عربي
تنمو سوق اللحوم الحلال بقوة في بريطانيا، إلا أن ممارسات القائمين عليها تتسم بالفوضى نظراً لتعدد الجهات المصدرة للشهادات الخاصة بتلك المنتجات، في ظل رقابة هشة يستغلها المزورون جراء غياب معيار وطني موحد لعملية الذبح.
- أمضت الأربعينية السودانية ناهد عبد الحليم الأسابيع الأولى من هجرتها إلى بريطانيا في محاولات حثيثة لشراء لحم حلال مذبوح وفقاً لمعتقداتها الإسلامية، والمفارقة أنها تقيم في مدينة برمنغهام، حيث يشكل المسلمون نحو 21.8% من السكان. إلا أن محاولاتها باءت بالفشل، ما دفعها إلى اللجوء لوسائل التواصل الاجتماعي طالبة النصيحة. كانت الإجابات الغالبة: "عليك باللحوم من المتاجر اليهودية، فهم يلتزمون بطريقة ذبح مماثلة للمسلمين ولا يوجد غش لديهم". علل المعلقون ذلك بأن "بعض اللحوم الحاملة لعلامة الحلال تأتي من حيوانات مقتولة بطريقة الصعق الكهربائي المخالفة للقواعد الشرعية".
وتشارك شريحة واسعة من مسلمي بريطانيا ناهد حيرتها، إذ يواجهون صعوبة في التأكد من طريقة الذبح، وهو ما يعود في أحد أسبابه إلى كثرة الجهات المستقلة المُصدِرة لشهادات الحلال، ويبلغ عددها نحو 20 جهة، بينها "لجنة مراقبة الحلال" (HMC)، وهي منظمة بريطانية غير ربحية، و"هيئة الأغذية الحلال" (HFA شركة تجارية)، كما يوضح أيوال فوسيني، مدير قطاع الحلال في مجلس تنمية الزراعة والبستنة البريطاني (AHDB هيئة عامة غير وزارية تُموّلها ضرائب المزارعين والمنتجين).
من جهة أخرى، تشترط السلطات البريطانية على منتجي اللحوم عموماً استخدام الصعق الكهربائي لقتل الماشية والدواجن، لكنها تسمح بالاستثناء لتلبية احتياجات أتباع الديانتين الإسلامية واليهودية، كما يبيّن المحاضر في قانون الشركات والشريعة بجامعة شرق لندن بكري عربي صالح، الذي يضيف في حديث لـ"العربي الجديد": "حجم هذا القطاع ضخم، وقد أدّى ترك إصدار شهادات الحلال لجهات اعتماد مستقلة إلى خلق فوضى بسبب عدم تنظيم القطاع من قبل الحكومة".
شهادات حلال مزورة
شكوك ناهد تعززها شهادة التاجر البريطاني من أصل مغربي يونس جيلول، الذي يملك متجرا لبيع اللحوم الحلال في المدينة ذاتها، مشيرا إلى تزوير موردي دواجن ملصقات حلال في حالات عديدة مرت عليه خلال عمله المستمر منذ 25 عاما بهذا المجال، وتابع: "ضبطتها السلطات وغرمت المخالفين"، لافتا في الوقت ذاته إلى ضعف الرقابة من قبل مانحي شهادات الحلال على المنشآت الغذائية، التي "يقتصر دور موظفيها على زيارة دورية مرة واحدة سنويا".
تدعم شهادة جيلول أربع حالات تزوير وثقها معد التحقيق ووقعت خلال الفترة من سبتمبر/ أيلول 2012 وحتى منتصف 2025، أبرزها تورط شركة "زمان براذرز للحوم الحلال المحدودة" في محاولة تمرير خمسة آلاف ملصق مزيف مسلسل بادعاء صدورهم عن لجنة مراقبة الحلال لتمرير منتجات لحوم لم تخضع للفحص أو التصنيف.
ووفق موقع مجلس مدينة برمنغهام، غرمت المحكمة في سبتمبر 2013 مدير الشركة مناور زمان بنحو 20 ألف جنيه إسترليني بعد اعترافه بالجرم، أما مديرا شركة داتش بانغلا دايركت المحدودة محمد أنور الحق (56 عاما)، ومحمد زنيد الحق (25 عاما)، فأدانتهما محكمة ليستر كراون (Leicester Crown Court) في مارس/ آذار 2017 ببيع 116 طنا من لحوم أفخاذ الحبش غير الحلال على أساس أنها لحوم ضأن حلال، وقضت بسجنهما خمس سنوات واستبعادهما أربع سنوات من وظيفتيهما، وفق ما جاء على موقع معهد معايير التجارة المعتمد (CTSI غير ربحي متخصص في مجال حماية المستهلك)، مؤكدا مصادرة مسؤولي معايير التجارة في مجلس مدينة ليستر شهادات "حلال" مزورة، في سلسلة من العمليات التي ربحت الشركة من ورائها ما بين 300 و400 ألف جنيه (ما بين 400 و532 ألف دولار) خلال عامي 2013 و2014.
في حالة ثالثة تكررت المخالفات واستمرت لأجل زمني وصل إلى عامين، بحسب بيانات قضية "داتش بانغلا"، وهو ما دفع فوسيني للقول بوجود قصور كبير في الرقابة الميدانية من قبل الجهات المانحة لشهادات الحلال، متهما إياها بإهمال "زيارة المسالخ والمجازر المعتمدة من قبلها للتأكد من الالتزام بمعايير الحلال قبل إصدار الشهادات ووضع موظفيها ختم الحلال على اللحوم عقب ذبحها وفقا للمعايير الشرعية والصحية".
يتفق هذا الطرح مع بيان أصدرته هيئة الخدمات التنظيمية المشتركة (SRS مستقلة تهتم بمراقبة سلامة الأغذية ومكافحة الغش التجاري)، في يوليو/ تموز 2025، على خلفية الحكم بالسجن أربعة أعوام وثمانية أشهر بحق مالك شركة "يونيفرسال فودز" المحدودة، حليم ميا (46 عاما)، بعد إدانته بغش اللحوم الحلال وتزوير تواريخ انتهاء الصلاحية وتجاهل قواعد النظافة، وحث البيان على التحقق من صحة شهادات الحلال، والتوسع في محاسبة موردي الأغذية الحلال.
سوق ضخمة ورقابة هشّة
في عام 2024، بلغ حجم سوق اللحوم والدواجن الحلال في بريطانيا نحو 1.7 مليار جنيه (2.28 مليار دولار)، وهو ما يمثل 15% من إجمالي قطاع تجارة اللحوم، مع توقعات ببلوغه ملياري جنيه (2.66 مليار دولار)، بحلول 2028، وفق دراسة أصدرتها في مطلع العام الجاري لجنة مراقبة الحلال بالتعاون مع جامعة هدرسفيلد بعنوان "قيمة قطاع الحلال في الاقتصاد البريطاني: من المزرعة إلى المائدة".
بلغ حجم سوق اللحوم والدواجن الحلال في بريطانيا نحو 1.7 مليار جنيه
وتربط فانيسا أدمسون، مديرة التجزئة والمستهلك في مجلس تنمية الزراعة والبستنة، نمو السوق بارتفاع عدد المسلمين في بريطانيا من 2.7 مليون في 2011 لنحو 3.9 ملايين في عام 2021، أي أنهم يمثلون 6.5% من سكان المملكة المتحدة، وتؤكد لـ"العربي الجديد" أن عام 2023 وحده شهد إنفاق 823 مليون جنيه (مليار وثمانية ملايين دولار)، على اللحوم الحلال.
هذا النمو المتسارع للسوق عزز الطلب على خدمات الهيئات المصدرة لشهادات الحلال، وأبرزها لجنة مراقبة الحلال التي ارتفعت إيراداتها السنوية بنسبة 8.1% من مليونين و529 ألف جنيه (3 ملايين و368 ألف دولار)، عام 2023، إلى مليونين و736 ألفا و576 جنيها (ثلاثة ملايين و643 ألف دولار)، عام 2024، بسجل موظفين يضم 148 شخصا، وقائمة عملاء تضم 750 متجر تجزئة في عموم البلاد، وهي ليست وحدها، إذ يشير تقرير لجنة الأعمال الخيرية في إنكلترا وويلز (حكومية تنظم تسجيل الجمعيات الخيرية وأعمالها)، عن عام 2024 أيضا إلى ارتفاع الإيرادات السنوية لهيئة الأغذية الحلال بنسبة 20%، مسجلة مليونا و450 ألف جنيه (مليون و930 ألف دولار)، في 2024، بزيادة قدرها 250 ألفا (333 ألف دولار)، عن 2023.
لكن رغم نمو الأرباح تؤكد مصادر التحقيق، ومن بينها فوسيني، هشاشة آليات الرقابة على منتجي اللحوم الحلال من قبل الهيئات المعنية. ويذهب فوسيني إلى اعتمادها في قرارها إصدار وتجديد الشهادات على الثقة المتبادلة بين الجهة المنتجة للحوم والهيئات المانحة للشهادات. وهو طرح يتسق مع غياب أي إشارة لتنفيذ زيارات تفتيشية على المسالخ ومنافذ البيع بالتقرير السنوي لهيئة الأغذية الحلال الصادر في عام 2024.
تقييم لمعايير الحلال
تشير البيانات الواردة بالمسح السنوي لقطاع المسالخ لعام 2024 الذي أجرته وكالة معايير الغذاء (FSA حكومية تعنى بسلامة الغذاء)، إلى تجاهل يبديه منتجو اللحوم بحق استغلال الرخصة الممنوحة لهم من قبل السلطات والتي تتيح لهم حرية الاختيار بين القتل بصعق الحيوان كهربائيا أو الذبح المباشر، مراعاة للخصوصية الدينية والثقافية للمسلمين واليهود، فبين نحو 19.6 مليون حيوان ودجاجة ذبحت خلال العام خضعت 97% من الدواجن و86% من اللحوم الحمراء للصعق أولا.
ارتفعت الإيرادات السنوية للجنة مراقبة الحلال بنسبة 8.1%
وذكرت الهيئة المسؤولة عن سلامة الأغذية والمعايير الصحية الغذائية، في تقريرها الصادر عن عامي 2023/ 2024، أنها سجلت 362 انتهاكاً للوائح رعاية الحيوانات. ورغم الاتفاق الديني على مفهوم وخطوات الذبح الحلال المتعارف عليها إسلاميا، اتجهت شركات بريطانية كبرى وهيئات للتوسع في اعتماد الصعق قبل الذبح، من بينها شركة "شازانز للأغذية" (تأسست عام 2014)، التي تلعب دورا محوريا في تزويد السوق البريطانية بمنتجات اللحوم والدواجن، وفق مصادر التحقيق، وهو أمر لا ينكره مسؤول الجودة في الشركة غلام خان، لكنه يقول إن "العملية تجري مع بقاء الحيوان حيا وقت الذبح" وفقا لفحص طبي يجريه مختص بعد الصعق، ودفع باعتماد الشركة على "هيئة تصديق للشهادات الحلال ذات سمعة جيدة" لفحص منتجاتها.
وتتبنى هيئة الأغذية الحلال ومؤسسات أخرى منهجا مشابها يسمح بالصعق قبل الذبح، فيما تتبنى هيئة مراقبة الحلال تفسيرا أكثر صرامة يرفض الصعق من الأساس. وهذا الخلاف توثقه دراسة علمية بعنوان "تقييم لمعايير الحلال في المملكة المتحدة"، أجرتها جامعة برستول ونُشرت في مايو/ أيار 2020، شملت مسحا لتسع هيئات لإصدار شهادات الحلال.
ووفق الدراسة، يغيب معيار وطني موحد لعملية الذبح الحلال، ما خلق ارتباكا حول مفهوم "الحلال الأصيل"، وترجع ذلك لسماح ست هيئات بالصعق بشرط ألا يؤدي لوفاة الحيوان، مشيرة إلى تواتر هذه الممارسة في غالبية عمليات الذبح؛ فنحو 99% من الأبقار، و93% من الماعز، و90% من الدواجن، و75% من الأغنام، صعقت قبل ذبحها. في المقابل، ترفض ثلاث هيئات أي نوع من الصعق، إما لاحتمال تسببه بموت الحيوان قبل ذبحه أو لتأثيره في حجم الدم المفقود وبالتالي إضراره بجودة اللحم. وضع ملتبس يعلق عليه رئيس دار الإفتاء التابع لمعهد الفقه الإسلامي في ليستر (مؤسسة مستقلة)، محمد بن آدم الكوثري، بتأكيده على وجوب الحذر الشديد من التعاطي مع اللحوم الحلال المغشوشة واتخاذ كافة الآليات العلمية للتحقق من مطابقة المنتجات للاشتراطات عبر مؤسسات موثوقة تضمن الالتزام بالمعايير الصحية والشرعية.
