأتي تحولات هذا الفن الذي لم يعد يكتفي بنقل التجربة المعيشية، بل يعيد تأطيرها سياقياً ولغوياً، ليوضح كيف تساهم الكوميديا في صياغة هوية عابرة للجغرافيا، وكيف يتحول الميكروفون إلى إحدى أدوات تأسيس الهوية الثقافية. "الفلسطينيون يحبون الضحك". هكذا استهلت الفنانة الفلسطينية-الأميركية ميسون زايد (1974) حديثها إلى "العربي الجديد". تقدّم زايد عروضاً منذ عام 2002 باللغتين العربية والإنكليزية، وتشير من خلال خبرتها إلى أنه "خلافاً للصورة النمطية المصدّرة للعالم، يحب الفلسطينيون الضحك بوصفه حاجة يومية، سواء عبر شاشات الهواتف أو المسرح". ترى زايد أن قدرة الفلسطينيين على التنكيت في ذروة الأزمات تتجاوز كونها مجرد وسيلة للترفيه، وتشير إلى وجود ثقافة كوميدية راسخة رغم غياب الأندية المتخصصة بالكوميديا بالنمط المعروف عالمياً. يتفق الفنان علاء شحادة (1991)، من مدينة جنين المحتلة شمالي الضفة الغربية، مع زايد، ويشير إلى حاجة المشهد الفلسطيني المحلي إلى كثير من مراكمة الخبرات والجهد، في ظل توفر الجهود والمواهب التي غالباً ما تتعرقل بسبب الاحتلال وحواجزه العسكرية واعتداءاته والظروف الأمنية القاسية التي تعيشها الضفة الغربية. شحادة الذي بدأ مسيرته من خلال دراسته لفنون المسرح، انتقل بموهبته بين قطاعات فنية مختلفة، إلى أن تركّز اهتمامه على الكوميديا عام 2016، إذ ولدت فكرة الحاجة إلى تأسيس نادي فلسطين للكوميديا الذي يهدف إلى تضمين الكوميديا الارتجالية في اهتمامات التخصصات الكوميدية المسرحية الأخرى. يؤكد شحادة، من خلاصة تجربته، أن هذا المزيج ما بين أنواع الكوميديا المختلفة يمكن استخدامه أداةً لإيصال القصة من منطلق الإيمان بأن الكوميديا قد تُحدث تأثيراً في الجمهور أكبر من سرد القصة تجريدياً. بدأت تتشكل مجموعة نادي فلسطين للكوميديا عام 2018، إلا أن هذا الطموح اصطدم بمحدودية واضحة في المشهد، تفرضها ظروف مركبة، تبدأ من الوضع السياسي الضاغط الذي يمنع الاستمرارية، وصولاً إلى غياب الأمان الوظيفي والمادي للفنانين. يؤكد شحادة أن طبيعة الحياة في فلسطين تجعل الفنون في مرتبة ثانوية أحياناً في الوعي الجمعي؛ فتتقدم أولويات البقاء والأمان المادي على الرفاه الثقافي. يقول إن تجربة النادي لم تنضج، وتوقفت فعلياً عام 2023 مع بداية حرب الإبادة التي شنها الاحتلال على قطاع غزة. تجلت العوائق بوضوح منذ عام 2023، حين توقفت العروض الفنية والثقافية لفترات طويلة في فلسطين؛ إذ أعادت حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة فتح نقاش لم يهدأ حتى اليوم حول الثقافة ودورها المجتمعي والسياسي. وخلال العامين الماضيين، لم تشهد فلسطين المحتلة سوى أربعة عروض ستاند أب كوميدي للفنان الفلسطيني-الأميركي عامر زهر، أقيمت في رام الله والناصرة بعد أسابيع من بدء سريان الهدنة. وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، اعتقلت شرطة الاحتلال زهر واستجوبته عقب أحد عروضه الثلاثة في مدينة الناصرة، التي كان من المقرر إقامتها في ليلة واحدة. ووفقاً لمقطع فيديو نشره زهر عبر "إنستغرام"، وجهت له سلطات الاحتلال شبهة "التحريض"، ومنعت محاميته من مرافقته أثناء التحقيق. أُطلق سراح زهر بعد ساعات، عقب إجباره على توقيع تعهد يجهل فحواه نظراً إلى كتابته باللغة العبرية. ورغم هذا التضييق، أصرّ الجمهور الفلسطيني على الانتظار حتى عاد زهر واستكمل عروضه في تلك الليلة، قبل أن ينتقل إلى مدينة رام الله لتقديم عرضه الرابع في قصر رام الله الثقافي. تأثير الاحتلال المباشر على مناحي الحياة الفلسطينية كافة يجعله جزءاً لا يمكن التغافل عنه في عروض الكوميديا، وإن كانت مشاهد مؤلمة من الحياة اليومية، يحولها الكوميديون الفلسطينيون لسردية تقدّم واقع الفلسطينيين. في حديثها، تشير زايد إلى أن الكوميديا تدفع الجمهور إلى سماع مواضيع قد يتجنبونها أحياناً، وتؤكد أن رغبتها بالحديث عن فلسطين تنبع من داخلها: "لا يوجد أحد يملي عليّ وجوب التحدث عن فلسطين، فأنا أحب التحدث عنها. أنا أتحدث عن حياتي، والاحتلال جزء كبير منها".  طبيعة الحياة في فلسطين تجعل الفنون في مرتبة ثانوية أحياناً يفرض الاحتلال نفسه معطى بنيوياً في العروض الكوميدية. ترى زايد أن حرب الإبادة غيّرت بعض المفاهيم: "كان الجهل بفلسطين هو السائد، أما اليوم فالحقيقة واضحة للجميع. لم يعد دوري على المسرح هو التعليم؛ فمن لا يدرك واقعنا الآن هو شخص اختار الجهل، ولستُ معنية بتثقيفه. أنا على المسرح لأُضحك أولئك العارفين ما يدور حولهم، لأن الضحك هو بديلنا عن البكاء وسبيلنا الوحيد للتمسك بالأمل". أما شحادة الذي بدأ جولة عروض باللغة الإنكليزية لعرضه "حصان جنين"، فيرى أن مركزية الاحتلال في عروضه هي جزء تلقائي، لكنّه يحاول دائماً تحدي النمط السائد على حد تعبيره، من خلال تقديم نفسه فناناً محترفاً يسرد قصة حقيقية: "هدفي من أعمالي ألا تنظر إلي بوصفي فلسطينياً بائساً ثم ترحل قائلاً لقد شاهدت عرضاً فلسطينياً، بل أريدك أن تحترمني فناناً على المنصة كأي فنان آخر، وأن تحترم القصة التي أقدمها". يمثل كل من ميسون زايد وعلاء شحادة وجهين متكاملين للهوية الفلسطينية العابرة للحدود، رغم تباين جذورهما وتجاربهما المعيشية. فيلتقي الاثنان عند منصة الكوميديا بوصفها أداة سياسية مهما اختلفت لغة العرض أو طبيعة الجمهور، ورغم التهديدات التي تطاول بعض دور العرض عند إعلان عروض لفنّانين فلسطينيّين، الأمر الذي عانى منه شحادة عدّة مرات خلال حرب الإبادة. من ناحية أخرى، تحدث شحادة عن عوامل ضاغطة إضافية إلى جانب الاحتلال، فبرأيه تبرز الرقابة المجتمعية والسياسية عائقاً جوهرياً، إذ يجد الفنان نفسه محاصراً بين الرغبة في انتقاد "التابوهات" وبين الخوف من الملاحقة الأمنية أو الهجوم المجتمعي عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما يؤدي إلى صعوبة المراكمة في الخبرات وبناء علاقة استمرارية طويلة الأمد مع الجمهور، الأمر الأساسي في فن متخصص كالستاند أب كوميدي. فمن خلال جولاته في بريطانيا، أدرك شحادة مدى أهمية التفاعل مع الجمهور لعدّة مرّات حتى ينضج الفنان وتنضج نكاته، مشيراً إلى أن هذه الفرص محدودة جداً في فلسطين، رغم توجه الفنانين إلى المسارح العامّة والتابعة للمؤسسات الثقافية عوضاً عن المقاهي والحانات، من باب الاقتراب من شريحة أوسع من الجماهير في الضفة الغربية. تتفق زايد على أن عدم وجود علاقة دورية مستمرة على شكل عروض شهرية يمثّل عامل ضعف في سوق الستاند أب كوميدي في فلسطين: "نحتاج إلى التدريب ولاتفاقيات مع كل المسارح. الكوميديا فن مثل أي فن آخر. لا يمكن لشخص أن يستيقظ فجأة ويصبح كوميدياً؛ يجب أن يتدرب ويفهم كيف يكتب، وكيف يُضحك الناس ويتجنب استنساخ تجارب مشاهير الكوميديا في أوروبا وأميركا". أما في ما يتعلق بالحضور النسائي على خشبات المسارح، فتفسر زايد محدوديته بالضغوط المضاعفة التي تواجهها النساء ومن ضمنها "غياب البيئات الآمنة للعرض"، مشيرة إلى أن حصر العروض الكوميدية في أماكن معينة أو في ساعات متأخرة يجعل انخراط النساء في هذا الفن محفوفاً بالقلق الاجتماعي، ما دفع الموهوبات منهن إلى الهجرة نحو الفضاء الرقمي، ليجدن في السكتشات المصورة عبر الإنترنت ملاذاً آمناً وأكثر قبولاً وقدرة على الوصول للجمهور من دون الصدام المباشر مع المعيقات الميدانية. بدورها، ترى الباحثة في الدراسات الثقافية ومناهضة الاستعمار، رنيم دراغمة، أن الكوميديا الفلسطينية المعاصرة تُشكل مثالاً حياً تتداخل فيه الجغرافيا الممزقة مع صياغة الهوية الوطنية، فلم تعد النكتة مجرد أداة للترفيه بقدر ما أصبحت وسيلة للترجمة السياقية وتفكيك أنظمة السلطة. برأيها، يكمن الفارق بين الكوميديا المنطلقة من الداخل الفلسطيني والقادمة من الشتات في طبيعة التجربة المعيشية؛ فبينما يركز فنانو الداخل على نقد التفاصيل اليومية المنهكة تحت الاحتلال، يجد فنانو الشتات أنفسهم أمام مسؤولية توعوية وتصحيحية للسردية الفلسطينية، ما يضطرهم أحياناً إلى "التفاوض مع توقعات الجمهور الغربي" والمخاطرة بـ"أصلانية" النكتة لصالح جعلها قابلة للفهم والارتباط عالمياً. تواجه هذه المسيرة الفنية منظومة معقدة من الرقابة التي وصفتها دراغمة بـ"الرقابة المركبة"، التي تبدأ من قبضة الاحتلال الأمنية والرقمية، وتمر عبر المؤسسات المانحة بتمويلها المشروط، وصولاً إلى الرقابة السياسية والاجتماعية المحلية التي تخشى نقد التابوهات: "هذا الحصار الرقابي جعل الكوميدي الفلسطيني يبتكر لغة جديدة، خاصة بعد حرب الإبادة، فتقلصت محاولات استجداء التعاطف أو أنسنة الضحية أمام الغرب، وظهر خطاب جديد يتسم بالاحترافية العالية والندية المعرفية، يرفض دور الواعظ ويقدم الحقيقة بمرارة ساخرة تجبر المتلقي على التثقف بدلاً من انتظار التبسيط"، وفقاً لدراغمة.  وترجع دراغمة محدودية الحضور النسائي في هذا المشهد للعوائق التي تتضاعف أمام المرأة نتيجة "تشييء" كينونتها الجسدية والاجتماعية؛ فالناقد للفنانة على المسرح غالباً ما يتجاهل المحتوى ليركز على المظهر "ما يجعل خروج المرأة للحديث عن تجاربها الشخصية أو نقد الأبوية مخاطرة". من جهة أخرى، ترى دراغمة أن محدودية حضور المرأة على مسرح الستاند أب كوميدي يتعلق كذلك بطبيعة المجال نفسه الذي ما يزال في طور النمو، مؤكدة أن الأمر "يحتاج فقط لتشجيع أكبر، وللتعرض الفعلي للنقد؛ فمن النقد البنّاء نخلق التغيير. يجب توفير هذه الحاضنة الفنية على الأقل لدعم الفنانين، لتكون هناك مساحة آمنة ومنظمة تساعد في بناء هذا المكان وفق هيكلية تنظيمية وليست بالضرورة مؤسساتية". تؤمن دراغمة أن الفنانين بحاجة ماسة لدعم المجتمع، مضيفة أن الفنان يكافح من ماله الخاص ليتحدث ليس فقط مع العالم، بل مع المجتمع المحلي أيضاً. "المجموعات الفلسطينية، سواء في الشتات، أو الداخل، أو القدس، وغزة، والضفة؛ هؤلاء جميعاً تجمعهم الهوية الفلسطينية وهذا التنوع بحد ذاته يمكن أن يكون نقطة قوة لخلق التعددية، فالفن ليس للترفيه فحسب، بل هو وسيلة لتخفيف وطأة الصدمات المجتمعية، لذا، يجب أن يدرك الفرد أنه بحاجة للفن بقدر حاجة الفنان لتقديم فنه".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية