عربي
تتواصل موجات النزوح من مدينتَي الرقة والطبقة في شمال سورية باتجاه مناطق "الجزيرة" في أقصى شمال شرقي البلاد، في ظلّ تصاعد حدّة المعارك وتدهور الأوضاع الإنسانية جراء الاشتباكات بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية "قسد". ويأتي ذلك وسط مخاوف حقيقية لدى المدنيين، ولا سيّما العائلات الكردية ومهجري عفرين وتل رفعت وحيّي الشيخ مقصود والأشرفية، من تهديد مباشر لحياتهم في مناطق الاشتباك.
ويؤكّد الرئيس المشترك لمكتب شؤون النازحين في "الإدارة الذاتية"، شيخموس أحمد، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ حركة النزوح الحالية واسعة النطاق، مشيراً إلى أن "الأعداد كبيرة وغير محددة بدقة"، في ظل استحالة إجراء إحصاءات شاملة بسبب الظروف الأمنية وتسارع وتيرة النزوح، وأوضح أن الخوف على الحياة هو الدافع الأساسي لهروب العائلات.
وبحسب أحمد، تعمل "الإدارة الذاتية" على استقبال المهجّرين وتأمين أماكن إيواء مؤقتة لهم؛ إذ جرى تخصيص مخيّم "نوروز" في مدينة ديريك (المالكية) مركزاً رئيسياً، إضافة إلى الاستفادة من المدارس وبعض الأكاديميات عند الضرورة، كما أشار إلى وجود حالة استنفار لدى المنظمات الدولية والإنسانية، ومفوضية الأمم المتحدة، في محاولة للاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
غير أن هذه الجهود، وفق أحمد، تصطدم بمحدودية الإمكانيات، في وقت تتفاقم فيه الأزمة مع اشتداد فصل الشتاء. ويؤكد أن المدنيين بحاجة ماسة إلى المأوى، والأغطية، والمحروقات، والغذاء، والرعاية الصحية، قائلاً: "إمكاناتنا ليست كإمكانات المنظمات الدولية، ولا يمكننا تغطية كل الاحتياجات في ظل هذا الحجم من النزوح"، ومحذراً من أن استمرار الهجوم ينذر بـ"كارثة إنسانية حقيقية".
قصص من قلب المعاناة
داخل مراكز الإيواء، تتجسّد المأساة في تفاصيل يومية قاسية. تروي أميرة محمد، وهي نازحة من منطقة الشهباء، تفاصيل رحلتها القسرية قائلة: "كان الطريق طويلاً وقاسياً، والشتاء في ذروته". وتصف كيف كان البرد ينهش أجساد أطفالها، فيما كانت تحتضنهم محاولةً منحهم بعض الدفء والأمان: "كنت أخفي دموعي كي لا يزداد خوفهم"، وتؤكد أن النزوح لم يكن مجرد انتقال مكاني، بل معاناة نفسية وجسدية وأسئلة مفتوحة عن المصير. وتشير إلى أن وصولها إلى القامشلي وتلقي المساعدة شكّل "نقطة ضوء بعد عتمة طويلة"، رغم استمرار معاناة أطفالها من المرض وحاجتهم للدواء والتدفئة.
بدورها، تصف شيرين محمد، وهي أم لطفلين، قسوة النزوح ومرارته، مشيرة إلى أنها نزحت أربع مرات سابقاً. وفي نزوحها الأخير، اضطرت للالتحاق بعائلة لا تعرفها وافقت على نقلهم إلى مدينة الحسكة، إلّا أن الرحلة لم تكتمل بسلام؛ إذ تعرّضوا لحادث سير في الطريق. وتشير شيرين، التي ترقد حالياً في أحد مشافي القامشلي إثر إصابتها بجرح في الجبين، إلى أنها ستقيم مؤقتاً في منزل شقيقتها، التي تعيش هي الأخرى تجربة نزوح طويلة مع عائلتها منذ ثمانية أعوام.
أزمة عطش في الرقة
وفي موازاة أزمة النزوح، تفاقمت الأوضاع الإنسانية داخل مدينة الرقة، بعد إعلان مديرية الإعلام في المدينة أن "قسد" فجّرت "جسر الرشيد" (الجسر الجديد)، إضافة إلى تفجير أنابيب المياه الرئيسية الممتدة على طول "الجسر القديم"، ما أدى إلى انقطاع المياه عن المدينة كلياً، مهدداً مئات آلاف المدنيين بأزمة عطش خانقة.
وبين أزمة نزوح جديدة، وبنية تحتية مدمّرة، وشتاء قاسٍ، تتعمّق معاناة المدنيين في شمال وشرق سورية، فيما يبقى التدخل الدولي الفاعل هو "الغائب الأبرز" عن مشهد إنساني يزداد قتامة يوماً بعد يوم.
