تنفيذ صعب لاتفاق دمشق و"قسد"
عربي
منذ 4 أيام
مشاركة
في أكبر تحوّل لخريطة السيطرة في سورية منذ إطاحة بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، بدأت الحكومة السورية تحكم قبضتها على محافظتَي الرقة ودير الزور اليوم الاثنين، بعد خروج "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) منهما، إثر اتفاق جديد وقّعه الرئيس السوري أحمد الشرع مساء أمس الأحد مع "قسد"، التي اضطرت للتنازل عن اشتراطات كانت قد أعاقت تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار الماضي. لكن تنفيذ الاتفاق الجديد لم يسر على نحوٍ سلس، بل شهد خروقاً كبيرة واشتباكات بين الطرفين في أكثر من منطقة، على الرغم من أن زعيم "قسد" مظلوم عبدي كان يزور دمشق. وفي حين بدا أن "قسد" هي الخاسر الأكبر من الاتفاق الذي جاء في 14 بنداً، خصوصاً لجهة خسارة مساحات كبيرة من الأراضي التي كانت تسيطر عليها، وما تحويه من ثروات طبيعية واقتصادية، إضافة لسقوط مشروع الحكم اللامركزي التي تمسّكت بها خلال جولات المحادثات مع السلطات في دمشق، فإنّ تنفيذ الاتفاق الجديد في المقابل يحمي سورية من حرب واسعة النطاق ودمار كبير سيدفع ثمنه المدنيون، فيما يقول بعض المراقبين إن "قسد" فشلت في قراءة التغييرات والمصالح الدولية في سورية فعرقلت تنفيذ اتفاق مارس الماضي لتضطر للقبول باتفاق جديد أسقط بعض مطالبها، بعدما خسرت الدعم الأميركي المفتوح لها. انتشار الجيش السوري في الجزيرة وبدأ الجيش السوري اليوم الانتشار في منطقة الجزيرة السورية وتحديداً محافظتَي الرقة ودير الزور تنفيذاً للاتفاق الذي وقع أمس الأحد، وذكرت هيئة العمليات في الجيش لوكالة "سانا" الرسمية أنه جرى تأمين سد تشرين وريف الرقة الشمالي، إضافةً لريف الحسكة الغربي. وجاء ذلك تنفيذاً للاتفاق الذي وُقّع الأحد وشمل 14 بنداً أبرزها وقف إطلاق نار شامل بين الحكومة و"قسد" على كل الجبهات، وتسليم محافظتَي الرقة ودير الزور إدارياً وعسكرياً للحكومة السورية بالكامل، ودمج كل المؤسّسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسّسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية، واستلام الحكومة السورية لكل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز. لكن تنفيذ الاتفاق شابته خروقات، مع اندلاع اشتباكات في أكثر من منطقة بين الطرفَين، وأعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري أن عناصر تنظيم العمال الكردستاني وفلول النظام السوري المخلوع استهدفوا قوات الجيش أثناء انتشارها في منطقة الجزيرة السورية ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وأضافت الهيئة أن "هناك بعض المجموعات الإرهابية تحاول تعطيل تنفيذ الاتفاق من خلال استهداف قوات الجيش ما أدى إلى مقتل 3 جنود وإصابة آخرين وذلك بعد عمليتَي استهداف طاولت القوات المنتشرة والتي تحاول تأمين المناطق باتجاه طريق "إم 4" وريفَي الحسكة الشرقي والشمالي". أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري أن عناصر تنظيم العمال الكردستاني وفلول النظام المخلوع استهدفوا قوات الجيش أثناء انتشارها في منطقة الجزيرة من جهتها، اتهمت "قسد" في بيان قوات الجيش بمواصلة "هجماتها على قواتنا في كلّ من عين عيسى والشدادي (الحسكة) والرقة"، مشيرة إلى "اشتباكات عنيفة" في "محيط سجن الأقطان في الرقة الذي يضم معتقلين" من تنظيم "داعش"، كما أعلنت "قسد" تعرّض سجن الشدادي بحافظة الحسكة، الذي يضم آلاف السجناء من عناصر "داعش"، لهجمات متكرّرة منذ ساعات صباح اليوم، قالت إنّ "فصائل تابعة لحكومة دمشق نفذتها"، وذكرت "قسد"، في بيان صادر عن مركزها الإعلامي، أن مقاتليها تصدّوا للهجمات وتمكنوا من كسرها مرات عدّة، مشيرة إلى سقوط "عشرات الشهداء والجرحى" في صفوف قواتها، وأضاف البيان أن سجن الشدادي خرج عن سيطرة قواتها. وفي وقت لاحق عصر اليوم، أعلن الجيش السوري أن قواته تقوم بتأمين سجن الشدادي ومحيطه وفرضت حظر تجوال كامل في المدينة التي تحمل الاسم نفسه وما حولها، وتقوم بعمليات تمشيط لإلقاء القبض على عناصر من "داعش" أطلقت "قسد" سراحهم من السجن، وحمّل الجيش السوري "قسد"، "كامل المسؤولية عن إطلاقهم لسراح عناصر تنظيم داعش من سجن الشدادي" مشدداً على أنه "سيقوم بما يلزم لإعادة ضبط المنطقة". من جهتها، قالت الحكومة السورية في بيان إنها "ترفض على نحوٍ حازم محاولات الابتزاز الأمني في ملف الإرهاب"، وتعهدت الحكومة السورية، بتأمين كل مراكز الاحتجاز وفقاً للمعايير الدولية المعتمدة، وضمان عدم فرار أي من عناصر "داعش" المحتجزين وعودتهم إلى الساحة مجدّداً، وحذرت الحكومة قيادة "قسد" من مغبّة الإقدام على أي خطوات متهورة تتمثل في تسهيل فرار محتجزي "داعش" أو فتح السجون لهم إجراء انتقامياً أو ورقةَ ضغط سياسيةً. وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أمل بعد توقيع الاتفاق أمام وسائل الإعلام، مساء الأحد في دمشق، أن يكون الاتفاق الجديد "فاتحة خير"، معتبراً أن المعركة التي جرت يومَي السبت والأحد بين القوات الحكومية والقوات الكردية "لا غالب فيها ولا مغلوب"، مضيفاً أن معركة من هذا النوع لا تهنأ فيها بنصر ولا ترضى فيها بهزيمة. في المقابل، قال قائد "قسد" مظلوم عبدي الأحد إنّ انسحاب قواته من الرقة ودير الزور إلى الحسكة "كان حقناً للدماء ومنعاً لحرب أهلية" على حدّ قوله، وأشار إلى أنه "بعد عودتنا من دمشق سنشرح بنود وتفاصيل الاتفاق لشعبنا"، وقال عبدي إنّ المواجهات الأخيرة فُرضت على قواته منذ 6 يناير/كانون الثاني الحالي، رغم محاولات وقف الهجمات، وفق تعبيره. وأكد أن قواته ستواصل "المقاومة والنضال، وسيكون النصر حليفهم"، بحسب قوله، مضيفاً أن قواته اتخذت إجراءات لتجنّب اندلاع المواجهات، إلّا أن "بعض الجهات كانت قد اتخذت قرار الحرب"، ووفق عبدي فإنه سيجري التمسّك بما وصفه "مكتسبات الشعب". من جانبه، وصف المبعوث الأميركي إلى سورية توم براك الاتفاق بأنه "نقطة تحول محورية"، مشيراً إلى أنه لا يزال هناك عمل شاق يتعين القيام به لوضع اللمسات الأخيرة على تفاصيل اتفاق دمج شامل. كما نقلت وكالة رويترز عن مصادر أمنية تركية، أن، الاتفاق يمثل "نقطة تحول تاريخية"، وأن المخابرات التركية أجرت اتصالات ‍مكثفة قبل إبرامه لضمان ضبط النفس ⁠من جانب الأطراف على ‌الأرض، وأضافت المصادر أن تركيا ‍تعتبر الاتفاق بالغ الأهمية لاستعادة سلطة الدولة في أنحاء سورية كافّة، ولتحقيق هدف أنقرة المتمثل في القضاء على الإرهاب في الداخل وتعزيز جهودها طويلة الأمد لإحلال السلام مع ⁠حزب العمال الكردستاني. وفي السياق، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اليوم، إنه يجب تنفيذ متطلبات الاتفاق بين دمشق وقسد ويجب تنفيذ الاندماج سريعاً، مشدداً على أن الحكومة التركية ستواصل العمل لتحقيق هدف خلو تركيا والمنطقة من الإرهاب. ماذا خسرت "قسد"؟ وجاء هذا الاتفاق على أنقاض اتفاق أبرم في 10 مارس الماضي، نص على دمج قوات قسد في المنظومة العسكرية السورية الجديدة، لم يجد طريقه للتطبيق بسبب اشتراطات متبادلة، خصوصاً من جهة قوات "قسد". وكانت الحكومة تشترط اندماجاً فردياً لقوات "قسد" في الجيش الجديد وهو ما تحقق في الاتفاق الجديد، واستلام محافظتَي الرقة ودير الزور والمعابر والثروة النفطية كلها في شمال شرقي البلاد من دون تفاوض، وتجاوزت التطورات الميدانية أغلب مطالب "قسد" التي أخرت تنفيذ اتفاق مارس، بما فيها "اللامركزية". ووصف الباحث السياسي المقرب من "الإدارة الذاتية" التابعة لـ"قسد"، إبراهيم مسلم، في حديث مع "العربي الجديد"، الاتفاق بالجيّد والقابل للتنفيذ"، مضيفاً: "لكنّنا بحاجة لمعطيات حول آليات التطبيق"، وأشار إلى أنه "أعطى خصوصية لمحافظة الحسكة بسبب الوجود الكردي فيها، ولكنه لم يتطرق لمنطقتَي تل أبيض بريف الرقة ورأس العين بريف الحسكة"، وأبدى خشية من تكرار الخلاف بين الطرفين حول آليات التطبيق "وهو الخلاف الذي حال دون تطبيق اتفاق مارس الماضي"، مضيفاً: عموماً الاتفاق جيّد خصوصاً لجهة التعاطي مع ملف كوباني (عين العرب). إبراهيم مسلم: خشية من تكرار الخلاف بين الطرفين حول آليات التطبيق وهو الخلاف الذي حال دون تطبيق اتفاق مارس الماضي من جهته، رأى الباحث السياسي رضوان زيادة، في حديث مع "العربي الجديد"، أن الشرع "ربما شعر بالحاجة إلى توقيع الاتفاق مع قسد جزءاً من التزاماته الدولية خصوصاً تجاه الولايات المتحدة وفرنسا، ولا سيّما أنه اتخذ سمعة دولية بأنه يحترم تعهداته ويلتزم بها على عكس بشار الأسد"، وشكّك زيادة في التزام "قسد" بتعهداتها وفق ما نص الاتفاق، مضيفاً أن "تجربتنا معها على مدار السنوات السابقة تثبت أنها لم تلتزم بالاتفاقات التي تبرمها"، وتابع: "ربما تريد (قسد)، تحويل الحسكة إلى موقع انفصالي لها تستمر فيه بالحكم بنفس العقلية الأيديولوجية ذاتها بدون أي احترام لمبادئ الثورة السورية وإيمان بحرية السوريين وحقهم في بناء دولتهم التعددية والديمقراطية". وتعد الحسكة التي تتبع لها القامشلي إدارياً، وتتمركز فيها قوات "قسد" حالياً، من كبريات المحافظات السورية لجهة المساحة، وهي تتاخم العراق وتركيا وتضم النسبة الأكبر من أكراد سورية، إلّا أنّ العرب يشكلون الغالبية من سكانها. وتعد هذه المحافظة الأهم اقتصادياً فهي تضم جانباً كبيراً من ثروة سورية النفطية والزراعية فضلاً عن موقعها الجغرافي المتفرد. ورأى الباحث السياسي زيد سفوك، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ الاتفاق "لا يحمل بنود شراكة"، مضيفاً: "في المحصلة هو اتفاق عسكري اقتصادي بين طرفَين على التسليم والاستلام. كان الأجدر تنفيذ اتفاق مارس كي لا تصل الأمور إلى هذا الحد". من جهته، اعتبر المحلل السياسي فريد سعدون، في حديث مع "العربي الجديد"، الاتفاق "الأكثر واقعية"، مشيراً إلى أن "الدولة رفضت مطالب قوات قسد أثناء جولات التفاوض لتطبيق اتفاق مارس، لجهة الثروة النفطية والمعابر والانضمام إلى الجيش كتلة واحدة، فضلاً عن مطلب الفيدرالية"، وبيّن أن الاتفاق "أكد أن لا نقاش ولا تفاوض على مسائل النفط والغاز والمعابر والحدود والجيش والرموز السيادية وشكل الدولة الذي تريده دمشق مركزياً مع إدارات محلية في المحافظات"، وأشار إلى أنّ الجانب التركي "ما كان ليسمح بتشكيل إقليم تقوده قوات قسد في شمال شرقي سورية؛ فهي بنظر أنقرة جزء من منظومة حزب العمال الكردستاني"، معرباً عن اعتقاده أن "الفيتو التركي كان وراء هذا الاتفاق، فضلاً عن التغيّر في المصالح الدولية"، مضيفاً أن واشنطن تدعم الحكومة السورية وسيطرتها على كامل الأراضي السورية، وتابع أن "المفاوض السياسي لقوات قسد فشل في إدراك عمق التناقضات في المشهد السوري خصوصاً المصالح الدولية في المنطقة. لم يقرأ المشهد جيداً ولم يكن واقعياً في مطالبه"، وأعرب سعدون عن اعتقاده أن الاتفاق الجديد "سينفذ"، مشيراً إلى أن عكس ذلك "يعني حرباً أهلية ودماراً كبيراً".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية