حين يتفكك التحالف: السعودية والإمارات في اليمن
عربي
منذ 4 أيام
مشاركة
في مشهد صادم، تحوّل التنافس على اليمن بين السعودية والإمارات من تنسيقٍ داخل تحالفٍ واحد إلى مواجهة نفوذٍ شبه معلنة. ما كان يُقدَّم لسنوات بوصفه تلاقياً تكتيكياً في الأهداف، بات يُقرأ اليوم اشتباكَ مصالح ورؤى، تُقال إشاراته علناً وتظهر آثاره على الأرض قبل أن تستقر في لغة البيانات. والسؤال الذي يستحق الطرح لم يعد: من يقف مع من؟ بل: لماذا تآكل منطق التحالف أصلاً؟ وماذا كشف اليمن عن خريطة النفوذ الجديدة في الخليج؟ في خلفية هذا التحول تقف رؤيتان مختلفتان للقوة والنفوذ. فقد بنت الإمارات، خلال العقدين الماضيين، نموذجاً يقوم على فكرة "البوابة": اقتصاد خدمات، مناطق حرة، موانئ، إعادة تصدير، وتموضع بحري يجعلها نقطة عبور واتصال في حركة العالم بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. هذا النموذج لا يُقاس بقوة الجيوش أو بثقل السكان، بل بقدرة الدولة على جذب الحركة والتحكم في مفاصلها؛ من البضائع والسفن والطيران إلى الخدمات اللوجستية. في المقابل، تتحرك السعودية نحو نموذج "المركز": سوق ضخمة، ثقل ديموغرافي، ومشروع لإعادة مركزة القرار الاقتصادي عبر جذب المقرات الإقليمية والاستثمارات، وتحويل التدفقات من المرور حولها إلى الاستقرار داخلها. وبين "البوابة" و"المركز" يمكن، نظرياً، أن يحدث تكامل أو توزيع أدوار، غير أن الحساسية تبدأ عندما يتحول التكامل إلى سؤال قيادة: من يكون بوابة الخليج؟ ومن يكون مركزه؟ ومن يضع قواعد اللعبة في اقتصاد ما بعد النفط؟ يفسّر هذا الفارق طريقة اقتراب كل طرف من اليمن. فالإمارات دخلت اليمن من زاوية اقتصاد الممرات البحرية، لا من بوابة الجوار البري. جغرافيا عدن والمكلا وسقطرى وبلحاف، في الحساب الإماراتي، ترتبط بمنطق الشبكات البحرية وسلاسل الموانئ الممتدة نحو القرن الأفريقي والبحر الأحمر. في هذا التصور، تتحول الموانئ إلى أصول استراتيجية، والجزر إلى منصات مراقبة وتحكم، وتصبح القيمة الاستراتيجية قائمة على تنظيم الحركة أكثر من الاحتفاظ بالأرض. وهو منطق يعكس تحوّلاً عالمياً في تعريف النفوذ: من السيطرة على الموارد إلى السيطرة على الحركة. على الضفة الأخرى، دخلت السعودية اليمن من عمقها الأمني وحدودها البرية. فاليمن بالنسبة للرياض ليس ميناءً أولاً، بل دولة جارّة؛ وليس ممراً لوجستياً فحسب، بل عمقاً استراتيجياً قد يتحول إلى تهديد إذا تفككت مؤسسات الدولة وتعددت مراكز القوة على حدودها الجنوبية. لذلك أولى المشروع السعودي أولوية لدعم الدولة المركزية أو استعادتها، وتقليص تشرذم القرار السياسي، لأن تعدد مراكز السلطة في اليمن يعني هشاشة أمنية مزمنة في منطقة تماس شديدة الحساسية. فالممرات البحرية مهمة في الحساب السعودي، لكنها تأتي بعد الحدود. كان يمكن لهذا التباين أن يُدار ضمن إطار "توزيع الأدوار" لو بقي الخليج محكوماً بمنطق اقتصاد النفط وموازين الريادة التقليدية. غير أن الخريطة الخليجية نفسها تغيّرت في السنوات الأخيرة: السعودية تستقطب المقرات الإقليمية وتضغط لتحويل دبي من بوابة إلى محطة عبور، والإمارات توسّع سلاسل موانئها في القرن الأفريقي وتعزّز تموضعها في البحر الأحمر، فيما تعيد قطر ومصر وتركيا التموضع في الإقليم، وتقترب الصين من باب المندب عبر طريق الحرير البحري. عند هذه النقطة، لم يعد اليمن هدفاً بحد ذاته، بل مساحة اختبار لنموذجين خليجيين في بيئة تُعاد فيها صياغة القواعد الاقتصادية الإقليمية، ويتغيّر فيها تعريف النفوذ من الموارد إلى الممرات، ومن الدولة إلى الحركة. ومن هنا تظهر التحولات الأكثر حساسية: الانتقال من "المساحة السياسية" إلى "المساحة البحرية" في ترتيب الأولويات. تتحول عدن إلى عقدة اتصال، وسقطرى إلى منصة تأثير في خطوط الملاحة، والمكلا إلى منفذ على بحر العرب. وعندما تُقرأ الجغرافيا بهذه اللغة، يصبح "الممر" أهم من "الحكم"، وتتحول السيادة، في كثير من تفاصيلها، إلى قدرة على الضبط أكثر من كونها اعترافاً سياسياً أو نصاً قانونياً. عند هذه النقطة، لا يعود النزاع حول اليمن صراعاً على السلطة، بل صراعاً على الوظيفة: هل هو دولة موحدة؟ أم ساحل متعدد النفوذ؟ أم مساحة توزيع أدوار في اقتصاد الممرات؟ تحوّل التنافس على اليمن بين السعودية والإمارات من تنسيقٍ داخل تحالفٍ واحد إلى مواجهة نفوذٍ. ما كان يُقدَّم لسنوات بوصفه تلاقياً تكتيكياً في الأهداف، بات يُقرأ اليوم اشتباكَ مصالح ورؤى يزداد المشهد تعقيداً مع تدويل البحر الأحمر وباب المندب. فالصين تدخل من بوابة طريق الحرير البحري، وواشنطن ولندن من بوابة أمن الملاحة، والقاهرة من بوابة قناة السويس، وطهران من بوابة الضغط البحري، وتل أبيب من بوابة مشاريع الممرات البديلة، فيما تسعى أوروبا إلى حماية سلاسلها اللوجستية وسط تصاعد المخاوف من اختناق الإمدادات. ومع هذا التدويل، يرتفع وزن اليمن في الاقتصاد العالمي، ويتحوّل من "ملف داخلي" إلى "مفصل في شبكة الإمدادات العالمية". ولا يمكن فهم هذا التنافس من دون التوقف عند الفاعل المحلي اليمني. فالحكومة المعترف بها دولياً، والمجلس الانتقالي الجنوبي، والحوثيون، والقوى الحضرمية، لا يتحركون في فراغ، بل يعكسون، بدرجات متفاوتة، أولويات الفاعلين الإقليميين. تميل الإمارات إلى بناء شبكات عسكرية وأمنية محلية في الجنوب والمرافئ، فيما تفضّل السعودية إعادة بناء مؤسسات الدولة المركزية وتوحيد القرار. أما الحوثيون، فقد اكتشفوا أن البحر يمنحهم قدرة تفاوضية لا توفرها الجغرافيا الجبلية؛ فمن استهداف موانئ النفط إلى تهديد الملاحة، بات البحر منصة للتصعيد لا مجرد مسرح ثانوي للصراع. في هذا السياق، تتغير طبيعة السؤال حول اليمن. لم يعد السؤال: من يحكم اليمن؟ فهذا سؤال القرن العشرين. بل السؤال اليوم: من يوظّف اليمن؟ ولأي وظيفة؟ ولحساب أي مشروع؟ وهي أسئلة لا تزال في طور التشكل، لأن الخليج نفسه لم يستقر بعد على صيغة قيادته الجديدة، ولم يحسم معادلة توزيع النفوذ بين المركز والبوابة، بين الدولة والممر، بين أمن الحدود وعقد التجارة. وبينما لا يصوغ اليمن وحده مستقبل الخليج، فإنه قادر على تعطيله أو تأخيره؛ فمنصة لا تملك قيادة كاملة قد لا تملك قراراً، لكنها تملك كلفة، وهذه الكلفة وحدها كافية لجعل اليمن عقدة لا يمكن تجاوزها في اقتصاد ما بعد النفط.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية