عربي
انتظرت الولايات المتحدة إعلان زعماء عدد من الدول تسلمهم دعوة من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعضوية "مجلس السلام" الخاص بغزة، لتسريب خبر عبر الإعلام الأميركي يفيد بعزمها على طلب مليار دولار من كل دولة للحصول على مقعد دائم في المجلس. وسواء كان المقعد دائماً أو عرضة لـ"فيتو" ترامب، فإن الأمر يتعلّق ببساطة بمواصلة الأخير التعامل مع الشؤون الدولية بوصفها شركة استثمارية أو عقارية أو لعبة إلكترونية، بما ينمّ عن استهزاء بنظرائه الدوليين، فيما الأخطر الذي يصمت عنه كثيرون، رغبة الرئيس الأميركي تحويل "مجلس سلام" غزة إلى منصة دولية للسلام، بديلاً من الأمم المتحدة، لكن بشروط أصعب، مثل احتكاره قرارات المجلس وكلّ شاردة وواردة فيه.
وحتى يوم أمس، ظلّت الأخبار بشأن طلب إدارة ترامب ما يرادف الـ"خوّة" للمشاركة في "مجلس سلام" غزة، عالقة في إطار التسريبات، من دون أن يؤكدها أو ينفيها البيت الأبيض تماماً، والحال ذاتها تنطبق على التسريبات التي رافقت إعلان ولادة المجلس، الذي تهيمن عليه شخصيات أميركية تدور في فلك الرئيس وعالم الأعمال المحافظ المحيط به، بشأن رغبة ترامب في توسيع عمل "مجلس السلام" ليشمل أزمات أخرى غير غزة، مثل أوكرانيا. وسُرِّب نصّ مسوَّدة ما يسمى "ميثاق" المجلس، الذي من دون شكّ، تسعى الإدارة الأميركية لإضفاء هالة حوله، بعدما أثار الجدل منذ ولادته بأسماء أعضائه، وخصوصاً ممن هم من عالم الأعمال والمشاركين بأنشطة مع دولة الاحتلال، بعضها ساهم في تسعير الإبادة في غزة. وبينما وصف ترامب المجلس بأنه "الأعظم في التاريخ"، إلا أن شكوكاً كثيرة تحوم حول أهدافه، بما يوحي بأن القطاع المنكوب قد يكون على وشك الوقوع ضحية عملية سطو من الطامعين بأن يغتنموا نصيباً من كعكة مربحة، على اعتبار أنه لم تكن خافية المطامع حول القطاع منذ ما قبل العدوان عليه في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لجهة ربطه بطرق التجارة والنفط العالمية وقطع الطريق على الصين.
هاجم ترامب مراراً الأمم المتحدة واعتبر أنها لم تعد ذات فائدة
أعضاء مجلس سلام ترامب
وأعضاء مجلس سلام غزة، بحسب ما أعلنه البيت الأبيض، هم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص لترامب ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، والملياردير الأميركي مارك روان، ونائب مستشار الأمن القومي الأميركي منذ مايو/ أيار الماضي روبرت غابرييل، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، وهو رجل أعمال واقتصادي أميركي من أصول هندية. ويشكّل هؤلاء، وفق بيان للبيت الأبيض، "المجلس التنفيذي التأسيسي" في "مجلس السلام"، الذي يضم عضواً واحداً غير أميركي، هو رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير. وأوضح البيان نفسه أن "رئيس مجلس السلام (ترامب) عيّن آرييه لايتستون وجوش غروينباوم، وهما يهوديان أميركيان، مستشارين كبيرين لـ"مجلس السلام"، مكلفين بالقيادة اليومية للخطط الاستراتيجية والعمليات، وترجمة تفويض المجلس والأولويات الدبلوماسية على الأرض بشكل منضبط، ما يعكس أهمية دور هاتين الشخصيتين ومحوريته في عمل المجلس. وقال إن البلغاري نيكولاي ملادينوف، الذي رفض سابقاً منصب المبعوث الأممي إلى ليبيا، سيكون "الممثل السامي" لغزّة، حيث سيعمل كحلقة الوصل بين المجلس واللجنة الوطنية لإدارة القطاع، وسيدعم رؤية المجلس لكل أوجه حكم غزة، مع ضمان التنسيق بين القطاعين الأمني والمدني.
ولا تتضمن أسماء "المجلس التنفيذي التأسيسي" فلسطينيين، وكذلك "المجلس التنفيذي لغزة"، الذي تقوم مهمته على دعم عمل مكتب ملادينوف واللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهو يضم وفق بيان البيت الأبيض، بالإضافة إلى ويتكوف وكوشنر وبلير وروان وملادينوف، وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ورئيس جهاز الاستخبارات العامة المصرية حسن رشاد، والدبلوماسية الهولندية سيغريد كاغ، كبيرة منسقي الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية وإعادة الإعمار في غزة، بالإضافة إلى وزيرة التعاون الدولي في الإمارات، ريم الهاشمي، والدبلوماسي القطري علي الذوادي، وياكير جاباي، رجل الأعمال الإسرائيلي القبرصي المتخصص في العقارات. وقال البيت الأبيض إن من المقرّر إعلان مزيد من الأعضاء خلال الأسابيع المقبلة.
بديل لحلّ الأزمات
وسرّبت وكالة بلومبيرغ وموقع ذا أتلانتك الأميركيان، أول من أمس السبت، أن رئيس الولايات المتحدة الذي نصّب نفسه رئيساً على مجلس سلام غزة، بدأ بطلب مساهمة مقدارها مليار دولار من الدول التي ترغب في الحصول على "مقعد دائم" في "مجلس سلام" غزة. ورأت مجلة "ذا أتلانتك"، بلهجة ساخرة، أن الأمر بدا وكأنه عرض للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، غامزة من قناة ما نشرته بدايةً صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، قبل أيام، حول رغبة إدارة ترامب في توسيع نطاق عمل المجلس، ليكون بديلاً محتملاً من المنظمة الأممية.
ولطالما هاجم ترامب الأمم المتحدة، وعندما زار مقرّها في نيويورك بشهر سبتمبر/ أيلول الماضي، تهكم على مصعدٍ معطلّ فيه، فيما ألقى خطاباً في الجمعية العامة اعتبر فيه أن المنظمة لم تعد ذا فائدة، وأنها حتى لا تكلّف نفسها عناء التواصل معه فيما هو يعمل على حلّ وإنهاء عدد من الحروب حول العالم. أما بالنسبة إلى "الخوّات"، فقد تكون مرادفاً أكثر ابتزازاً لكلمات محببة لدى ترامب، وهي الضرائب والتعرفات الجمركية. وبالنسبة إلى رئيس اختطف نظيره من بلد آخر، وسَجنه قربه، وجاهر بعزمه على السطو على نفط هذا البلد المجاور، فلن تخجل إدارته من طلب مقابل مادي من دول محظية، يريدها ترامب إلى جانبه في المجلس، علماً أن الإدارة حتى الآن تبدو انتقائية في اختياراتها للدول المحظية، وبصدد تهميش عدد آخر من زعماء العالم وإبعادهم عن المجلس.
ومن بين من دعتهم الولايات المتحدة إلى عضوية المجلس، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ونظيراه، المصري عبد الفتاح السيسي، والأرجنتيني خافيير ميلّي، الذي يحظى بدعم ترامب سياسياً وينتمي إلى التيار الشعبوي المحافظ ويروّج لسياسة اقتصاد حرّ متفلتة من أي قيود، بالإضافة إلى رئيس الحكومة الكندية مارك كارني. علماً أن الرسالة التي نشرها ميلي على "إكس" على أنها دعوة من ترامب، أشارت إلى أن المجلس هدفه العمل على "حلّ الصراعات الدولية" بالإضافة إلى قضية غزة. كذلك تلقى رئيس الباراغواي سانتياغو بينا، رسالة مشابهة من البيت الأبيض، وصفت فيها جهود ترامب لـ"تعزيز" السلام في الشرق الأوسط بأنها "تاريخية وعظيمة"، وتتضمن الدعوة ليس فقط إلى "الانضمام" إلى هذه الجهود، بل إلى "مقاربة جديدة وشجاعة لحلّ الصراعات الدولية".
يملك ترامب حقّ طرد دول من المجلس، وتحديد أجندة الاجتماعات
بدورها، أعلنت البحرين، أول من أمس، تلقيها دعوة أميركية للانضمام إلى المجلس، بحسب وكالة الأنباء البحرينية "بنا"، حيث أعربت الخارجية البحرينية، عن تقدير المنامة "لجهود الرئيس ترامب لإحلال السلام العادل والمستدام في المنطقة". وأعلنت الخارجية الأردنية، أمس الأحد، أن الملك عبد الله الثاني تلقى دعوة مماثلة، وأنه "تجري حالياً دراسة الوثائق المرتبطة بالدعوة وفق الإجراءات القانونية الداخلية"، بالإضافة إلى تلقي كل من رئيس الوزراء الألباني إيدي راما والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا والرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس دعوات مماثلة. وكانت صحيفة صنداي تايمز البريطانية قد كشفت في وقت سابق خلال شهر يناير/ كانون الثاني الحالي، أن الرئيس الأميركي وجّه دعوة إلى رئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر للانضمام، لكن مصدراً في "داونينغ ستريت" أكد أنه "لم تُوجَّه دعوة رسمية" إليه بعد، علماً أن المجلس يضمّ رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي كان قد تولى الوساطة في الصراع العربي الإسرائيلي عام 2007 زمن الرباعية الدولية.
