ما بعد فنزويلا: من الجمهورية الأميركية إلى الإمبراطورية
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
بمجرد أن دخلت القوات الخاصة الأميركية إلى فنزويلا واختطفت رئيسها نيكولاس مادورو خلال نصف ساعة، انشغل العالم بما يقوله الرئيس الأميركي. غير أن ما لقي اهتماماً أقل هو ما تقوله القواعد الشعبية للرئيس داخل نظام يعتمد التصويت آلية في تداول السلطة. فقد كانت شريحة واسعة من حركة "ماغا" قد عارضت حرب إيران، ما عزز التصور أن إصرار الرئيس على التدخل العسكري في فنزويلا سيضعه في تناقض جديد مع خطابه السياسي الانعزالي في العلاقات الدولية، وهو الخطاب الذي أوصله إلى البيت الأبيض. وافترض كثيرون أن التحرك ضد فنزويلا سيدفع عدداً من أنصار "ماغا" إلى التخلي عن ترامب، بوصفه متماهياً في سياسته الخارجية مع المحافظين الجدد، وهو التيار الذي عارضوه بشراسة، وعلى أطلال فشله في العراق وأفغانستان وليبيا، أعادوا بناء حركتهم المعروفة باسم "ماغا". لكن ذلك كله لم يحدث. "لطالما كنت إمبريالياً أميركياً"، يقول الإعلامي والناشط مايك كيرنوفيتش، أحد أبرز وجوه تيار "ماغا"، في تعليقه على غزو فنزويلا. كيرنوفيتش، الذي كان من أشد معارضي التدخل في إيران، بات من أشرس المبررين للتدخل في فنزويلا. ويرى أن من ينعتونه بالقرب من المحافظين الجدد بسبب موقفه من كاراكاس "لا يعرفون الفرق" بين هؤلاء وحركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً"، التي يعد ترامب زعيمها السياسي اليوم. فالفرق، من وجهة نظره، أن "ماغا" تؤمن بمبدأ "أميركا أولاً"، بينما يمثل المحافظون الجدد "أميركا آخراً". ويضيف: "هؤلاء (يقصد المحافظين الجدد) يريدون لشبابنا خوض حروب لتسوية عداءاتهم الشخصية. أما الاستيلاء على البلدان الغنية بالموارد، وحكم الناس في ظل الأخلاق المسيحية، فهو واجبنا الأخلاقي". وفق هذه القراءة اليمينية، لا يحتل القانون الدولي موقعاً مرجعياً. فهو، بحسب كيرنوفيتش، قانون "وضعي"، Made up، لا يحمل أي قداسة في مواجهة ما يعتقده الأفراد أو الدول صواباً، بل إن ما يستلهم دوافعه من مصدر ديني يغدو مقدساً، وفق هذا المنطق. يتقاطع هذا التصور مع ما عبّر عنه ترامب نفسه في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، حين سألته الصحيفة: "هل تعتقد بوجود أي سلطة على قراراتك على الساحة الدولية؟ هل هناك أي شيء يمكن أن يوقفك؟"، فأجاب: "نعم، هناك شيء واحد: أخلاقي الخاصة وتفكيري الخاص". وحين سألته الصحيفة إن كان القانون الدولي يشكل أحد الضوابط على سلوكه، أجاب بأنه "لا يحتاجه"، مضيفاً: "لا أريد إيذاء أياً كان". ولا يقتصر الأمر على القانون الدولي وحده، فالتشريعات الأميركية نفسها لا تحمل، وفق رؤية تيار "ماغا"، قيمة جوهرية بذاتها، ما دامت السلطة التنفيذية تعمل للصالح العام. لذلك لا يرى هذا التيار ضرورة للعودة إلى الكونغرس قبل تنفيذ هذا النوع من العمليات العسكرية. بل إن وزير الخارجية ماركو روبيو لم يتردد في الدفاع عن تجاهل ترامب السلطة التشريعية في طلب الإذن لتنفيذ العملية. وعلى العكس، يرى روبيو أن التدخل في فنزويلا ليس من النوع الذي يمكن معه استئذان أو إخطار الكونغرس مسبقاً، "بالنظر إلى حساسيته". الأهم، ربما، هو التأطير الذي قدمه روبيو للهجوم، إذ وصفه بأنه عملية شرطية أو قضائية، لا عسكرية، جرت لاعتقال تاجري مخدرات، في إشارة إلى مادورو وزوجته، واحتاج فيها رجال إنفاذ القانون إلى حماية عسكرية لأداء "واجبهم". ووفق هذا التأطير، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تدخل مرحلة معلنة تستعيض فيها بالقانون المحلي الأميركي عن القانون الدولي لرسم وتنفيذ السياسة الخارجية نفسها. وهو تطور كبير في السلوك الأميركي في العلاقات الدولية، يختلف عما شهده العالم طوال العقود الماضية، حتى في عهد المحافظين الجدد. يكمن الفارق الجوهري بين سياسات المحافظين الجدد واليمين الجديد، إن جاز وصفه بذلك، في أن الأولين رسموا ونفذوا سياساتهم الخارجية في العراق وأفغانستان وليبيا عبر التوظيف الواعي للقانون الدولي، لثغراته وقصوره تحديداً، وعلى نحو دفعهم أحياناً إلى تزوير أو اختلاق الأدلة حرصاً على التماهي الظاهري مع روحه على الأقل، كما حصل في التلاعب بالتقارير الاستخبارية المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل في العراق، التي أسست لغزوه. صحيح أن "الشرعية" الدولية لم تكن في الغالب في صف التدخلات الأميركية، خصوصاً خلال الحرب الباردة بفعل الفيتو السوفييتي، ولاحقاً بعد بروز الصين وروسيا لاعبين أساسيين، إلا أن واشنطن، المتمسكة بدور الشرطي العالمي وتفوقها الإمبراطوري، كانت حريصة على تقديم مبرر قانوني متماش، ولو ظاهرياً، مع القانون الدولي وصورتها الليبرالية التي سعت إلى تقديمها للعالم. ولعل قناعة المحافظين الجدد بموت الأيديولوجيا وسيادة الليبرالية بوصفها الحتمية التاريخية الوحيدة التي ينبغي تعميمها على سائر الأمم، صعّبت عليهم تجاهل القانون الدولي ومؤسساته تماماً، خصوصاً وهم ينادون بتعميم مقولات الحرية والعدالة وسيادة القانون وتقرير المصير على العالم أجمع. أما بالنسبة لتيار ترامب من اليمين الجديد، فيختلف الأمر كلياً، إذ لا يرى للأفكار الليبرالية أي قيمة في المجال الداخلي، فضلاً عن تعميمها خارجياً. فجذور صعود اليمين المتطرف الأميركي ككل جاءت ردة فعل غاضبة على هيمنة الأفكار الليبرالية المنعوتة بـ"الصحوة" Wokeism على المجتمع الأميركي ومؤسساته. ولا يشعر أنصار ترامب بأي دافع، ولو شكلي، لأخذ القانون الدولي في الاعتبار عند رسم السياسة الخارجية. وتعد فنزويلا تجربة عيانية على ذلك، إذ جرى بالفعل سحب القوانين المحلية على الخارج لملاحقة وخطف رئيس دولة ذات سيادة و"إلقاء القبض عليه" و"جلبه للمثول" أمام المحاكم الأميركية، استناداً إلى لائحة اتهام وضعها جهاز حكومي أميركي محلي هو دائرة مكافحة المخدرات. وبالسرعة نفسها، جرى ويجرى سحب المنطق نفسه على غرينلاند، التي يقول ترامب إنه سيأخذها بالطرق "السهلة أو الصعبة"، بالنظر إلى أهميتها، وفق ما يعلن، للأمن القومي الأميركي، رغم خضوعها للسيادة الدنماركية بموجب القانون الدولي. صحيح أن السياسات الإمبراطورية الأميركية كانت فجة وواضحة حيال الدول النامية، كما في إيران عند إسقاط رئيس وزرائها محمد مصدق في خمسينيات القرن الماضي، أو في تشيلي لدى دعم الانقلاب على رئيس الوزراء سلفادور الليندي، لكن هذا السلوك الإمبراطوري لم يكن واضحاً بالقدر نفسه مع الحلفاء الغربيين واليابان، كما يعتقد بول كروغمان، الاقتصادي الأميركي الحائز على جائزة نوبل، في مقال مخصص لمناقشة هذه التحولات. ويذكّر كروغمان بأن الولايات المتحدة أرست دعائم النظام العالمي القائم اليوم عبر إنشائها مؤسساته واتفاقاته الدولية، من منظمة التجارة العالمية إلى البنك والصندوق الدوليين وصولا إلى الأمم المتحدة. لكنها، على الأقل على الورق، حاولت دائماً تغطية حقيقة هيمنتها على ذلك النظام، بما يمنح الحلفاء الغربيين واليابان شعوراً بأن النظام ليس سوى حاصل جمع أطراف متكافئة. "كان الجميع يدرك أن الولايات المتحدة هي المسيطرة فعلياً، لكننا بذلنا جهوداً مضنية لضمان أن تكون منظمة التجارة العالمية أو حلف شمال الأطلسي تحالفات متكافئة، على الأقل نظرياً، وقد كانت حيلة فعالة للغاية"، يقول كروغمان. أما اليوم، فيجادل بأن ترامب يتخلى عن هؤلاء الحلفاء، ويتبنى عقيدة في السياسة الخارجية تقوم على فكرة مفادها "دعهم يكرهوننا ما داموا يخشوننا"، متصوراً أنه قادر على تحقيق رغباته في الساحة الدولية من دون الحلفاء، وعبر التنمر حصراً. غير أن هذه النظرة، وفق كروغمان، تبدو قاصرة، إذ إن العالم لا يخشى الولايات المتحدة بقدر ما لم يعد بحاجة إليها، خصوصاً في ظل تفوق الاقتصاد الصيني على الأميركي في الحجم بنحو 30%، اعتماداً على القوة الشرائية. من الجمهورية إلى الإمبراطورية في مجمل هذه التحركات، لا يبدو أن تيار "ماغا" يعبأ بما يقوله الداخل الأميركي، شعبياً أو تشريعياً. ووفق هذا الوعي الجديد نسبياً، انتقلت الولايات المتحدة، على مستوى نظامها السياسي، من مرحلة الجمهورية إلى مرحلة الإمبراطورية، كما يلخص الأمر تاكر كارلسون، أحد أبرز مؤثري حركة "ماغا" وأقربهم إلى ترامب. يقول كارلسون، في سياق نقاشه غزو فنزويلا، إن "الانتقال من الجمهورية إلى الإمبراطورية تطور طبيعي في دورة حياة الحضارات"، وهذا يعني، من وجهة نظره، أن "مركز ثقل السلطة سينتقل من الكونغرس، من السلطة التشريعية، إلى السلطة التنفيذية، إلى الرئيس، إلى قيصر، أو سمّه ما شئت". وفي كل مرة يطرح فيها نقاش حول التاريخ الأميركي، تعود التجربة الرومانية إلى الواجهة بوصفها مرآة تفسيرية رافقت الولايات المتحدة منذ نشأتها الأولى. فقد وصف الرئيس المؤسس جورج واشنطن بلاده بأنها "إمبراطورية في مرحلة الطفولة" Infant Empire، في توصيف مبكر لوعي النخبة الأميركية بطموح يتجاوز حدود الجمهورية الناشئة. ومنذ ذلك الحين، يتجلى الإسقاط الروماني في تفاصيل البنية السياسية الأميركية تقريباً، من تسميات المؤسسات مثل "الكابيتول" و"مجلس الشيوخ"، إلى الامتداد العسكري الخارجي، وصولاً إلى طرز البناء والتخطيط العمراني في العاصمة واشنطن نفسها. "تتشابه الولايات المتحدة اليوم إلى حد كبير مع إمبراطوريات الماضي، لا سيما في قدرتها على بسط نفوذها العسكري والبحري في جميع أنحاء العالم"، يقول المؤرخ وكبير الزملاء في معهد هوفر المحافظ التابع لجامعة ستانفورد نيل فيرغسون في إحدى مقابلاته. ويضيف: "أعتقد أننا ينبغي علينا اليوم أن نكون أكثر تشككاً بشأن مفهوم النظام الدولي الليبرالي". ويرى فيرغسون أن الانقسام الحاد بين الجمهوريين والديمقراطيين، بالتوازي مع تراجع هيبة المؤسسات، يدفعان البلاد نحو ما يشبه "حرباً أهلية كامنة". والنزاع الأهلي، كما هو معلوم، كان من أبرز العوامل التي مهدت لتلاشي الجمهورية الرومانية وصعود النظام الإمبراطوري بديلاً عنها. "أعتقد أن التاريخ لطالما كان ضد أي جمهورية تدوم 250 عاماً. لذا فإن هذه الجمهورية الأميركية، في مراحلها الجمهورية المتأخرة ومع بوادر الإمبراطورية، هي أكثر ما يقلقني كوني أميركياً". عملياً، لم تتوقف روما عن كونها إمبراطورية حتى في ذروة نظامها الجمهوري. فقد تعايشت سلطة إمبراطورية في الخارج مع نظام سياسي داخلي جمهوري، يقوم على الفصل بين السلطات ومحورية دور مجلس الشيوخ في إسناد عملية صنع القرار. غير أن انزلاق البلاد نحو الحرب الأهلية وتنازع السلطة بين أقطابها السياسية والعسكرية انتهى بسيطرة الحاكم الفرد القوي، ممثلاً بيوليوس قيصر ثم أغسطس من بعده. وبحلول العام 27 قبل الميلاد، كان النظام الجمهوري قد انهار تماماً لصالح حكم إمبراطوري في الداخل والخارج على السواء. وبصورة موازية، عاشت الولايات المتحدة حالة انفصام مماثلة بين نظام ديمقراطي جمهوري في الداخل، يعد الكونغرس فيه سلطة موازية للرئيس، وسلوك إمبراطوري في الخارج لا يقيم وزناً للحريات والقيم وحكم القانون إلا بوصفها أدوات دعائية. إلا أن هذا الانفصام، وعلى غرار ما جرى في روما، يبدو اليوم في طريقه إلى الزوال. فاليمين الجديد، بقيادة دونالد ترمب، يخوض عملية توطين أو تبيئة واعية للأدوات الإمبراطورية داخل المجال المحلي، عبر نشر الجيش في شوارع البلاد، وتقييد الحريات الجامعية، وتجاوز الكونغرس وصلاحياته الدستورية والعرفية، بل وتجاهل قرارات قضائية، كما حصل في ملفات تتعلق بترحيل مهاجرين من دون وثائق. في مؤلفه حول أسباب عظمة الرومان وانحدارهم، أشار الفيلسوف الفرنسي مونتيسكيو إلى دور العسكرة (Militarism) في إفساد الجمهوريات وتدمير الإمبراطوريات. منطق يرى أستاذ السياسة في جامعة سيدني جون كين أنه ينطبق على الولايات المتحدة أيضاً. ويذكّر كين بأن الولايات المتحدة، منذ تأسيسها، غزت أراضي دول أخرى ما يقرب من 400 مرة، ربعها تقريباً منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. كما شهدت البلاد عدداً لا يحصى من الانقلابات المدبرة وعمليات الاغتيال التي قادتها وكالة المخابرات المركزية، وهو ما يعده "سلوكاً متوقعاً من إمبراطورية تفقد سيطرتها على العالم". الأفول الإمبراطوري، بحسب كين، لن يحدث دفعة واحدة، بل ببطء متدرج يمكن رصده في سلوك الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة. "لأول مرة في تاريخ البشرية، سيحظى انهيار إمبراطورية بتغطية إعلامية غير مسبوقة"، يتوقع كين. ويضيف: "بفضل الولايات المتحدة، سيبث تراجع أميركا التدريجي إلى قوة عظمى فاشلة ومنهارة على الهواء مباشرة للعالم أجمع. سيرى المشاهدون تصريحات فظة، ومفاجآت غريبة، وحلقات توتر شديد، واستعراضاً علنياً للغطرسة الأميركية في الشؤون الدولية". ويرى أن التنمر الأميركي سيكون الوجه الآخر لانعدام شعور الولايات المتحدة بالأمان (Insecurity)، وأن الحديث عن "نظام قائم على القواعد" (Rule-based order) سيتحول إلى مادة للسخرية في كل مكان. وفي المقابل، ستنصب أولوية أميركا على التوقف عن خوض معارك مع أعداء وهميين، وتقليص خسائرها، والتخلي عن التزامات غير ضرورية، مع الحفاظ على عناصر قوتها الأساسية أطول فترة ممكنة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية