"لون القط" في غزّة
عربي
منذ 5 أيام
مشاركة
نستطيع أن نلعنَ سنسفيل مجلس السلام، وما دونه من تشكيلاتٍ موصولةٍ به، أعلنها الرئيس ترامب، أو انطبخت بموجب خطّته، لإدارة قطاع غزّة وإعماره وتسيير شؤون ناسه. ولنا أن نقول، محقّين، إنّ الحادثَ استعمارٌ أميركي، من نوعٍ خاص، في وصايةٍ معلنةٍ على الفلسطينيين، وليس على الغزّيين وحدهم. وتستحقّ وجوهٌ غير قليلة في المجلس المذكور، وفي المجلس التنفيذي تحته، ومعهم المندوب السامي المعيّن، أن نهجوها بما هي عليه من جهلٍ وصهينةٍ وذهنيةٍ عقاريةٍ وعداءٍ للشعب الفلسطيني، وبعضهم متواطئون علناً مع حرب الإبادة في غزّة. ومع وجوب أن يُشهر أصحابُ الرأي والتعاليق وأهل الإعلام هذا كلّه وغيره، وأن يؤشّروا إلى الأخطار المتوقّعة على المشروع الوطني الفلسطيني جرّاء هذه الوصاية، ثمّة، بالتوازي، ما هو كثيرُ الضرورة، من الملحّ أن يتجه إليه النقاش الفلسطيني، يتوزّع إلى ثلاثة أمور: أولاً، أن يجيب أهل القرار الفلسطيني على السؤال بشأن الأسباب التي أدّت إلى هذا الذي قدّامنا، وأن يحدّدوا مسؤولياتهم بصدِده، وكذا الوقائع والخيارات التي ساقت قطاع غزّة المُبتلى إلى التهديم والتمويت الظاهرَيْن. يحتاج هذا شجاعة الجميع في إجراء مراجعاتٍ جريئةٍ، تُغادر التغنّي بالبسالة والبطولة التي لا يجوز بشأنهما أي جدال، ولا يُغويها تسجيل النقاط على طرف هنا أو هناك، ولا تحتفي بالتضحيات طريقاً للاستقلال، فللاستقلال شروطٌ أخرى (وهذا موضوعٌ طويل). ومن موجباتٍ ينهض عليها هذا النقاش، الغائب والمشتهى، أن يُترك الكلام الفائض عن نزع سلاح حركة حماس وعدم نزعه، فالقضية ليست هنا، ولا يليق أن تكون هنا، فأولوية الأولويات: إنقاذُ الغزّيين من المحنة التي يكابدونها في الخيم البالية في زمهرير الشتاء (منذ متى لم نستخدم هذه المفردة؟) وصقيعه وعواصف الأمطار. إسعافُ الناس هناك بتطبيبهم وتعليم أبنائهم وتزويدهم بسبل البقاء أحياء، وتوفير شروط الحياة الطبيعية لهم. ... هذا هو الموضوع، ولا يجوز (أخلاقياً) أن يسبقه أي موضوع. ثاني الضرورات، الجواب على سؤال: ما العمل؟ الكُساح الذي يقيم فيه الفلسطينيون، قيادةً (هل ثمّة قيادةٌ حقاً؟)، وحركاتٍ وفصائل ونخباً، يُشهر نفسَه بنفسه، فقلّة الحيلة (انعدامها على الأصح) ساطعةٌ في الحالة الفلسطينية كلها، كما حال العرب الذين رحّبت حكوماتُهم بما قرّره ترامب من مجالس ولجان (وقوة استقرار لا أخبار بشأنها). ولأنّ الأمور على كثيرٍ من الوضوح (والارتياب طبعاً)، ليس في الوسع غير التعامل مع المجرى الذي تمضي إليه، أي إلى ما ستؤدّيه اللجنة الوطنية لإدارة غزّة (وهذا مسمّاها)، وقد أعلن رئيسُها، علي شعث، خطوطاً عامّة لما ستقوم به، وإلى إجراءاتٍ سيُباشرها المجلس التنفيذي وقراراتٍ سيتخذها، وإلى ما سيبثّه مجلس السلام (يضم رجال حروب ومناصري جرائم) من "تعاليم" و"إرشاداتٍ"، ليُبنى على الأشياء مقتضاها. ثالثاً، لن يملك الفلسطينيون، في أي موضعٍ يقيمون، شيئاً غير ارتجال التعاليق والآراء والتحليلات بشأن كل ما سيستجدّ. وإذا أشهروا اعتراضاً على أي ترتيب، فالفضائيات والتلفزات و"السوشيال ميديا" متاحة. ولأنّ حالَهم هو هذا، لماذا لا يستأنسوا بأقصى البراغماتيّة (وأقساها؟)، ويأخذوا بالحكمة الصينية "ليس المهمّ لون القطّ، أبيض أو أسود، المهم أن يأكل الفئران"، والتي طرحها رئيس الصين دينغ شياو بينغ بين 1978 و1992، في اجتماعٍ للحزب الشيوعي في 1961، في غضون خلافاتٍ بشأن الطرق الأمثل لتطوير الإنتاج الزراعي. وليس من طرقٍ مُثلى متاحة لدى الفلسطينيين رفاهية الخلاف بشأنها في ما يتعلق بأيها أنسب لإنقاذ الغزّيين في القطاع المنكوب. ثمّة اللجنة الوطنية (15 فلسطينياً بينهم امرأة)، ليس معلوماً أيَّ حوْل وقوة سيكونان لها، لتعمل وتنجز ما يرتجيه (أو بعضَه) الغزّيون في غضون النوائب بين ظهرانيهم. ولسنا ندري طبيعة صلة "المندوب السامي"، البلغاري ميلادينوف، بها، ولا نعرف حدود صلاحيّاتها. ... لنتعامل معها كما لو أنها قطٌّ صيني، ونرمي وراء ظهورنا "دحلانية" بعض أعضائها، وفي علمنا أن إسرائيل وحدها تملك كل أدوات التنغيص على عمل هذه اللجنة وبرامجها وخططها. وفي عِلمنا، قبل هذا وبعده، أن ثمة ذئاباً جارحةً بين رجال ترامب في مجلس السلام والمجلس التنفيذي... ماذا ستصنع اللجنة وهؤلاء أهل التوجيه والقرار الأخيرَين؟ لا أعرف.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية