عربي
تزخر مدينة معرّة النعمان (جنوبي محافظة إدلب شمال غربي سورية) بالمواقع الأثرية التي تغطي حقباً مختلفة، يعود بعضها إلى آلاف السنين.
وفي ظل أحداث الثورة السورية التي بدأت في ربيع عام 2011، عاشت المدينة على غرار كثير من المناطق السورية تقلبات الحرب، لكن المحنة الأكبر كانت عام 2019 حين تعرضت لحملات قصف عنيفة شنّتها قوات النظام السابق وحلفائه، انتهت بالسيطرة عليها وتهجير سكانها وتدمير معظم مبانيها، بما في ذلك المتحف الأثري الشهير الذي نُهب كاملاً.
تتصدّر الآثار في معرّة النعمان الواجهة من جديد، مع عودة كثير من السكان إلى مدينتهم بعد سقوط النظام السابق، ليكتشفوا ما تركته سنوات حكم النظام في المدينة من نهب وتخريب من جهة، فضلاً عما باتوا يكتشفونه خلال محاولاتهم إعادة ترميم منازلهم التي تعرضت للتدمير خلال السنوات الماضية من جهة أخرى.
وقبل أسابيع، وبينما كانت إحدى ورشات البناء تعمل على هدم مبنى سكني قديم في الحي الشمالي من المدينة، تمهيداً لإعادة تشييده. انهار سقف فراغٍ جوفي، لتظهر أولى حجرات الدفن البيزنطية تحت الأرض، أعقبها بعد دقائق انهيار سقف مدفنٍ ثانٍ، ليصل عدد المدافن إلى ستة.
يقول المتعهد المشرف على العمل، سعد (ورد الاسم في الصحيفة هكذا)، في تصريحات لصحيفة الثورة السورية المحلية، إن المنطقة تضم عدداً من المدافن القديمة المكشوفة، وبعضها يستخدمه السكان منذ عقود مستودعات أو سكناً مؤقتاً، من دون تدخل رسمي.
بعد توقف العمل في البناء لأسابيع، قررت مديرية الآثار تسقيف المدافن المكتشفة ووضع بوابات لحمايتها، مع السماح باستكمال البناء فوقها من دون إلحاق الضرر بها. ووفق المديرية، فإن المدافن الستة تعود إلى العصر البيزنطي، ويقدر عمرها بأكثر من 1500 عام، مشيرة عبر صفحتها في "فيسبوك"، في التاسع من ديسمبر/كانون الأول الماضي، إلى أن فرقها نفّذت الرسومات الهندسية التفصيلية والرفع الطبوغرافي للموقع، إضافة إلى توثيق المكتشفات عبر التصوير الاحترافي. وقالت إنها أصدرت توصيات ملزمة لصاحب العقار بهدف الحفاظ على هذه المكتشفات القيمة التي من المتوقع أن تسهم في إثراء المعلومات التاريخية عن المنطقة.
جدير بالذكر أن الأهالي صادفوا خلال الفترة الماضية عدداً من المقابر القديمة في معرّة النعمان بينها مقبرة في الحي الجنوبي وأخرى في الحي الشمالي تضم قسمين، وذلك خلال أعمال الحفر لترميم منازلهم.
يشير مدير آثار إدلب، حسّان الإسماعيل، في حديث إلى "العربي الجديد" إلى أنه بعد سقوط النظام السابق، وعودة الأهالي إلى مدنهم والبدء بأعمال الترميم وإعادة البناء، اكتُشف في مدينة معرّة النعمان موقعان أثريان، هما عبارة عن مدافن، أحدهما في الجزء الشمالي من المعرّة، والآخر في الجزء الجنوبي. وأوضح أنه خلال التنقيب الطارئ على المدافن الشمالية، تبين أنهما عبارة عن مدفنين كل مدفن يحتوي على ستة معازب (قبور) يعودان إلى الفترة البيزنطية، ما يساعد على تأريخ فترة الاستيطان البشري في المنطقة، إضافة إلى الأهمية الحضارية، لجهة الغنى الثقافي وفتح المجال للبحوث العلمية في مجال علم الآثار، كما يساعد ذلك على جذب السياحة الثقافية في المستقبل.
ولفت الإسماعيل إلى أن المواقع الأثرية تعرضت لعدة أضرار، منها قصف الطيران لمواقع مثل البارة وسرجيلا ومتاحف إدلب ومعرّة النعمان، إضافة إلى تعرضها للحفر العشوائي في معظم المواقع، وتكسير الحجر لاستعماله في البناء، كما في منطقة البارة. ومن أشكال الضرر أيضاً، يضيف الإسماعيل، استخدام المواقع الأثرية مقرّاتٍ عسكرية كما في منطقتي رويحة وجرادة.
وفي سعيها إلى الحفاظ على هذه الاثار، قال الإسماعيل إن المديرية تعمل حالياً على وقف التجاوزات على المواقع الأثرية ووقف الزحف العمراني، والتنسيق مع الجهات الحكومية والأمنية لهذا الغرض: "نعمل على التوعية المجتمعية من خلال التواصل مع الأهالي والمجالس المحلية والمدارس والجامعات، فضلاً عن التنسيق مع منظمة يونسكو من أجل أعمال الحماية والصيانة والترميم". ولفت إلى أن محافظة إدلب تضم أكثر من 800 موقع أثري.
ولا تقتصر مثل هذه الاكتشافات على إدلب؛ ففي 19 ديسمبر الماضي، أعلنت المديرية العامة للآثار والمتاحف اكتشاف مدفن أثري يعود إلى العصور الكلاسيكية في مدينة حلب. وأوضحت أنه خلال أعمال حفر أساسات لعقار في منطقة منبج، ظهرت دلائل أثرية دلت على وجود مدفن، إذ تقرر تشكيل بعثة تنقيب طارئة من مديرية آثار ومتاحف حلب للكشف على الموقع، ليتبين أن المدفن يتألف من غرفة رئيسية وثلاث حجرات للدفن ذات أقواس نصف دائرية، وهي سمات معمارية مميزة للعصور الكلاسيكية.
تعرض كثير من المواقع الأثرية في المدينة، والمحافظة عموماً، كما سائر البلاد، للأذى أو الضياع سواء عبر التخريب أو عبر شبكات تنقيب وتهريب منظمة، إضافة إلى التنقيب العشوائي واستخدام الحجارة الأثرية في البناء وتجريف المواقع لأغراض زراعية، في ظل ضعف المؤسسات الثقافية وتحوّل السيطرة على المواقع إلى أيدي قوى مسلحة متبدلة. وأصاب الضرر، خصوصاً، مناطق المدن المنسية الواقعة ضمن جبل الزاوية، مثل البارة وسرجيلا ودير سنبل، ما أدى إلى تدمير أجزاء واسعة من الكنائس البيزنطية والأبراج الحجرية والمدافن المعمارية التي تعود إلى القرون الميلادية الأولى.
وكشف وزير الثقافة السوري، محمد ياسين الصالح، في الثالث من ديسمبر الماضي عن استعادة 1234 رقماً أثرياً و198 قطعة تعود إلى حضارات قديمة ازدهرت على الأرض السورية.
أكّد الوزير خلال مؤتمر صحافي أن تعاون الأهالي كان عاملاً أساسياً في إعادة هذه المقتنيات إلى متحف إدلب، موضحاً أن المحافظة تمثل أحد أبرز مواقع الذاكرة السورية، معتبراً أن إعادة الآثار المفقودة خطوة مكملة لجهود حماية التراث الذي تعرض للتخريب خلال سنوات الحرب.
ولفت إلى أن سكان إدلب أدركوا منذ الأيام الأولى للثورة أن النظام السابق لن يتردد في استهداف المتاحف كما استهدف المدن والمرافق الحيوية، ما دفعهم إلى إخفاء الرقم والقطع العائدة لمملكتي إيبلا وماري في أماكن خاصة، لحمايتها من القصف والنهب حتى انتهاء المعارك، مشيراً إلى أن استهداف جيش النظام السابق لمتحف إدلب ألحق أضراراً كبيرة بممراته وغرف التخزين، وفقدت على إثره قطع أثرية نادرة قبل أن تُستعاد أخيراً،وهي مقتنيات يعود بعضها إلى 3200 عام قبل الميلاد، وتشكل مادة أساسية لدراسة حضارات ماري وإيبلا وآشور وسومر وأكاد.
ومنذ نهاية العام الماضي، بدأت مديرية الآثار بأعمال التأهيل والصيانة في متحف إدلب بعد أن تعرض للتدمير والنهب في عهد النظام السابق.
