عربي
كشف علماء فلك، باستخدام مرصد كيك العملاق في هاواي، عن أكبر تدفق معروف لغاز شديد السخونة يخرج من مجرة قريبة، في اكتشاف يوضح كيف يمكن لثقب أسود فائق الكتلة أن يؤثر في مجرته على نطاق واسع، وليس في محيطه القريب فحسب. ركزت الدراسة التي نشرت يوم الثامن من يناير/كانون الثاني الحالي، في مجلة سَيسنس (Science)، على مجرة تعرف باسم VV 340a، إذ رصد الباحثون تدفقاً ضخماً من الغاز المتوهج يمتد إلى مسافة تصل إلى عشرين ألف سنة ضوئية بعيداً عن مركز المجرة. تمثل هذه المسافة رقماً غير مسبوق مقارنةً بتدفقات غازية مشابهة رصدت سابقاً، ما يشير إلى نشاط طويل الأمد تقوده نواة المجرة.
تحتوي معظم المجرات الكبيرة على ثقب أسود فائق الكتلة في مركزها، تبلغ كتلته ملايين أو مليارات المرات كتلة الشمس. وعندما يتدفق الغاز نحو هذا الثقب الأسود، لا يبتلعه بالكامل، بل يطلق جزءاً منه على هيئة طاقة ونفاثات قوية. مع مرور الوقت، يمكن لهذا النشاط أن يؤثر في المجرة كلّها؛ ففي حالة مجرة VV 340a، أظهرت المشاهدات أن الثقب الأسود لا يطلق طاقته في نطاق محدود، بل يدفع الغاز بعيداً إلى مسافات هائلة، في تدفق مستمر يشبه رياحاً كونية قوية.
يوضح المؤلف الرئيسي للدراسة، جاستن كايدر (Justin Kader)، باحث ما بعد الدكتوراه في علم الفلك والجيوفيزياء في جامعة كاليفورنيا في إيرفن، أن الاكتشاف اعتمد على أداة متخصصة في مرصد كيك، مكنت العلماء من رصد غاز أقل سخونة من البلازما، لكنه يمتد إلى مسافات أبعد بكثير خارج قرص المجرة. "ظهر هذا الغاز في صورة بنية طويلة وممتدة تصطف مع مركز المجرة، ما يشير إلى أن النشاط لم يكن انفجاراً مفاجئاً، بل عملية استمرت فترة طويلة؛ ومن ثم، فإن اتساع هذا التدفق دليل على أن الثقب الأسود ظل نشطاً لآلاف، وربما ملايين، السنين"، يقول كايدر في تصريحات لـ"العربي الجديد".
ولتكوين صورة أوضح لما يحدث في هذه المجرة، جمع الباحثون بيانات من عدة مراصد فلكية، إذ استخدموا تلسكوب جيمس ويب الفضائي لرصد الغاز شديد السخونة قرب مركز المجرة، كما استعانوا بمراصد راديوية لدراسة النفاثات الخارجة من الثقب الأسود. وأظهرت بيانات جيمس ويب وجود غاز فائق السخونة، يعرف بالبلازما، يندفع من جانبي الثقب الأسود. وعادة يظل هذا النوع من الغاز محصوراً في مناطق قريبة من النواة، لكن في مجرة VV 340a امتد إلى مسافات أكبر من أي حالة معروفة سابقاً. في المقابل، كشفت الصور الراديوية عن نفاثتين تخرجان من الثقب الأسود في مسار ملتف يشبه حرف S، وهي ظاهرة تعرف بتمايل النفاثات، إذ يتغير اتجاهها ببطء مع الزمن، ما يعكس تعقيد البيئة المحيطة بالثقب الأسود. كان الأثر الأهم لهذا التدفق هو فقدان المجرة كميات كبيرة من الغاز، وهو المادة الأساسية اللازمة لتكوين نجوم جديدة، ومع استمرار دفع هذا الغاز إلى خارج المجرة، تقل قدرتها تدريجياً على إنتاج النجوم.
تشير تقديرات الباحثين إلى أن مجرة VV 340a تفقد من الغاز ما يعادل الكمية اللازمة لتكوين نحو 20 نجماً بحجم الشمس كل عام. وتظهر البيانات أن النفاثات تبطئ سرعتها كلما ابتعدت عن مركز المجرة، وخلال ذلك تلتقط غازاً أبرد من داخل المجرة وتجره معها إلى الخارج، ما يسرع استنزاف وقود المجرة النجمي. لكن ما يجعل هذا الاكتشاف مهماً هو أنه يقدم أوضح دليل حتى الآن على أن تأثير الثقوب السوداء في المجرات يمكن أن يمتد عبر المجرة بأكملها، وليس في المنطقة القريبة من الثقب الأسود فقط، بحسب المؤلف الرئيسي للدراسة الذي يلفت إلى أن النتائج أظهرت أن نشاط الثقوب السوداء قد يكون طويل الأمد وقادراً على تغيير مسار تطور المجرات، بل على الحد من قدرتها على تكوين نجوم جديدة على المدى البعيد. "تظهر دراستنا أن الثقوب السوداء ليست مجرد أجسام تبتلع المادة، بل تلعب دوراً نشطاً في تشكيل المجرات التي توجد في مراكزها؛ فمن خلال دفع الغاز إلى الخارج على مدى فترات طويلة، يمكن للثقب الأسود أن يحدد مستقبل مجرته بالكامل"، يقول كايدر.
