حين يُدار الحاضر في تونس بوعدٍ خارج الزمن
عربي
منذ 5 أيام
مشاركة
لا تعيش تونس اليوم أزمةً سياسية بالمعنى التقليدي الذي يفترض صراعاً حول السلطة أو تنافساً بين برامج وخيارات؛ لأن السياسة، في معناها الحديث، تقوم على وجود أفقٍ زمني واضح، أي تصوّرٍ لما سيأتي ومسارٍ يمكن تتبّعه وتقييمه. ما تعيشه البلاد أعمق من هذا؛ إذ تواجه أزمةً في علاقتها بالمستقبل نفسه، لا من حيث غيابه من الخطاب، بل أيضاً من حيث طبيعته ووظيفته. فالمستقبل حاضر بقوة في كلام السلطة، لكنّه حاضرٌ بوصفه وعداً لغوياً معلّقاً، لا مساراً سياسياً قابلاً للفهم أو القياس أو المحاسبة، وهو ما يجعل الحكم قائماً على إدارة الحاضر من دون بناء أفقٍ زمنيٍّ مشترك. في التجارب السياسية الحديثة، حتى أكثر الأنظمة سلطويةً كانت تُحكم عبر المستقبل، سواء من خلال مشاريع تنموية أو وعود انتقال أو سرديات قومية واضحة المعالم. كان المستقبل أداةً لتنظيم الزمن السياسي، تُربط به السياسات وتُقاس على أساسه الإنجازات والإخفاقات. أما في تونس اليوم، فإن المستقبل الذي يُعرض لا يرتبط بسياسات عمومية ولا بخطط ولا بمراحل زمنية، بل يُقدَّم أفقاً أخلاقياً متعالياً يتحدّث عن تحرير وطني وبناء جديد ودولة العلو الشاهق، من دون تحديدٍ لماهية هذا التحرير أو أدوات هذا البناء أو شروط تحقّق هذا العلو. المستقبل هنا لا يُطرح بوصفه نتيجة لمسار، بل حالةً لغويةً تُستدعى باستمرار وتُؤجَّل عملياً، وتُستخدم تعويضاً رمزي عن غياب التخطيط. يتحرك الخطاب الرئاسي في تونس داخل زمنٍ رمزي يستعير مفرداته من سرديات تحرّر وطني وتجارب تاريخية كبرى لا تنتمي إلى السياق التونسي الراهن لا يعني ذلك أن الرئيس قيس سعيّد لا يتحدّث عن المستقبل؛ بل على العكس، يحضر المستقبل بكثافة في خطابه. غير أن هذا الحضور يكشف انفصالاً واضحاً بين الزمنين، السياسي والاجتماعي. فالخطاب الرئاسي يتحرّك داخل زمنٍ رمزي يستعير مفرداته من سرديات تحرّر وطني وتجارب تاريخية كبرى لا تنتمي إلى السياق التونسي الراهن، وكأنّ السلطة تعيش في زمنٍ آخر غير الذي يعيشه المجتمع المثقل بأزمةٍ معيشية خانقة وتآكلٍ مؤسّسي متسارع. بهذا المعنى، لا يُستخدم المستقبل أداةً للتخطيط وبناء السياسات، بل أداةً للتعبئة؛ ولا يُقدَّم بوصفه أفقاً مشتركاً يخضع للنقاش، بل حقيقةً مؤجّلةً لا تقبل التحديد ولا المساءلة. تكمن خطورة هذا التصوّر في أن المستقبل يصبح غير قابل للتقييم، لأن الوعود غير مرتبطة بمؤشّرات، ولا تُترجم إلى برامج، ولا تخضع لمنطق الإنجاز والفشل. وحين يُفصل المستقبل عن الواقع يتحوّل الزمن السياسي إلى زمنٍ دائري تُعاد فيه العناوين نفسها بصيغٍ مختلفة، فيما يبقى الحاضر عالقاً في إدارةٍ يومية للأزمات. هنا لا تُدار الدولة على أساس الانتقال من وضعٍ إلى آخر، بل على أساس تعليقٍ دائم لكل ما هو مؤجَّل باسم معركةٍ لا تُعرَّف نهايتها ولا شروط انتهائها. ينعكس هذا المنطق مباشرةً على طريقة الحكم، فالقرارات الاقتصادية تُتخذ من دون تصوّرٍ متوسّطٍ أو بعيد المدى، وتُقدَّم بوصفها إجراءاتٍ اضطرارية لا حلقاتٍ في سياسة شاملة. والملفات السياسية والقضائية تُدار بمنطق اللحظة لا بمنطق المسار، فتغيب فكرة الحل النهائي لمصلحة إدارة الصراع المفتوح. وفي غياب أفقٍ واضح، يصبح الانتظار سياسةً قائمةً بذاتها، ويُطلب من المجتمع التعايش مع وضعٍ لا يُقال له متى سينتهي ولا كيف يمكن تغييره. على المستوى الفلسفي، لا يُفهم الزمن السياسي بوصفه تعاقباً محايداً للأحداث، بل بوصفه بناءً اجتماعياً تنتجه السلطة حين تقترح على المجتمع سرديةً للماضي، وتفسيراً للحاضر، وأفقاً للمستقبل. في الدول التي تعرف قدراً من الاستقرار، يعمل الزمن السياسي جسراً بين ما كان وما هو كائن وما يُراد له أن يكون، وتُقاس السياسات بقدرتها على تحويل الوعود إلى مراحل، والمراحل إلى نتائج. أما حين يُفصل المستقبل عن أدوات تحقيقه ويتحوّل إلى خطابٍ معلّق، يفقد الزمن طبيعته التراكمية ويتحوّل إلى زمنٍ جامد، تُعاد فيه اللحظة نفسها من دون انتقالٍ فعلي. لا يُنتج هذا النوع من الزمن مشروعاً سياسياً، بل حالةَ انتظارٍ طويلةٍ تُنهك المجتمع وتُفرغ السياسة من معناها العملي. وتكشف المقارنة مع تجارب سياسية أخرى أن أخطر أشكال الحكم ليست التي تقمع باسم الماضي، بل التي تُجمِّد المستقبل. فالأنظمة التي استندت إلى وعود تحرّر أو بناء من دون تحديد أدواتها انتهت إلى تحويل الزمن إلى أداة سيطرة؛ فيُطلب من المجتمع الصبر من دون أفق، والتضحية من دون نهاية محدّدة، والالتفاف حول السلطة من دون معرفة إلى أين يقود هذا الالتفاف. في هذا السياق، لا يعود المستقبل وعداً جماعياً قابلاً للتفاوض، بل يتحوّل إلى فكرة احتكارية، تحتكرها السلطة، وتُجرّد المجتمع من حقّه في تخيّل بدائلها.   من دون إعادة إدخال المستقبل إلى السياسة أفقاً مشتركاً، ستظلّ تونس تعيش في حاضرٍ دائم لم تنجح المعارضة في كسر هذا المنطق الزمني؛ لأنها، وإن انتقدت السلطة، لم تقدّم أفقاً زمنياً بديلاً مقنعاً. فهي تصف الحاضر بوصفه مأزوماً، لكنّها لا تعرض مستقبلاً مختلفاً يمكن أن يتحوّل إلى مشروع جامع. يتوزّع خطابها بين استعادة الماضي أو الاكتفاء بالتحذير من الانغلاق، من دون بناء تصوّرٍ عملي لما بعد الأزمة. وبهذا، تتقاطع السلطة والمعارضة في نقطة خطيرة، غياب المستقبل القابل للتخيّل السياسي، وإن اختلفتا في اللغة والمواقع. أما المجتمع، فيتعامل مع هذا الفراغ الزمني بطريقة عملية، فينقل رهانه من السياسة إلى النجاة الفردية. تتحوّل الهجرة إلى مشروع حياة، ويغدو الاقتصاد غير الرسمي خياراً، ويصبح الانسحاب من الشأن العام سلوكاً عقلانياً. لا يحدث انفجار شامل ولا استقرار حقيقي، بل تعليقٌ طويل للحياة السياسية، يستهلك الثقة ويضعف الإحساس بالمصير المشترك. لا تنهار الدولة التي تفقد قدرتها على ربط الحاضر بالمستقبل فوراً، لكنّها تدخل في مسار تآكلٍ صامت، فالدولة ليست جهازاً لإدارة اليوم فقط، بل قدرة على إعطاء معنى للغد. وحين يصبح الغد وعداً لغوياً مفارقاً للواقع، تفقد السياسة وظيفتها الأساسية، ويتحوّل الحكم إلى إدارة فراغٍ زمني لا إلى قيادة مسار. لا يمرّ الخروج من هذا المأزق عبر استبدال وعد بآخر، ولا عبر تصعيد الخطاب، بل عبر إعادة إدخال المستقبل إلى السياسة بوصفه التزاماً لا شعاراً، ومساراً لا استعارةً، وأفقاً مشتركاً يخضع للنقاش والمساءلة. من دون ذلك، ستظلّ تونس تعيش في حاضرٍ دائم، تحكمه لغة كبيرة وزمن صغير، وتُدار فيه الدولة بوعدٍ لا يأتي، بينما يُستنزف المجتمع في انتظار نهايةٍ لا تُرى.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية