عربي
تختزل غرينلاند حقبات من الاستعمار والسيطرة الأوروبية، ومن الأزمات التاريخية والإنسانية والاجتماعية التي عمّقت شعور السكان بتمييز صارخ، وسط عاصمة فقيرة معدومة لا يمكن مقارنتها بكوبنهاغن.
غالباً ما يُختزل تصوير غرينلاند في مناظر طبيعية خلابة وجليد أبدي، لكنّ الواقع الاجتماعي لأكبر جزيرة في العالم أكثر تعقيداً. فالجزيرة، التي تُدرَج رسمياً ضمن مملكة الدنمارك، إلى جانب جزر فارو في شمال المحيط الأطلسي، تحمل إرثاً تاريخياً طويلاً من السيطرة الأوروبية والاستعمار، بدءاً من الفايكنغ، مروراً بالمبشّرين الدنماركيين والنرويجيين، وصولاً إلى برامج "التحديث" أو "التحضر" في منتصف القرن العشرين، وإلى حملة تحديد النسل القسري التي شهدتها مقاطعة غرينلاند في ستينيات القرن الماضي، والتي شكّلت فضيحة هزّت العلاقة مع الدنمارك.
ترك هذا التاريخ آثاراً عميقة على السكان الأصليين "الإنويت" الذين غالباً ما يشعرون بأنّهم مواطنون من الدرجة الثانية داخل دولة تُقدَّم عالمياً بوصفها نموذجاً للرفاه الاجتماعي.
من نوك، عاصمة غرينلاند، يسلّط "العربي الجديد" الضوء على الأسباب التاريخية والاجتماعية للأزمة، سواء لجهة البنية الحضرية أو الهوية أو مستوى الفقر والواقع المعيشي، مقارنةً بالدنمارك، الدولة الشقيقة في المملكة، حيث تتوفر الخدمات الاجتماعية والتعليمية والصحية بشكل أوسع.
ويُظهر الواقع الغرينلاندي ثنائية صارخة؛ إذ تبدو العاصمة هادئة ونظيفة، بطابع إسكندنافي واضح، إلا أن هذه الواجهة تخفي خلفها أحياء إسمنتية رمادية، مأهولة بالمسنّين، والشباب العاطلين عن العمل، والأسر المعزولة، ما يعني أحياء حاضنة لأزمات اجتماعية متراكمة. أما الفقر في المقاطعة فلا يُقاس بالدخل فقط، إنّما بانعدام الأمن السكني وارتفاع تكلفة المعيشة، مقارنةً بالمدن الدنماركية الأخرى، حيث توفّر الدولة برامج دعم متكاملة.
إلى جانب ذلك، ترسّخت في الذاكرة الجماعية لسكان غرينلاند جراح تاريخية، بدءاً من إجبار النساء على عدم الإنجاب، وصولاً إلى برامج التحديث القسري التي أعادت تشكيل المجتمع الغرينلاندي وفق النموذج الأوروبي، ما أدّى إلى آثار اجتماعية ونفسية عميقة. وممّا لا شك فيه، أنّ هذه الازدواجية بين التاريخ والواقع المعاصر، وبين صورة الجزيرة في الإعلام وحياة سكانها اليومية، تشكّل الخلفية الأساسية لفهم الأزمة الاجتماعية الحالية التي تُراوح بين "الإسمنت البارد" في نوك، والفقر غير المرئي، وصولاً إلى الانتحار والإدمان والعنف الأسري.
يعود أول اتصال أوروبي بسكان غرينلاند إلى القرن العاشر مع وصول الفايكنغ بقيادة إريك الأحمر، الذي أسّس مستوطنات صغيرة على الساحل الجنوبي للجزيرة. لكن هذه المستوطنات اختفت في القرن الخامس عشر، بينما استمرّت ثقافة "الإنويت" في التكيّف مع البيئة القاسية، وتنظيم حياة الصيد والأسرة، وفق معايير محلية مستدامة.
وقد جاء التحول الجذري عام 1721 مع وصول المبشّر النرويجي - الدنماركي اللوثري هانز إيغيد، الذي لم يُعرَف فقط بالدين، بل بوصفه بداية السيطرة السياسية والإدارية على الجزيرة. منذ ذلك الحين، أصبحت غرينلاند جزءاً رسمياً من كومنولث الدنمارك، لكن العلاقة لم تَقمْ على شراكة متكافئة، بل على نمط من السيطرة الرمزية ثم الفعلية، بدءاً من احتكار التجارة، وصولاً إلى فرض نُظم تعليمية وسكنية أوروبية على السكان المحليين.
وحتى اليوم، يبقى تمثال إيغيد في نوك رمزاً إشكالياً، إذ يمثل إرثاً ثقافياً ودينياً عند الكثيرين في الدنمارك، بينما يراه أهالي غرينلاند رمزاً للاستعمار والسيطرة التي خلّفت جراحاً نفسية واجتماعية. وقد تعرّض للتخريب مرّات عدة، واعتبره ناشطون غرينلانديون رمزاً استعمارياً فَرض تغييراً ثقافياً بالسطوة والتهديد والعنف، وأنّه يجب أن يُزال من التل المطل على مدينتهم ومياه الجزيرة. حتى إنّ دنماركيين مقيمين في نوك يؤيدون كذلك إزالة التمثال.
للوهلة الأولى، تُوحي نوك بالهدوء وتعطي انطباعاً إيجابياً، لكن عند الغوص في تفاصيلها تظهر وقائع مختلفة. هناك أحياء إسمنتية رمادية ومبانٍ مرتفعة وممرّات ضيقة وأبواب قديمة، تبدو مهجورة أو شبه مهجورة. ويصف السكان المحليون هذه المباني بأنّها "مناطق مَنسية" تسكنها العائلات الفقيرة والمسنّون والأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية.
بالمقارنة، فإنّ المدن الدنماركية التي تُعد بحجم عاصمة غرينلاند، مثل ألبورغ أو أودنسه أو آرهوس، توفّر خدمات حضرية أفضل، مع شبكة مواصلات ومساحات خضراء، وخدمات اجتماعية متكاملة، ونسبة تشرّد أقل بعشرة أضعاف ما هو موجود في نوك. هذه الفوارق تولّد لدى سكان غرينلاند الشعور بأنّهم على هامش دولة رفاهية.
والمنشآت الإسمنتية في نوك ليست مجرد مبانٍ، بل استعارة لأزمة اجتماعية متجمّدة. السكان يعانون البطالة والفقر والإدمان والعزلة النفسية. بعض هذه الأحياء تقطنها أيضاً عمالة آسيوية مؤقتة، خصوصاً في المطاعم والفنادق.
وتقول موظفة في دائرة الشؤون الاجتماعية لـ"العربي الجديد"، هانا بيورلوند: "حين تقارن مساكننا بكوبنهاغن، تشعر فوراً بأنّ هناك حياة من الدرجة الثانية. هذا فرق لا يتعلّق بالطقس، إنما رسالة واضحة عمّن يُعدّ مهماً ومَن يمكن تجاهله".
حتى المقارنة بين الخدمات البسيطة تكشف الفجوة الكبيرة. ففي كوبنهاغن، يتوفر دعم متكامل للصحة النفسية وللأطفال ولذوي الدخل المحدود، بينما في غرينلاند الخدمات غالباً محدودة ومركّزة في العاصمة، مع ضعف في التغطية للمجتمعات النائية.
ولا تزال الذاكرة التاريخية تُلقي بظلالها على الحياة اليومية، خصوصاً مسألة المنع القسري للنساء الغرينلانديات من الإنجاب، في ما عُرف بـ"فضيحة اللولب". وعلى الرغم من الاعتذار الرسمي الذي قدّمته الحكومة الدنماركية، يظلّ الجرح مفتوحاً، ما يعبّر عن انعدام الثقة. وتعكس هذه المأساة إحساساً مستمراً لدى سكان غرينلاند بفقدان السيطرة على المصير، كما يُغذّي الشعور بأنّ العلاقة مع كوبنهاغن غير متكافئة. هذا إلى جانب شعور الغرينلانديين بأنّ الدنماركيين يتعاملون معهم باستعلاء، ويرونهم "متخلّفين" يحتاجون إلى التحضّر، ما خلق أزمة هوية عند البعض.
وتضيف بيورلوند: "في الدنمارك قالوا لي إنّني غرينلاندية، وحين عدتُ إلى هنا قالوا إنّني دنماركية. هذا الانقسام النفسي موجود في كل موقف وكل قرار". وتتّضح هنا الفجوة بين الرؤية الرسمية الدنماركية التي ترى الدعم المالي والبرامج الاجتماعية رمزاً للرفاهية، ورؤية سكان غرينلاند الذين يشعرون بأنّهم يعيشون حياة من الدرجة الثانية، رغم كونهم جزءاً من المملكة ذاتها.
ويبرز في غرينلاند الفقر غير المرئي، إذ ترتفع كلفة المعيشة، ويصعب الوصول إلى الغذاء والخدمات الصحية، وينعدم الشعور بالأمن السكني. وتشير تقديرات رسمية إلى أنّ نحو 1% من السكان بلا مأوى، مقارنةً بـ0.1% تقريباً في الدنمارك، أي نحو عشرة أضعاف. ويعاني سكان نوك ارتفاع تكاليف الإيجار، والاعتماد شبه الكامل على الاستيراد، ونقص المراكز الاجتماعية، بينما المدن الدنماركية تقدم برامج دعم فعالة للأسر الفقيرة وللأطفال والمسنّين.
يقول ماليك بيترسن لـ"العربي الجديد": "ليست هناك مراكز ترفيه ولا نوادٍ، وبالتالي يُترك المراهقون من دون ضوابط أو رقابة، ما يعزّز المشاكل المنتشرة بكثرة في هذه المنطقة الفقيرة".
وخلف الجدران الإسمنتية في نوك تتشكّل دوائر مغلقة من الإحباط والبطالة والإدمان والعزلة، تنتقل من جيل إلى آخر. واللافت أن كثيراً من السكان لا يطالبون بالاستقلال فوراً، إنما بتصحيح العلاقة مع الدنمارك، وإعطاء الأولوية لمشكلاتهم اليومية، لا لمكانة الجزيرة الجيوسياسية.
من نوافذ متهالكة يُطلّ ياكوب، العجوز الغرينلاندي، وقد بَدَت عليه علامات التعب والشقاء، ويقول لـ"العربي الجديد": "الأمور صعبة جداً، ودائماً ما ينقص الناس مالٌ كافٍ لتدبير أمورهم، وسط غلاء المواد الغذائية واللوازم الضرورية". جاء ياكوب في هجرة داخلية لأسباب علاجية من شرقي غرينلاند، حيث لا يزال الناس يعيشون كما عاش أسلافهم قبل مئات السنوات، محافظين على لغتهم وثقافتهم.
كما أنّ الحديث عن التبعية المالية يثير جدلاً بين المواطنين، إذ ينظر سكان غرينلاند إلى الدعم السنوي المقدّم من كوبنهاغن أنّه رمزٌ للتبعية، بينما يُعتبر في كوبنهاغن وسيلة لضمان الاستقرار المالي والتنمية، وهو تعارض بين منظور "الكرامة المحلية" و"الكفاءة الإدارية الوطنية".
إذاً، في نوك، لا يدور النقاش حول السياسة ورغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في السيطرة على الجزيرة، بل تتكشف أيضاً جراح المجتمع الغرينلاندي التاريخية والمعاصرة. بين الإسمنت البارد، والذاكرة المثقلة، والفجوة مع كوبنهاغن، تتشكل أزمة مركّبة تتجاوز السكن والأحياء الإسمنتية، لتشمل أزمة الهوية والفقر والصحة النفسية والهوّة بين الطرفين، ما يفاقم الجراح التاريخية والاجتماعية لأهالي غرينلاند، ويحوّلها إلى معاناة يومية.
