عربي
في وقت تواصل البعثة الأممية في ليبيا الإشراف على جلسات "الحوار المُهيكل"، الذي انطلقت أولى جولاته في 14 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كشف مصدر ليبي مطلع، أن البعثة تتجه تدريجيا لتعزيز هذا الحوار بوصفه "نهجاً بديلاً" في مسار العملية السياسية، في ظل تعثر المفاوضات بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.
ويعد "الحوار المُهيكل" أحد ركنين رئيسيين في خريطة الطريق الأممية التي أعلنتها الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، في 23 أغسطس/ آب، ويرتكز على أربعة مسارات هي الحوكمة، والاقتصاد، والأمن، والمصالحة الوطنية. ويشارك في الحوار 124 شخصا يمثلون البلديات، والأحزاب السياسية، والفئات المجتمعية والمدنية، بهدف "استكشاف حلول ملموسة لتحديات الحكم المستمرة والقضايا التي قد تعيق العملية الانتخابية، ولإرساء أسس رؤية وطنية نحو استقرار طويل الأمد". إلى جانب الركن الأول من الخريطة الذي أوكلت البعثة تنفيذه إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة للتوافق على إعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات ومعالجة الخلافات حول القوانين الانتخابية.
وبعد إطلاق أولى جلسات الحوار المهيكل في ديسمبر، شرعت البعثة في تسيير جلساته منفصلة للمسارات الأربعة، حيث عقد مسار الحوكمة اجتماعه الأول خلال الفترة من 11 إلى 15 يناير/ كانون الثاني الجاري، فيما انطلقت جلسات مساري الأمن والاقتصاد معا في 18 يناير لتستمر حتى الـ22 من الشهر نفسه، على أن تعقد جلسات مسار المصالحة الوطنية بين 25 و29 يناير.
ووفقا للمعلومات التي أدلى بها المصدر نفسه، وهو دبلوماسي قريب من أعضاء مسار الحوكمة، لـ"العربي الجديد"، فإن البعثة تنظر إلى مسار الحوكمة باعتباره أهم مسارات الحوار المهيكل الأربعة، "لاتصاله المباشر في الجوانب السياسية الأكثر تعقيدا في المشهد الليبي"، مؤكدا أن البعثة "حسمت" موقفها بعدم حصر ملفي مفوضية الانتخابات والقوانين الانتخابية في يد المجلسين، وأن المناخ العام في أوساط البعثة ومسار الحوكمة يسير في اتجاه تقديم هذا المسار ومخرجاته إلى مجلس الأمن كـ"توصيات قابلة للتطبيق" فور بلورتها، خصوصا في المسار الانتخابي.
البعثة تنظر إلى مسار الحوكمة بوصفه أهم مسارات الحوار المهيكل الأربعة
وحول المسارات الثلاثة الأخرى، الأمن والاقتصاد والمصالحة، أوضح المصدر أن البعثة "صممت خريطتها على أن تعمل هذه المسارات بشكل متوازٍ لدعم مسار الحوكمة، بهدف تخفيف أي مخاطر قد تحيط به، كونه المسار الأكثر اتصالا بالملفات حساسية بأطراف المشهد، مثل مسائل السلطة التنفيذية والقوانين الانتخابية". ولفت المصدر المطلع إلى أن الخلاف الأخير بين مجلسي النواب والدولة حول مفوضية الانتخابات يُستخدم داخل البعثة لإقناع الأطراف الدولية بضرورة البحث عن بديل عملي، مؤكدا أن "الحوار المهيكل" لن يطرح كآلية بديلة بوصفه تجاوزا للمجلسين، بل كأداة داعمة لتنفيذ المرحلة الأولى من خريطة الطريق، بصيغة تهدف إلى تفادي أي اعتراض قانوني أو سياسي من الأطراف الليبية، والحد من تأثير الخلافات المتصاعدة على العملية الانتخابية.
وعقب انتهاء جلسات مسار الحوكمة في 15 يناير، أصدرت البعثة الأممية بيانا أكدت فيه أن المشاركين حددوا "خمس قضايا" لمعالجتها خلال جلساتهم المقبلة، "تشمل كيفية التوصل إلى اتفاق سياسي قبل الانتخابات، وولاية الحكومة التي ستشرف على الانتخابات، ونزاهة العملية الانتخابية والدعم الدولي، والنظام السياسي للبلاد، وشكل الحكومة المركزية والمحلية". كما أشار البيان إلى أن هذا المسار أطلق "هذا الأسبوع أيضا مناقشات حول الاتفاق السياسي اللازم لتمهيد الطريق للانتخابات، بما في ذلك سبل قيام البلاد بوضع إطار انتخابي نهائي وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وهي خطوات أساسية في خريطة الطريق السياسية".
ومنذ إحاطتها أمام مجلس الأمن في منتصف أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، عبرت تيتيه عن أسفها لتعثر مجلسي النواب والدولة في التوصل إلى توافق بشأن مجلس المفوضية والقوانين الانتخابية، ولوحت بإمكانية أن تعتمد البعثة "نهجا آخر، في حال استمرار تعثر" المجلسين، مطالبة مجلس الأمن بدعمها لضمان تنفيذ خريطة الطريق. وفي إحاطتها اللاحقة أمام المجلس بتاريخ 20 ديسمبر، أبلغت تيتيه أعضاء مجلس الأمن بأن النقاشات بين المجلسين تعثرت في ظل "غياب الثقة" بينهما، مؤكدة أن ذلك "سيكون مدعاة للبحث عن آلية بديلة وطلب دعم مجلس الأمن"، ومشددة على أن "الإبقاء على الوضع الراهن، سواء عن قصد أو غير قصد، لا ينبغي أن يعطل المسار السياسي".
وعلى خلفية الانسداد الأخير بين المجلسين، عقب إعلان مجلس الدولة انتخاب رئيس جديد للمفوضية في الخامس من يناير الجاري ورفض مجلس النواب ذلك، أعادت البعثة التذكير بمقتطفات من إحاطة تيتيه في ديسمبر الماضي، مذكرة باقتراحها أمام مجلس الأمن ضرورة "البحث عن آلية بديلة" في حال استمرار فشل المجلسين في التوصل إلى توافق حول متطلبات خريطة الطريق.
وخلال لقائها مع سفير الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا، نيكولا أورلاندو، السبت الماضي، أكدت تيتيه عزمها "اقتراح آلية بديلة" في إحاطتها المقبلة أمام مجلس الأمن، مشيرة إلى أنها ناقشت مع السفير الأوروبي أهمية المشاركة الفعالة والعاجلة من جميع الأطراف المعنية لدفع العملية الانتخابية قدماً.
