لجنة تكنوقراط غزة تحت اختبار الإغاثة والإعمار
عربي
منذ 4 أيام
مشاركة
في لحظة سياسية واقتصادية شديدة الحساسية، تنطلق أعمال اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، المعروفة بلجنة التكنوقراط، وسط تركة ثقيلة خلّفتها حرب مدمرة استمرت لمدة عامين أعادت القطاع سنوات طويلة إلى الوراء. وغزة اليوم لا تواجه فقط دماراً عمرانياً واسعاً فحسب، بل أزمات اقتصادية مركبة تمس كل تفاصيل الحياة اليومية، من العمل والدخل إلى التعليم والصحة والأمن الغذائي. وتتشكل اللجنة في بيئة بالغة التعقيد، تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية والإنسانية مع القيود السياسية والأمنية، في ظل استمرار إغلاق المعابر وتعثر تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، ما يضع أي جهد إغاثي أو إعمار أمام عراقيل حقيقية. آمال معلّقة ووعود دولية رغم ذلك، يتعلّق الغزيون بآمال واسعة على قدرة اللجنة في إدارة هذه المرحلة الانتقالية، ووضع أسس تعافٍ اقتصادي تدريجي. ويُنظر إلى عمل اللجنة بوصفه اختباراً لقدرة الفلسطينيين على الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي، في اقتصاد يعاني من انهيار شبه كامل للقطاعات الإنتاجية، وتراجع غير مسبوق في مؤشرات العمل والنمو، ما يجعل من أي خطوة عملية مسألة مصيرية لمستقبل القطاع. وأعلن رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، علي شعث، يوم الجمعة الماضي، بدء عمل اللجنة رسمياً من العاصمة المصرية القاهرة، تمهيداً للانتقال لاحقاً إلى داخل القطاع، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب تنسيقاً إقليمياً ودولياً مكثفاً. وقال شعث إن اللجنة تلقت وعوداً من دول وازنة بتقديم دعم مالي كبير لدعم جهود الإغاثة وإعادة الإعمار، مشيراً إلى أن هذا الدعم يمثل ركيزة أساسية لانطلاق عمل اللجنة. ويمر الاقتصاد الغزي بواحدة من أسوأ مراحله التاريخية، حيث تشير البيانات إلى أن أكثر من 77% من القوى العاملة أصبحت عاطلة عن العمل خلال عام 2025. وانهار قطاع الإنشاءات بنسبة تقارب 99% فيما تراجع النشاط الصناعي بنسبة 94% وانخفض قطاع الخدمات بنسبة 82%. أما قطاع الزراعة الذي كان يشكل ركيزة أساسية للأمن الغذائي في غزة، فقد فقَدَ نحو 92% من قدرته الإنتاجية مقارنة بعام 2023. كذلك توقفت أكثر من 97% من المصانع عن العمل، ما أدى إلى تراجع حاد في الناتج المحلي وانهيار سلاسل التوريد ومصادر الدخل. هذه المؤشرات تضع لجنة التكنوقراط أمام مهمة مزدوجة، تتمثل في الاستجابة الفورية للاحتياجات الإنسانية، وإعادة تشغيل عجلة الاقتصاد في بيئة شبه مشلولة، ما يتطلب حلولاً غير تقليدية وإرادة سياسية ودعماً دولياً فعلياً. تكنوقراط غزة تواجه تحديات كبيرة أكد مدير شبكة المنظمات الأهلية في غزة، أمجد الشوا، أن أحد أبرز التحديات التي تواجه عمل اللجنة يتمثل في مماطلة الاحتلال الإسرائيلي في الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، معتبراً أن هذه المماطلة تعرقل أي جهد جاد للتعافي الاقتصادي. ويرى الشوا في حديث لـ"العربي الجديد" أن إلزام الاحتلال بتنفيذ بنود الاتفاق واستكمال ما تحقق في المرحلة الأولى يمثل شرطاً أساسياً لنجاح عمل اللجنة، مشيراً إلى أن فتح معبر رفح بشكل دائم يشكل أولوية قصوى، ليس فقط لإدخال المساعدات الإنسانية، بل لإعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية إلى القطاع. كما شدّد على أهمية عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار غزة، يكون قادراً على حشد الموارد المالية وتحويل التعهدات السياسية إلى التزامات عملية. وأوضح الشوا أن المرحلة الحالية تتطلب استجابة عاجلة لخطة تعافٍ قائمة على الإغاثة الفورية، مع التركيز على الاقتصاد الاجتماعي وتوفير فرص عمل بشكل تدريجي، بما يخفف من معدلات الفقر المرتفعة. أما القطاع الصحي، فيصفه الشوا بالمهترئ، داعياً إلى إصلاح تدريجي للبنية التحتية الصحية، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، مؤكداً أن الحديث عن أي تعافٍ اقتصادي أو اجتماعي يبقى بلا معنى في ظل استمرار إغلاق المعابر وآليات الاحتلال التي تعيق تنفيذ الاتفاقيات. وشدّد على أن اللجنة لن تعمل وحدها وأن جميع الأطراف الرسمية والأهلية مطالبة بالتكاتف معها لإنجاح عملها. غطاءً سياسي في حين، يرى المختص في الشأن الاقتصادي، سمير أبو مدللة، أن لجنة التكنوقراط حظيت باحتضان وطني واسع، إلى جانب ترحيب عربي وأوروبي ودعم من الرئاسة الفلسطينية، ما يوفر لها غطاءً سياسياً مهماً، "إلا أنه يؤكد أن حجم التحديات الاقتصادية الكبيرة يتطلب عملاً سريعاً ومبنياً على أرقام واقعية تعكس حجم الكارثة". وقال أبو مدللة لـ"العربي الجديد" إن قطاع غزة يعاني من تدمير شبه كامل للقطاعات الإنتاجية، حيث يقارب معدل البطالة 80% وارتفعت معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل توقف أكثر من 97% من المنشآت الصناعية. وأكد أن الأولوية القصوى يجب أن تكون لإدخال المساعدات الأساسية، خصوصاً المأوى، في ظل تدمير أكثر من 85% من الوحدات السكنية، إضافة إلى معالجة ملفي المياه والكهرباء، باعتبارهما شرطين أساسيين لاستقرار السكان ومنع التهجير. وأضاف: "إعادة تشغيل شبكات الكهرباء، حتى عبر مولدات متنقلة ومؤقتة، تمثل خطوة حيوية لإعادة الأمل للحياة اليومية مع ضرورة إحياء القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الزراعة والصناعة، إلى جانب دعم القطاع الخاص الفلسطيني بوصفه المشغل الأكبر للأيدي العاملة". وفي الجانب المالي، يؤكد أبو مدللة أهمية معالجة أزمة السيولة واستبدال العملة التالفة وفتح البنوك بالكامل، لإعادة دوران العجلة التجارية والزراعية والصناعية. وشدّد على أن اللجنة بحاجة إلى خطة مئة يوم للإغاثة العاجلة، تشمل إدخال الغذاء والكرفانات وإصلاح شبكات المياه والكهرباء، تمهيداً للانتقال إلى مرحلة إعمار أوسع، تستند إلى الخطط العربية والدولية، وعقد مؤتمر دولي يضمن تدفق المنح ورفع القيود عن إدخال مواد البناء. وبيّن أنه في ظل أرقام الانهيار وضغوط الواقع السياسي، تقف لجنة التكنوقراط أمام اختبار تاريخي في إدارة واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية والإنسانية في المنطقة، في وقت يعتمد نجاحها بقدرتها على تحويل الدعم المعلن إلى إنجازات ملموسة وبمدى توافر إرادة دولية حقيقية لكسر الحصار وفتح أفق جديد لغزة المنهكة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية