عربي
تعود قضية الأمير هاري ضد مؤسسة أسوشييتد نيوزبيبرز، الناشرة لصحيفة ديلي ميل، إلى الواجهة مع انطلاق محاكمة بارزة أمام المحكمة العليا في لندن، أمس الاثنين. وتتمحور الدعوى حول اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة للخصوصية، عبر الحصول على معلومات شخصية بوسائل غير مشروعة، شملت التنصّت على الهواتف، والاطلاع على سجلات طبية، وتتبع بيانات سفر، والاستعانة بمحققين خاصين للوصول إلى تفاصيل يُفترض أن تبقى خارج التداول العام.
ويشارك في هذه الدعوى عدد من الشخصيات العامة، من بينها المغني إلتون جون. وتكتسب المحاكمة أهمية إضافية بالنظر إلى امتدادها الزمني المتوقع، إذ تشير تقديرات قضائية إلى أنها قد تستمر نحو تسعة أسابيع، مع ترقّب مثول الأمير هاري للإدلاء بشهادته في 22 يناير/كانون الثاني الحالي.
وتأتي هذه الجلسة بعد قرابة ثلاث سنوات على مثوله الأول أمام القضاء عام 2023، حين أصبح أول فرد من العائلة الملكية البريطانية منذ 130 عاماً يدلي بشهادته في محكمة علنية، وذلك في دعوى منفصلة ضد مؤسسة ميرور غروب نيوزبيبرز انتهت بالحكم لصالحه.
وتفتح هذه الإجراءات القضائية نقاشاً حساساً حول حدود جمع المعلومات في العصر الرقمي، والمعايير الناظمة للتعامل مع الأدلة الرقمية، وكيفية الموازنة بين الحق في الخصوصية وحرية الصحافة، في سياق تتشابك فيه التكنولوجيا مع العمل الإعلامي وأساليب جمع المعلومات.
جذور الصدام بين الملكية والصحافة
لا يمكن فصل الحساسية الراهنة تجاه الممارسات الإعلامية البريطانية عن حادثة وفاة الأميرة ديانا في 31 أغسطس/آب 1997، حين طاردها مصوّرون حتى لحظة وقوع الحادث في نفق بونت دي لالما في باريس. وفتح ذلك الحادث نقاشاً واسعاً حول حدود العمل الصحافي ومطاردة الخصوصية باسم "حق الجمهور في المعرفة".
وحفظت الحكومة البريطانية جوانب من تلك المرحلة في الأرشيف الوطني البريطاني، بما في ذلك وثائق رسمية صدرت بين 31 أغسطس و4 سبتمبر/أيلول 1997 تناولت الحادث وتداعياته الإعلامية والسياسية، إلى جانب إدراج وثائق تحقيقات أُجريت بين عامي 2007 و2008 ضمن السجلات العامة المتاحة للباحثين. ويشير ذلك إلى تعامل الدولة مع الواقعة باعتبارها أزمة إعلامية وسياسية بقدر ما كانت حادثاً إنسانياً.
وتكشف إحدى الوثائق الرسمية المؤرّخة في 4 سبتمبر 1997 بُعداً دبلوماسياً للأزمة، إذ تشير إلى أن هيلاري كلينتون، التي كانت آنذاك السيدة الأولى للولايات المتحدة، طلبت نصيحة بشأن ما ينبغي أن تقوله للصحافة البريطانية عن الحادث خلال زيارتها المرتقبة. وتوضح المذكرة أن "ميلها الشخصي" كان يتجه نحو انتقاد الصحافة البريطانية بسبب تغطيتها المكثفة لديانا، غير أن فريقها الدبلوماسي حثّها على تجنّب ذلك. وتعكس هذه الوثيقة حدّة الجدل الدولي الذي أثارته التغطية الإعلامية آنذاك، وتُظهر أن نقاش الخصوصية تجاوز الإطار المحلي إلى مستوى العلاقات الدبلوماسية.
تزداد أهمية هذه الخلفية اليوم مع التحوّل في مسار الصحافة البريطانية في تعاملها مع الشخصيات العامة من مطاردة ميدانية بالعدسات والهواتف في تسعينيات القرن الماضي، إلى جمع بيانات رقمية حساسة عبر وسطاء ومحققين وتقنيات اتصالات خلال العقدين الأخيرين. فإذا كانت ديانا تمثل مرحلة "الانكشاف البصري" عبر الباباراتزي، فإن القضايا الراهنة، وفي مقدمتها دعوى الأمير هاري، تندرج ضمن مرحلة "الانكشاف الرقمي"، حيث تصبح الخصوصية سجلاً قابلاً للاستخراج والتحليل والملاحقة، وتمتد قدرة الصحافة إلى ما هو أبعد من الشارع، لتطاول الهواتف والمراسلات والسجلات الطبية والتنقلات.
السياق القضائي الراهن
تنفي المؤسسة الناشرة هذه الاتهامات، وتصفها بأنها "غير منطقية" وتمسّ بسمعة صحافييها. غير أن القيمة القانونية للملف لا تكمن فقط في تبادل الاتهامات والردود، بل في طبيعة الأدلة الرقمية التي يستند إليها المدّعون، وفي قدرة المحاكم على تقييمها من حيث المصدر وطريقة الحصول عليها ومدى مشروعيتها. ويعيد ذلك تسليط الضوء على تحوّل الخصوصية من حق اجتماعي عام إلى مجموعة بيانات قابلة للاختراق والتحليل، في زمن تتقاطع فيه الصحافة مع تقنيات المراقبة وأنظمة جمع المعلومات.
تُظهر الدعوى الراهنة أن جوهر الخلاف لم يعد مرتبطاً بالملاحقة الميدانية للمشاهير، كما كان الحال في التسعينيات، بل بأساليب أكثر تعقيداً تعتمد على الحصول غير المشروع على البيانات الرقمية عبر وسطاء ومحققين خاصين. ووثّقت لجنة ليفيسون في تقريرها الرسمي لعام 2012 استخدام بعض المؤسسات الإعلامية البريطانية أساليب شملت انتحال الهوية وطلب معلومات طبية أو مالية تحت غطاء صفات رسمية، وهي ممارسات عُرفت بـ"الاستحصال الاحتيالي على البيانات".
ويصنّف مكتب مفوض المعلومات (ICO) هذه الممارسات ضمن جرائم "الوصول غير القانوني إلى البيانات الشخصية"، لما تنطوي عليه من خرق لقانون حماية البيانات. وفي سياق متصل، تُظهر تغطيات هيئة الادعاء الملكية (CPS) أن الأدلة الرقمية باتت جزءاً محورياً من عمل المحاكم، ما دفع العدالة البريطانية إلى تطوير آليات لتقييم مصدر البيانات وسلسلة حيازتها ومدى مشروعيتها، في ظل لجوء بعض الفاعلين الإعلاميين إلى شركات "الاستخبار المعلوماتي" الخاصة، وهي سوق ازدهرت خلال العقدين الأخيرين، كما كشفت تحقيقات منشورة في الصحافة البريطانية.
وتبيّن الوثائق والتنظيمات البريطانية الحديثة أن مفهوم "الأدلة الرقمية" لا يقتصر على الرسائل الهاتفية، بل يمتد إلى سجلات طبية ومالية واتصالات شخصية يمكن الوصول إليها عبر وسطاء وتقنيات بحث متطورة. وكشف مكتب مفوض المعلومات، في سلسلة تحقيقات من بينها ملف Operation Motorman، عن نشاط واسع لسوق المعلومات الشخصية في بريطانيا منذ مطلع الألفية، تورّط فيه محققون خاصون وشركات وسيطة عملت على بيع بيانات حساسة لجهات إعلامية.
وتوازى ذلك مع تحديثات قضائية وضعتها النيابة العامة التاجية لتوضيح كيفية جمع الأدلة الرقمية، وسلسلة الحيازة (Chain of Custody)، وشروط قبولها أو استبعادها أمام المحاكم. وفي هذه البيئة القانونية الجديدة، باتت الخصوصية أشبه بـ"أثر رقمي" يمكن تتبّعه وتحويله إلى مادة قضائية، لا مجرد قيمة أخلاقية أو اجتماعية.
نحو تعريف جديد للمصلحة العامة
تُظهر دعوى الأمير هاري أن الصراع الراهن لم يعد محصوراً بين شخصية عامة وصحيفة شعبية، بل بات صداماً بين فلسفتين إعلاميتين: إحداهما تستند إلى مبدأ "المصلحة العامة" بوصفه مبرراً للتدخل في الحياة الخاصة، وأخرى ترى أن هذا المبدأ يُساء استخدامه لتغذية فضول جماهيري لا يرقى دائماً إلى مستوى المصلحة العامة.
وتشير تقارير بحثية صادرة عن معهد رويترز إلى أن الرأي العام البريطاني بات أكثر وعياً بالتمييز بين المصلحة العامة، مثل كشف الفساد أو إساءة استخدام السلطة، والمصلحة الجماهيرية التي تقتصر على تتبّع تفاصيل الحياة الخاصة للمشاهير.
ومن هنا، تتجاوز دلالة هذه المحاكمة مسألة مشروعية الأدلة الرقمية، لتطاول حدود حرية الصحافة نفسها في مجتمع رقمي يعيد تعريف الخصوصية والمسؤولية المهنية وحق المعرفة. ومهما تكن نتيجة الدعوى، فإنها تضع الإعلام البريطاني أمام تحدٍّ جوهري يتمثل في إيجاد توازن فعلي بين حرية التحقيق الصحافي وصون الحياة الخاصة للأفراد، في زمن باتت فيه البيانات أكثر حضوراً من الأسرار.
نتائج لا تقتصر على هذا الملف وحده، بل قد تؤسس لقواعد جديدة في تنظيم المهنة الإعلامية، ولتصوّر محدث للعدالة المعلوماتية ينسجم مع واقع رقمي سريع التحوّل، ويترك أثراً طويل المدى على الممارسة الصحافية والأطر القانونية الناظمة لها.
