عربي
عاش المغرب على امتداد سبع سنوات ماضية على وقع جفاف استثنائي، وتراجع مقلق في حصة الفرد من المياه، نتج عنه استنزاف المياه الجوفية، وارتفاع نسبة الملوحة، الأمر الذي أثر سلباً على النشاط الزراعي
يخطو المغرب نحو الخروج من الأزمة المائية مع التحسّن الملحوظ في التساقطات المطرية والثلجية المسجلة خلال الأيام الماضية، وما رافقها من ارتفاع في الواردات المائية ونسب ملء السدود، بعد سبع سنوات من وضع مائي استثنائي ناتج من 7 سنوات من الجفاف الحاد، لكن تحديات بنيوية وبيئية لا تزال قائمة.
وأعلن وزير التجهيز والماء نزار بركة، قبل أيام، تجاوز المغرب تداعيات موجة الجفاف الطويلة مستفيداً من تحسن قياسي في الواردات المائية ورفع نسبة ملء السدود إلى 46%، وأكد خلال جلسة الأسئلة الشهرية أمام مجلس النواب، أن البلاد طوت صفحة الجفاف بفضل تسجيل واردات مائية بلغت 3.5 مليارات متر مكعب خلال الفترة بين مطلع سبتمبر/أيلول و12 يناير/ كانون الثاني الحالي، تركزت غالبيتها (3.1 مليارات متر مكعب) في الشهر الأخير وحده، ليرتفع المخزون العام إلى 7.7 مليارات متر مكعب، بزيادة 28% عن الفترة ذاتها من العام الماضي.
وأوضح الوزير المغربي أن "هذا الانتعاش المدعوم بفائض مطري بلغت نسبته 95% وتساقطات ثلجية استثنائية، مكن من تأمين مخزون مياه الشرب لسنة كاملة على الصعيد الوطني، ما يمنح هامشاً زمنياً مريحاً لتدبير الموارد"، مشدّداً على أنّ "هذا التحسّن الظرفي لن يوقف المخططات الاستراتيجية، إذ تواصل الحكومة تسريع مشاريع تحلية المياه، وإنجاز (الطريق السيار للماء) لربط حوض سبو بحوضَي أبي رقراق وأم الربيع خلال العام الحالي، لضمان الأمن المائي المستدام".
ورغم تحسن الموارد المائية، شدّد بركة على أنّ المغرب لن يتوقف عن الاستثمار في محطات تحلية المياه لتأمين مياه الشرب في مناطق مثل الناظور، والدريوش، وطنجة، وسوس ماسة، وتيزنيت، وكلميم، وطانطان، إضافة إلى الربط المائي للعاصمة الرباط، كما أعلن مواصلة العمل على ربط الأحواض المائية الاستراتيجية ضمن "خطة وطنية شاملة لضمان الاستدامة المائية في المستقبل".
ويعد المغرب أحد البلدان التي تواجه شحاً كبيراً في مياه الشرب، وهو يقترب بسرعة من الحدّ المطلق لندرة المياه البالغ 500 متر مكعب للفرد سنوياً، بحسب البنك الدولي. ويبلغ متوسط نصيب الفرد من المياه في المغرب نحو 645 متراً مكعباً سنوياً، مقارنة بـ10 آلاف متر مكعب في الدول الغنية بالمياه، وقد ينخفض هذا الرقم إلى 500 متر مكعب بحلول عام 2050، ما يضع البلاد في فئة "ندرة المياه الشديدة".
وأعلنت الحكومة المغربية في الأول من يوليو/تموز 2022، حالة طوارئ مائية، ودعت إلى ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة النقص الحاد في المياه، الذي قالت إنّه يضع الأفراد في وضعية مقلقة تؤثر في قدرتهم على الحصول على الكميات اللازمة للاستعمال اليومي من المياه، وأيضاً في أنشطتهم الاقتصادية، وتضرّ كذلك بجهود التنمية.
ومن أجل مواجهة التحديات التي طرحتها أزمة ندرة المياه، راهنت الحكومة المغربية على تطوير العرض المائي من خلال مواصلة بناء السدود الكبرى والصغرى، واللجوء إلى تقنية تحلية مياه البحر، والربط بين الأنظمة المائية والتنقيب عن المياه الجوفية وتطوير منشآت التزود بمياه الشرب.
ويؤكد الخبير البيئي مصطفى بنرامل أنّ هذا التحسّن المائي يؤثر إيجاباً على بعض القطاعات مثل الزراعة، ويخفّف من الضغط المائي في العديد من المناطق بعد سنوات من شحّ الأمطار، لكنّه يؤكد أن هذه الأرقام لا تعني أن المغرب تجاوز أزمة الجفاف، بل مجرد تحسن نسبي في وضعية الموارد المائية خلال موسم معين.
ويوضح بنرامل لـ"العربي الجديد"، أنّ "التعافي نسبي ومؤقت، وليس نهائياً، والتساقطات الأخيرة ليست كافية لضمان مخزون مائي مستدام، فقد كان في أوقات سابقة أعلى، ما يدل على تقلبات مناخية قوية. على الرغم من ارتفاع المخزون، فإنّ مستويات السدود لا تزال أقل من المستوى الأمثل الذي يضمن الأمن المائي على مدار السنة، خصوصاً مع استمرار الطلب المتزايد على المياه".
ويسجل الخبير البيئي كذلك وجود تفاوت واضح بين الأحواض المائية؛ ففي حين سجلت بعض السدود ارتفاعاً كبيراً في ملء المخزون، بقيت أخرى منخفضة، ما يدل على تفاوت توزيع المياه جغرافياً، موضحاً أن "أحد الانتقادات البنيوية الأساسية التي يطرحها خبراء البيئة هي وجود قصور في شبكات تجميع المياه وتوجيهها نحو التخزين والاستخدام، ما يؤدي إلى جزئية الاستفادة من الأمطار، وتحويل الكثير منها إلى مجاري تصريف نحو البحر من دون استخدام فعّال، كما أن تراكم الأوحال في بعض السدود يقلص من قدرتها التخزينية الفعلية، ما يستدعي جهود صيانة دورية وتحديثات تقنية، ويظل التغيّر المناخي عاملاً مؤثراً في ارتفاع وتيرة الجفاف، وزيادة درجات الحرارة تجعل التبخر أسرع، وتزيد الضغط على الموارد المحدودة".
ويرى بنرامل أن "الطلب على المياه يرتفع سنوياً نتيجة النمو السكاني وتوسع الزراعة والأنشطة الاقتصادية، ما يتطلب تخطيطاً، واستراتيجيات أكثر شمولاً. التحسن المائي الحالي مهم وملموس، وقد أسهمت التساقطات الأخيرة في تحسن وضعية السدود والموارد المائية مقارنة بالعام الماضي، غير أنّ القول بأنّ المغرب طوى صفحة الجفاف نهائياً يحتاج إلى توخي الحذر، لأن ما تحقق حتى الآن هو مجرد تحسن موسمي".
ويوضح أن "التحديات البنيوية والمناخية لا تزال قائمة، وتشمل الحاجة إلى بنى تحتية أفضل لتجميع المياه، وإدارة أكثر كفاءة للموارد، ومواجهة الفوارق الإقليمية في التخزين، والتخطيط طويل الأمد لمواجهة التغيّر المناخي. باختصار، التحسن قابل للترحيب كمرحلة إيجابية قصيرة الأمد، لكنه ليس مؤشراً على نهاية دائمة لأزمة الجفاف التي تحتاج إلى رؤية استراتيجية وطنية طويلة الأجل".
