عربي
تعمل غالبية نساء بلدة سجنان بمحافظة بنزرت شمالي تونس، في صناعة قطع فخارية بطريقة متوارثة من الجدات، وهي تستعمل في المطبخ أو ديكورات للمنازل، وتحمل كل منها بصمة صانعتها
تجلب التونسية نسرين صخرة كبيرة مصقولة تطحن بها كتل طين يابسة. تستطيع بالكاد أن تدحرج هذه الصخرة بكلتا يديها كي تُفتّت الطين الجاف بإيقاع ثقيل، وتطوّع القساوة إلى مسحوق وتحوّله إلى تراب. ترتاح قليلاً وتُمسك بمعصمها كي يتحسّن الوجع الذي يسكن مفاصل يديها بسبب العمل الشاق المستمر منذ سنوات.
تقول نسرين لـ"العربي الجديد": "أصنع الفخار منذ عشرين سنة بعدما ورثت حرفة صنعه في سجنان بمحافظة بنزرت (شمال)، حيث تعمل النساء في هذه الحرفة، وأيضاً في الزراعة. أدرج فخار سجنان ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) منذ عام 2018، وهو يعتبر صنعة الأجداد التي نحافظ عليها، ونمارسها من دون مقاييس أو آلات، ونستخدم العين والخبرة لصنع زخارف مستوحاة من الطبيعة والحياة اليومية".
بعد طحن الطين الجاف تزيل نسرين الصخرة وتغربل المسحوق قبل أن تخلطه بماء مع بعض الطين الرطب. تنهض وتخلع حذاءها، وتبدأ في العجن بقدمَين حافيتَين. تضغط بإحدى قدميها بقوة على الطين المنبسط على غطاء بلاستيكي فوق الأرض كي يُصبح ليناً ومتماسكاً وصالحاً للتشكيل. كل حركات جسدها دقيقة ومتوارثة، كأنها تكمّل عملاً بدأته نساء قبلها، وحفظته عن ظهر قلب.
يسكن البرد جميع مفاصل نسرين، لكن لا حلّ لها سوى عجن الطين بقدمَين حافيتَين، وتقول: "أتعرَّض دائماً إلى إصابات في قدمَي بسبب حصوات يابسة في الطين أو بعض الزجاج، لكن الطين يحتاج إلى جهد كبير لعجنه كي يصبح ليناً، ولا يمكن الحصول على النتيجة نفسها إلّا في حال تنفيذ العملية باليدين"، تُضيف بعد التوقف عن دعك الطين قليلاً كي تلتقط أنفاسها: "أحتاج يومياً إلى ثلاثة كيلوغرامات من الطين لصنع نحو أربعة أوانٍ فخارية. جلب الطين عمل شاق، إذ أضطر إلى التنقل إلى جبال قريبة لجلب كمية تكفي نحو شهر أو أكثر. قبل سنوات كنت أجلب الطين على ظهور الدواب، والآن أستأجر جرافة لنقله من أماكن بعيدة".
تجلس نسرين القرفصاء قرب كومة الطين الرطب، وتحني ظهرها قليلاً، ثم تُدخل أصابعها في الطين ببطء، تضغطه وتلفّ كومة صغيرة كي يشتدّ ثم تبدأ في تشكيل إناء يستعمل للطبخ. يستغرق العمل نحو نصف ساعة للحصول على قطعة واحدة تضعها بعناية داخل كوخ حتى تجفّ بعيداً عن أشعة الشمس.
تمسك بقوقعة حلزون ملساء، وتبدأ في حكّ قطعة طين ببطء وثبات كي لا تتكسّر، ثم تُمرّر القوقعة بحركات دائرية هادئة على السطح الرطب. تضغط حيناً وتخفّف حيناً آخر فتختفي الخشونة شيئاً فشيئاً، ويصير الوعاء ناعماً ويلمع. بعدها تُعيده بحذر وتضعه في الظل، حيث لا ريح ولا شمس مباشرة، وتتركه كي يجفّ على مهل؛ لأنّ الهواء القاسي والشمس السريعة يتسبّبان في تشقق الطين، بينما الظل وحده يمنحه وقتاً كي يشتدّ من دون أن ينكسر.
تشعل نسرين النار رغم أنّ الحطب مبلّل بالمطر، ويُطلق دخاناً أكثر مما يبعثه من لهب. هي لا تبحث عن الدفء، فبرودة يديها لا تعنيها. تُوقد النار من أجل الطين وحده، وتضع بعضه فوق كومة تبن مشتعلة. تبدأ الأواني شيئاً فشيئاً في النضج، ويتبدّل لونها إلى الأسود وتتماسك جدرانها، وتقول: "العمل شاق ويحتاج إلى صبر طويل للحصول على قطع متماسكة صالحة للاستعمال لوقت طويل، لكن الحرفاء لا يُقدّرون قيمة الجهد الذي تبذله الحرفيات لصناعة الفخار".
وتعتبر نسرين من بين عشرات النساء اللواتي يصنعن الفخار في سجنان التي تشتهر بتلك الحرفة، وتشير إلى أنّ "غالبية نساء المنطقة يعملن في صناعة القطع الفخارية، سواء التي تستعمل في المطبخ أو في ديكورات المنازل، وهنّ يتعلّمن الحرفة في البيوت منذ الصغر، خصوصاً أنّها لا تحتاج إلى معدات أو تجهيزات مثل تلك التي تستخدم في الورش. نفعل ذلك باستخدام اليدين".
وتشارك نساء سجنان سنوياً في معارض عدة في العاصمة تونس ومناطق أخرى كما يروجن منتجاتهنّ في أسواق خارجية. ورغم تسجيل صناعة الفخار ضمن قائمة التراث الثقافي العالمي غير المادي، لم تتغيّر معاناة الحرفيات، كما لم تشهد مبيعاتهنّ تطوراً كبيراً في السوقَين المحلية أو العالمية، ومعظمهن لا يبعن سوى قطع قليلة طيلة السنة. وحتى باعة الحرف قد لا يقبلون الأسعار التي تعرضها الحرفيات بحجة أنّها مجرّد قطع طين عادي مستخرج من جبال لا يكلف الحرفيات شيئاً، والأسعار تتراوح غالباً بين دولار و30 دولاراً بحسب حجم القطعة ونوعها".
وقد عرفت تونس صناعة الفخار منذ عصور بعيدة، وتنتشر في مناطق عدّة على غرار جربة (جنوب)، ونابل بالوطن القبلي، ومكنين بالساحل. وقد اشتهر البربر بصنع أواني فخار يدوياً للطبخ والتخزين والزينة.
وعلى مدار السنة، يلقى فخار سجنان البربري إقبالاً متزايداً من السياح والتونسيين، إذ تنتشر على طول الطريق الرئيسية للبلدة معارض صغيرة مشيّدة بخشب تضم تشكيلات متنوعة من الأواني الفخارية لا يوجد مثلها في أي منطقة أخرى.
وفي عام 2021 تأسس مجمع سجنانية الذي يضمّ 100 حرفية من سجنان ويعمل لتكوين حرفيات، ما ساهم في تطوير مبيعات الحرفيات بنسبة 70%، وتطوير عملية الترويج لمنتجات فخار سجنان.