وذكر موقع بلومبيرغ أول من أمس، أن إدارة ترامب تطلب من دول تريد مقعداً دائماً في مجلس سلام غزة، المساهمة بمليار دولار. وبحسب مسودة ميثاق للمجلس اطلعت عليه الوكالة، فإن ترامب سيشغل منصب الرئيس الافتتاحي للمجلس، وسيقرّر من سيدعو من الدول، على أن تتخذ القرارات في المجلس بالأكثرية، وأن يكون لكل دولة مشاركة صوت واحد، لكن كل القرارات ستتطلب موافقة رئيس المجلس (ما يعني أنه يملك وحده ما يشبه حق النقض). وبينما تحتل خمس دول، هي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا، مقاعد دائمة وأبدية في مجلس الأمن، مع امتلاكها حق النقض (فيتو) الذي لطالما عطّل عدداً من القرارات، كما تطالب دول نامية أن يكون لها مقعد دائم في المجلس، فإنه بحسب مسودة "ميثاق" مجلس غزة، تبلغ ولاية كل دولة عضو 3 سنوات في حدّ أقصى، منذ دخول الميثاق حيّز التنفيذ، وهي قابلة للتجديد من قبل رئيس المجلس. وأوضحت المسودة التي اطلعت عليها "بلومبيرغ" أن عضوية السنوات الثلاث لا تنطبق على الدول الأعضاء التي تساهم بأكثر من مليار دولار نقداً في العام الأول. ويوصف المجلس في الميثاق بأنه "منظمة دولية تسعى لتعزيز الاستقرار، استعادة الحوكمة الرشيدة والقانونية، وضمان إيجاد سلام مستدام في مناطق مهدّدة أو متأثرة بالنزاعات"، من دون تحديد غزة، على أن يصبح الميثاق رسمياً ما إن توافق عليه 3 دول أعضاء. وسيكون ترامب مسؤولاً عن ختم المجلس.
وبحسب مصادر تحدثت لـ"بلومبيرغ"، فإن عدداً من الدول الأوروبية ستُدعى إلى الانضمام إلى "مجلس السلام" الخاص بترامب، مشيرة إلى أن المسودة تلمّح إلى أن ترامب نفسه سيدير الأموال، وهو أمر قد لا يكون مقبولاً من قبل معظم الدول التي يحتمل أن تشارك في المجلس، وفق المصادر. وسيكون لترامب أيضاً سلطة طرد عضو من المجلس، ما لم يواجه ذلك فيتو من ثلثي المجلس. كذلك فإنه لرئيس المجلس الحق في كل الأوقات بتعيين خليفة له بالمنصب.
صلاحيات حصرية لترامب
ويفترض وفق المسودة أن يجتمع مجلس سلام ترامب، في جلسة تصويت مرة واحدة على الأقل سنوياً "وفي أوقات إضافية وأماكن يراها الرئيس مناسبة"، فيما ستحتاج أجندة الاجتماع لموافقة رئيس المجلس أيضاً. أما الجلسات العادية التي لا تتضمن تصويتاً، فتكون دورية وعلى الأقل أربع مرات في العام.
وبينما كذّب البيت الأبيض تقرير "بلومبيرغ" واعتبره "مضللاً"، مؤكداً أنه لا توجد حدود دنيا لرسوم عضوية للانضمام إلى "مجلس السلام"، مضيفاً في بيان أن "هذا يمنح ببساطة عضوية دائمة للدول الشريكة التي تبدي التزاماً راسخاً بالسلام والأمن والازدهار"، قال مسؤول أميركي لـ"بلومبيرغ" في نسخة محدثة من التقرير، إن الدول المدعوة ستكون قادرة على الانضمام مجاناً، أما المليار دولار فستمنح "عضوية دائمة". ولفت إلى أن "الأموال التي ستُجمع ستستخدم لتنفيذ تفويض المجلس لإعادة إعمار غزة"، مضيفاً أن "المجلس سيضمن أن كل دولار يُجمَع سيُستخدَم لهذا التفويض".
ويوم أمس، نشرت صحفٌ عدة نصّ مسودة الميثاق الكاملة، التي لا ذكر لغزة فيها، ومن بينها صحيفة تايمز أوف إسرائيل، التي ربطت بين ذلك وما نشر من تقارير عن رغبة ترامب في توسيع عمل المجلس، ليشمل أزمات أخرى غير غزة، لكنها ذكّرت بأن المجلس أنشئ بتفويض أممي ومحدّد بغزة، على أن تكون ولايته حتى عام 2027. ومن بين ما تضمنه النص في مقدمته أن "السلام الدائم يتطلب أحكاماً براغماتية، وحلولاً منطقية، والشجاعة للتخلي عن مقاربات ومنظمات أثبتت فشلها مرات عدة". وتضمن أيضاً أن الدول التي تدفع أكثر من مليار في عام عضويتها الأول، ستكون عضويتها دائمة (أو مفتوحة إذا ما أخذ بالاعتبار حقّ الرئيس بطردها). ولم يذكر النصّ أين ستذهب الأموال، لكن أكد أن تمويل مجلس سلام غزة "طوعي".
وشبّه موقع "ذا أتلانتك" نصّ المسودة بأنه مثل طلب الانضمام إلى نادٍ فاخر للغولف. واكتفى المتحدث باسم البيت الأبيض ديلان جونسون بالقول في تصريح للموقع إن "العالم بأكمله يصطف للانضمام إلى جهود الرئيس ترامب التاريخية لإيصال السلام إلى الشرق الأوسط وخلق مستقبل مزدهر وآمن لشعب غزة. هذا الأسبوع، يسجّل بداية جديدة تاريخية للشرق الأوسط".
