أبو يامن... "خياط الأسرى" يقاوم الاحتلال بإبرة من العدم
عربي
منذ 5 أيام
مشاركة
لأكثر من شهرين، ظل الأسير عبود الباشا، من مدينة طولكرم (شمالي الضفة الغربية)، يرتدي البنطال البني الذي تخصصه مصلحة سجون الاحتلال الإسرائيلي "الشاباص"، رغم أنه كان ممزقاً في أكثر من موضع. كان قد حصل عليه فور دخوله قسم (11) في سجن نفحة الصحراوي، وظل ملازماً له حتى نُقل إلى قسم (19)، وهناك التقى بـ"أبو يامن"، الأسير القادم من جنين، الذي تمكن من رتق بنطال الباشا وإصلاحه بطريقة إبداعية، تؤكد قدرة الأسرى على اجتراح الحلول لتجاوز التضييقات الشديدة التي تفرضها الإدارة. يقول الباشا لـ"العربي الجديد"، إنه انتقل من سجن "مجدو" في شمال فلسطين المحتلة إلى سجن "نفحة" الواقع في عمق صحراء النقب جنوباً. وهناك، يُجبر الأسير على ارتداء زي "الشاباص" المكون من قميص وبنطال بنيّي اللون. ورغم أن البنطال الذي تسلمه كان رثاً وممزقاً، إلا أنه لم يكن هناك مجال لاستبداله أو طلب آخر جديد؛ "فلا أحد يسمع أو يلبي آهات الأسرى المرضى، فكيف سيهتمون بما هو أقل من ذلك كتغيير الملابس؟"، يتساءل الباشا. ويضيف: "مر شهر وشهران وأنا أرتدي هذا البنطال مجبراً، وسط نكات وتعليقات زملائي الأسرى التي كانت تأتي من باب المداعبة والتخفيف عني. وحين نُقلت إلى غرفة جديدة ضمن سياسة التنقلات المستمرة لزعزعة استقرار الأسرى، كان الأمر هذه المرة لصالحي تماماً؛ فقد تعرفت هناك على (أبو يامن)، المعروف بلقب خياط الأسرى". إبرة وخيط من العدم في سجون الاحتلال تمكن "أبو يامن" من الحصول على سلك نحاسي قصير جداً لا يزيد طوله على خمسة سنتيمترات، وبطريقة ما ثقبه من أحد طرفيه ليصبح شبيهاً بالإبرة، واستغل وجود بعض قطع القماش القديمة ليستلّ منها الخيوط ويستخدمها في إصلاح ملابس الأسرى التي كانت تُرسل إليه من الغرف الأخرى. كان "أبو يامن" يردد دائماً أن "الحاجة أم الاختراع"، وأنه "لا مجال للاستسلام لإدارة السجون ولا الخضوع لسياسة التضييق، بل علينا المواجهة بما نستطيع". ومن الملاحظات المؤلمة التي يسردها "أبو يامن"، أن معظم ملابس الأسرى باتت بحاجة إلى إصلاح وتضييق، "خاصة في ظل خسارة كل أسير عشرات الكيلوغرامات من وزنه بسبب سياسة التجويع وانعدام القيمة الغذائية للطعام". ويضحك قائلاً بلهجته العامية: "بيكون الأسير ماشي وماسك بنطلونه بإيده خوف يسقط لأنه ما في حزام (قشاط)". وبالفعل، يقضي "أبو يامن" جل نهاره في رتق قطعة هنا وتقصير أخرى هناك. ويقول: "كنا نستغل كل قطعة قماش استغلالاً كاملاً؛ فمنها ما حُوّل إلى غطاء للرأس والأذنين اتقاءً للبرد الشديد، وأخرى حُوّلت إلى جوارب للقدمين أو قفازات لليدين". رتق أكواب البلاستيك ولعل الأغرب في هذه التفاصيل، أن "أبو يامن" تمكن من "رتق" الأكواب البلاستيكية التي يستخدمها الأسرى للشرب أو لاستلام الطعام السائل. يقول "أبو يامن" لزملائه الأسرى: "المحافظة على كل شيء أمر بالغ الضرورة في السجن؛ فإن فقدت ملعقتك أو صحن البلاستيك أو حتى الكوب فلن تعطيك الإدارة بديلاً". ويضيف: "قد لا يصدق البعض ما أقول لأنه لم يعش في كوكبنا المعزول، ولا يدرك انعدام الحاجة الذي نقاسيه، لذلك ستجد في كل غرفة صحوناً وأكواباً تم رتقها وإصلاحها قدر المستطاع". ويروي الباشا أنه لتجنب اختلاط حاجيات الأسرى، يتم وضع علامات مميزة عليها: "وضع أبو يامن مثلاً حرف (W) على صحن وليد، ورقم (19) على كل الصحون التي تخرج من غرفتنا لجلب الطعام، حتى نميزها عن صحون الغرف الأخرى". وتشهد سجون الاحتلال الإسرائيلي، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تصعيداً غير مسبوق في الانتهاكات بحق الأسرى، ضمن سياسات عقاب جماعي أعقبت الحرب على غزة. وتشمل هذه السياسات التجويع، والتعذيب، والعزل، وحرمان الأسرى من أبسط الحقوق الإنسانية. وبحسب مؤسسات الأسرى، كثّفت الإدارة الاقتحامات، وقلّصت أوقات "الفورة"، ومنعت إدخال الملابس ووسائل التدفئة، ما أدى إلى تدهور خطير في الأوضاع الصحية للأسرى وانتشار الأمراض، وسط صمت دولي مطبق.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية