عربي
يدخل الإعلام العالمي عام 2026 وهو يواجه أحد أكثر المنعطفات حدة منذ الانتقال إلى الإنترنت، في ظل ما يصفه معهد رويترز لدراسة الصحافة في جامعة أكسفورد بـ"الضغط المزدوج" الناتج عن التوسع السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي، وصعود اقتصاد المبدعين الذي يعيد توزيع الانتباه والثقة خارج المؤسسات الإعلامية التقليدية.
هذا التشخيص يَرِد في تقرير "اتجاهات وتوقّعات الصحافة والتكنولوجيا 2026" المنشور هذا الشهر، والصادر ضمن مشروع الأخبار الرقمية، من إعداد الباحث نِك نيومان، والمدعوم من مبادرة أخبار غوغل، والذي يستند إلى استطلاع شمل 280 من كبار القيادات الإعلامية في 51 دولة وإقليماً، من بينهم رؤساء تحرير، ومديرون تنفيذيون، ومسؤولو تحول رقمي وابتكار.
يُظهر التقرير فجوة لافتة بين النظرة إلى مستقبل الصحافة بوصفها مهنة، وبين تقييم المؤسسات لأوضاعها الخاصة. فبينما يقول 38% فقط من المشاركين إنهم واثقون بآفاق الصحافة في 2026، وهو تراجع بمقدار 22 نقطة مئوية مقارنة بعام 2022، ترتفع نسبة الثقة في مستقبل الأعمال الخاصة بالمؤسسات إلى 53%، وهي نسبة قريبة من مستوى العام الماضي. ويعزو التقرير هذا التراجع في الثقة العامة إلى مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها تصاعد الهجمات السياسية المنظمة على الصحافة، والضغوط الاقتصادية الناتجة عن تراجع الإعلانات وحركة الزيارات، إضافة إلى التحولات التقنية التي تقلّص حضور العلامات الإخبارية في الفضاء الرقمي.
السياسيون يتجاوزون الصحافة
ضمن هذا السياق، يرصد التقرير ما يسميه "نموذج ترامب 2.0"، في إشارة إلى توجّه سياسيين، ورجال أعمال، ومشاهير، إلى تجاوز وسائل الإعلام التقليدية، والتواصل المباشر مع الجمهور عبر بودكاستات أو قنوات "يوتيوب" ومنصات اجتماعية متعاطفة. ويترافق هذا التوجه، وفق التقرير، مع تصعيد في استخدام الدعاوى القضائية والتهديدات القانونية ضد المؤسسات الإعلامية، ومع حملات منهجية لتقويض الثقة بالصحافة من خلال وسمها بـ"الأخبار الزائفة". ويرى التقرير أن هذه السرديات تجد صدى خاصاً لدى فئات شابة ترتبط بالمنصات الرقمية أكثر من ما ترتبط بالعلامات الإخبارية التقليدية.
من محركات بحث إلى "محركات إجابة"
أحد أخطر التحولات التي يتوقف عندها التقرير يتمثل في تغيّر وظيفة محركات البحث نفسها. فمع إدخال تقنيات مثل "نظرة غوغل بالذكاء الاصطناعي" (AI Overviews) وواجهات البحث الحوارية، بات المستخدم يحصل على الإجابة مباشرة داخل نافذة دردشة، من دون الحاجة إلى زيارة الموقع الأصلي. وتشير نتائج الاستطلاع إلى أن الناشرين يتوقعون انخفاضاً متوسطه 43% في حركة الزيارات القادمة من محركات البحث خلال السنوات الثلاث المقبلة. ويعزّز هذا القلق بيانات تحليلية اعتمد عليها التقرير، تُظهر تراجعاً ملموساً في الإحالات من بحث "غوغل" ومن خدمة Google Discover، في مقابل مساهمة محدودة جداً لإحالات منصات مثل "تشات جي بي تي" التي تبقى هامشية مقارنة بحجم الإحالات التي يوفرها محرك البحث من "غوغل".
صفقات حذرة مع الذكاء الاصطناعي
أمام هذا الواقع، يجد الناشرون أنفسهم أمام معادلة معقدة في علاقتهم مع شركات الذكاء الاصطناعي: هل يتجهون إلى التقاضي، أم إلى عقد صفقات ترخيص، أم إلى الجمع بين الخيارين؟ يرصد التقرير توقيع عدد من الاتفاقيات بين ناشرين كبار ومنصات ذكاء اصطناعي، تشمل نماذج ترخيص محتوى أو تقاسم عائدات أو شراكات تقنية. غير أن التوقعات المالية تبقى محدودة؛ إذ يقول 20% فقط من المشاركين إنهم يتوقعون أن تشكّل هذه الصفقات مصدر دخل مهماً خلال ثلاث سنوات، بينما يتوقع 49% مساهمة طفيفة، ويعتقد 20% أنهم لن يحصلوا على أي دخل منها.
محتوى أقل وتميّز أكثر
في مواجهة المنافسة المتزايدة من أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تلخيص الأخبار العامة وصحافة الخدمات، يتجه الناشرون إلى إعادة تعريف أولوياتهم التحريرية. ويظهر الاستطلاع أن المؤسسات تخطط للتركيز بشكل أكبر على التحقيقات الأصلية والتغطيات الميدانية، والتحليل والسياق والتفسير، والقصص الإنسانية، وتدقيق المعلومات والتحقق. في المقابل، تتجه إلى تقليص الاستثمار في الأخبار العامة، والمحتوى الدائم، وصحافة الخدمات، التي يُتوقع أن تصبح "سلعاً" سهلة الإنتاج بواسطة روبوتات الدردشة.
الفيديو والصوت في الواجهة
على مستوى الصيغ، يشير التقرير إلى تحوّل واضح بعيداً عن النص المكتوب وحده، إذ قال 79% من المشاركين إنهم ينوون زيادة الاستثمار في الفيديو، فيما يخطط 71% لتعزيز المحتوى الصوتي، مثل البودكاست، باعتباره أقل قابلية للتلخيص الآلي، وأكثر قدرة على الحفاظ على علاقة مباشرة مع الجمهور.
أزمة المنصات الاجتماعية
يرصد التقرير ما يصفه بـ"أزمة منتصف العمر" التي تمر بها شبكات اجتماعية تقليدية مثل "فيسبوك" و"إكس"، حيث تراجعت الإحالات منها إلى المواقع الإخبارية بحدّة خلال السنوات الأخيرة. وفي المقابل، يتجه الناشرون إلى إعطاء أولوية أكبر لمنصات الفيديو، وعلى رأسها "يوتيوب"، ثم "تيك توك" و"إنستغرام"، إضافة إلى البحث عن موطئ قدم داخل منصات الذكاء الاصطناعي نفسها.
موجة المبدعين
يشكّل صعود المبدعين والمؤثرين أحد المحاور المركزية في التقرير. ويقول 70% من المشاركين إنهم قلقون من استحواذ هؤلاء على وقت الجمهور وانتباهه، بينما يخشى 39% من خسارة مواهب تحريرية لصالح اقتصاد المبدعين. في المقابل، تخطط المؤسسات للرد عبر استراتيجيات متعددة، أبرزها تشجيع الصحافيين على تبنّي أساليب أقرب إلى المبدعين، وبناء شراكات معهم، أو توظيفهم لإدارة الحضور على المنصات الاجتماعية، مع ما يرافق ذلك من تحديات أخلاقية ومهنية تتعلق بالاستقلالية والمعايير التحريرية.
"عفن الذكاء الاصطناعي"
يحذّر التقرير من انفجار المحتوى منخفض الجودة المُنتج آلياً، بما في ذلك الصور والفيديوهات المزيفة، والتي استُخدمت بالفعل في سياقات سياسية وانتخابية خلال عام 2025. وفي ظل تقليص المنصات لدور الإشراف البشري، تتزايد المخاوف من تأثير هذه الظاهرة على الثقة العامة والديمقراطية. ورغم ذلك، يرى 52% من المشاركين أن هذه الفوضى قد تعيد الاعتبار إلى الصحافة المهنية الموثوقة، شرط قدرتها على إثبات مصداقيتها وتمييز نفسها بوضوح.
إثبات المصدر رهان مستقبلي
من بين الحلول التي يسلط التقرير الضوء عليها، تبرز مبادرات "إثبات المصدر الرقمي" مثل معيار C2PA، الذي يهدف إلى توثيق أصل المحتوى الرقمي وتاريخ تعديله. لكنّ التقرير يقر بأنّ نسبة اعتماد هذه المعايير لا تزال منخفضة عالمياً، وأن نجاحها يتطلب تعاوناً واسعاً عبر المنصات والمؤسسات.
خلاصة مفتوحة على المجهول
يخلص تقرير معهد رويترز إلى أن عام 2026 سيكون حاسماً للصحافة، فالمؤسسات التي تنجح في الموازنة بين التميّز التحريري، والابتكار التقني، وبناء علاقات مباشرة مع الجمهور، قد تتمكن من الصمود، وربما النمو. أما تلك التي تبقى عالقة في نماذج توزيع وإنتاج تقليدية، فقد تجد نفسها محاصَرة بين آلات الذكاء الاصطناعي وشخصيات المبدعين.
