التنوّع الفوضوي في سورية
عربي
منذ 4 أيام
مشاركة
تشكّل سورية حالة نموذجية لدراسة التنوّع الاجتماعي في سياق الدولة الهشّة والصراع المُمتد، نظراً لما تتميّز به من تعدّد ثقافي وعرقي وديني وطائفي كثيف، تداخل تاريخياً ضمن فضاء اجتماعي واحد. وقد ظلّ هذا التنوّع، على امتداد قرون، جزءاً من البنية الطبيعية للمجتمع السوري، لا مصدراً بنيوياً للصراع، إلى أن دخلت البلاد مرحلة من التفكّك العميق أعادت تعريف التنوّع بوصفه إشكالية سياسية وأمنية. ينطلق هذا التحليل من مقاربة ترى أنّ الأزمة السورية لم تكن نتاج التنوّع بحدّ ذاته، بل نتيجة تفكّك آليات إدارته عبر الزمن، وانتقاله من حالة اندماج اجتماعي نسبي إلى ما يمكن تسميته بـ"التنوّع الفوضوي"، أي التنوّع غير المنظّم، المنفلت من الأطر المؤسسية، والقابل للتسييس والصدام. أولاً، التنوّع قبل 2011: الغلبة للبنية الاجتماعية قبل عام 2011، كان المجتمع السوري قائماً على تراكب مُعقّد للهُويّات، إلا أنّ هذا التراكب لم يكن منظّماً على أساس صراعي. فعلى الرغم من التعدّد القومي والديني والمذهبي، ظلّت البنية الاجتماعية الاقتصادية هي المحدِّد الأبرز للعلاقات بين الأفراد والجماعات. وكانت الانقسامات الفعلية تدور حول الفوارق الطبقية، وأنماط العيش بين الريف والمدينة، ومستويات التعليم، والاندماج في السوق والوظيفة العامة. لم تكن الأزمة السورية أزمة تنوّع، بل أزمة إدارة تنوّع عبر الزمن ضمن هذا الإطار، يشكّل العرب الغالبية الديموغرافية والثقافية في البلاد، ليس بوصفهم كتلة متجانسة، بل لكونهم حاضنة اجتماعية واسعة انصهرت ضمنها جماعات وهُويّات فرعية مُتعدّدة، وأسهمت تاريخياً في إنتاج المجال العام السوري، لغوياً وثقافياً ومؤسسياً. غير أنّ هذه الغالبية لم تُترجم إلى هيمنة اجتماعية واعية بذاتها، بل ظلّت جزءاً من توازن ضمني فرضته الدولة المركزية والبنية الاقتصادية. ثانياً، ما بعد 2011: إعادة تسييس التنوّع وإدارته فوضوياً مع اندلاع الثورة عام 2011 وتحوّلها إلى صراع مفتوح، دخلت سورية مرحلة جديدة اتّسمت بتفكّك الإطار الناظم للتنوّع. فقد تراجعت الدولة عن دورها فاعلا مركزيا في إدارة المجتمع، وحلّت مكانها أنماط مُتعدّدة من السلطة، عسكرية ومحلية وخارجية، أعادت تعريف الجماعات الاجتماعية من خلال هُويّات صلبة ومُغلقة. في هذه المرحلة، جرى نقل الصراع من مستواه الاجتماعي– السياسي إلى مستوى هُويّاتي، حيث أُعيد تفسير التفاوتات الاقتصادية والتهميش المناطقي والحرمان السياسي بوصفها صراعات دينية أو طائفية أو عرقية. وبذلك، تحوّل التنوّع من واقع اجتماعي مُتداخل إلى أداة في إدارة الصراع، سواء عبر التعبئة أو الإقصاء أو الاستقطاب. حين غابت العدالة الاجتماعية والمؤسسات الجامعة، تحوّل التنوّع إلى عبء تجلّت فوضوية هذا التنوّع في غياب سياسات شاملة لإدارة النزاع، واعتماد مقاربات أمنية وعسكرية اختزلت المجتمع في انتماءاته الأولية. كما أسهم تدخل الفواعل الإقليمية والدولية في تكريس هذا المسار، عبر دعم هُويّات بعينها أو نماذج حكم جزئية، ما عمّق تفكّك المجال الوطني الجامع. ثالثاً، ما بعد تحرير سورية 2024: التنوّع بين الفرصة والمخاطرة شكّل تحرير سورية من حكم الأسد عام 2024 لحظة فاصلة أعادت طرح سؤال التنوّع من زاوية مختلفة: زاوية بناء الدولة لا إدارة الصراع فقط. ففي مرحلة ما بعد التحرير، لم يعد التحدّي مُتمثّلاً في وقف العنف، بل في إعادة تنظيم مجتمع متعدّد، مُنهك، ومحمّل بإرث طويل من الانقسامات. أظهرت هذه المرحلة أنّ التنوّع السوري لا يزال عرضة للانزلاق نحو الفوضوية، وإن بأشكال جديدة. فغياب إطار دستوري توافقي، وتعدّد مراكز القرار، واختلال التوازن بين المناطق في إعادة الإعمار والتمثيل السياسي، كل ذلك أدّى إلى بروز أنماط متباينة في إدارة التنوّع، بعضها احتوائي ومحلّي، وبعضها الآخر إقصائي يُعيد إنتاج منطق الغلبة. ما بعد التحرير، لم يعد التحدّي مُتمثّلاً في وقف العنف، بل في إعادة تنظيم مجتمع متعدّد، مُنهك، ومحمّل بإرث طويل من الانقسامات في هذا السياق، عادت المسألة الاجتماعية الاقتصادية لتؤدّي دوراً مركزياً. فالفقر الواسع، وعودة غير متكافئة للنازحين، وتفاوت الوصول إلى الموارد، خلقت توتّرات قابلة للتأطير هُويّاتياً عند غياب سياسات عادلة. كما برزت إشكالية تمثيل الغالبية العربية ضمن مشروع وطني جامع، لا بوصفها أداة هيمنة، بل بما هي رافعة للاستقرار إذا ما جرى دمجها في إطار مواطنة متساوية تحمي حقوق جميع المكوّنات. رابعاً، نحو إدارة مؤسسية للتنوّع تكشف التجربة السورية عبر مراحلها الثلاث أنّ الإشكال لا يكمن في التنوّع، بل في كيفية إدارته. فحين غابت العدالة الاجتماعية والمؤسسات الجامعة، تحوّل التنوّع إلى عبء، وحين أُدير بالقسر، انفجر على شكل صراع. إنّ الانتقال من "التنوّع الفوضوي" إلى التنوّع المنظَّم يتطلّب بناء عقد اجتماعي جديد، يقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والاعتراف بالخصوصيات الثقافية ضمن إطار وطني جامع. كما يستدعي مقاربة لامركزية إدارية تُتيح مشاركة محلية فعلية، دون تحويلها إلى كيانات هُويّاتية مُغلقة. وأخيراً، لم تكن الأزمة السورية أزمة تنوّع، بل أزمة إدارة تنوّع عبر الزمن. فالمجتمع السوري، بتعدّده وغالبيته العربية المُنفتحة تاريخياً، يمتلك مقوّمات الاندماج والاستقرار، شريطة أن يُعاد تنظيم هذا التنوّع ضمن مؤسسات عادلة، لا أن يُترك نهباً للفوضى أو التسييس. ومن هنا، فإنّ مستقبل سورية ما بعد التحرير يتوقّف إلى حدّ كبير على نجاحها في تحويل التنوّع من مصدر صراع إلى أساس لبناء دولة حديثة جامعة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية