عربي
ينطلق آلان دو بوتون، من تشخيص واضح لحالة القلق التي تُهيمن على الإنسان الحديث. والقلق هنا بِنية نفسية تغذّيها ثقافة الطموح والمقارنة والإنجاز، لا عرضاً عابراً يمكن تجاوزه. ويستعيد أفكاره المعروفة عن "قلق المكانة"، حيث لا يعود الفشل مهنياً أو اجتماعياً حدثاً خارجياً، بل حكماً أخلاقياً على قيمة الذات، وبالتالي تُستدعى الفلسفة بزي جديد لتكون "المرمّم النفسي" لهذا القلق، في كتاب "ما رأيك يا سيد دو بوتون؟ حوارات عن الفكر والحب والحياة" (دار شفق للنشر والتوزيع، 2025)، الذي يضم سبعة حوارات مختارة أُجريت معه بين عامي 2009 و2021 بترجمة أحمد الزناتي.
تكتسب هذه الحوارات دلالتها الأوسع حين تُقرأ في سياق كتب دو بوتون الأخرى، مثل "عزاءات الفلسفة"، و"قلق السعي إلى المكانة"، وغيرها من أعماله؛ إذ تبدو جميعها مشدودة إلى سؤال مركزي واحد: ما الذي يمكن أن تقدّمه الفلسفة لإنسان معاصر يعيش تحت ضغط السرعة والمقارنة، ويواجه استنزاف المعنى بوصفه إحدى سمات الزمن الراهن؟ غير أن هذا السؤال، على وجاهته، يظل مشوباً بإشكال نظري وثقافي، خاصة حين يُدرج ضمن نقاش أوسع حول حدود تحويل الفلسفة إلى أداة وظيفية أو علاجية، وحول ما إذا كان هذا التحويل يعيد للفكر حضوره، أو يعرّضه لخطر التبسيط وبالتالي إضعاف هيبة الفلسفة الأكاديمية.
ومن هذا المنظور، يُقرأ مشروع دو بوتون بوصفه محاولة صادقة لإنقاذ الفرد، لكنها تظل محكومة بسقف لا يصطدم مباشرة بمنظومة الإنتاج والاستهلاك، ويسعى إلى جعلها أكثر احتمالاً نفسياً. وبين دو بوتون وتشول هان يبرز تساؤل عما إذا كان "الترميم الفلسفي" مقاومة للقلق، أم صيغة ناعمة للتكيّف معه؟
التمرد والأصالة
تستدعي فلسفة "الترميم" والهروب من "القلق" تشابكاً لا يغفله مُحاوِرو دو بوتون عن التمرد؛ مما يدفعه إلى تقديم تجربته الشخصية بوصفها تعريفاً لما يراه رفضاً داخلياً لما يسميه "الواجبات المقيدة"، فالتمرد ليس فعلاً صاخباً أو قطيعة راديكالية، إنما استهجان للعادات التي تفرضها الأعراف الاجتماعية باسم النجاح والاستقرار والاحترام. هذا التمرد الهادئ، القائم على استعادة الأصالة، يبدو للوهلة الأولى تحريراً للذات من ضغوط التوقعات.
أصالة أخلاقية تعيد تشكيل علاقات الناس لا أصالة علاجية
غير أن مفهوم الأصالة نفسه يفتح باباً لنقاش أعمق، كما عند الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور في كتابه أخلاقيات الأصالة؛ حيث يحذّر تايلور من أن تتحول الأصالة إلى نزعة فردانية مغلقة، تفصل الإنسان عن أفقه الأخلاقي والجماعي. الأصالة، في نظره، لا تكتمل إلا داخل أطر قيمية مشتركة.
عند هذه النقطة، يمكن استدعاء أفكار دو بوتون الذي أسس ما يدعو إلى أصالة أخلاقية تعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والمجتمع، لا إلى أصالة علاجية تُعنى بتخفيف الألم دون إعادة التفكير في شروطه. ويتجلى هذا المنحى في دعوته إلى معاملة كل إنسان بوصفه حاملاً لمحنة خفية، بما يُحوّل الأصالة من انكفاء إلى تأسيس لفهم الآخر وتجاوز كون أزماته عقبة لمواصلة العلاقات.
الحب والسعادة
يشغل الحب حيّزاً مركزياً في فكر دو بوتون، ويصفه في الحوارات بأنه "عمل شاق" يتطلب تعلّماً وممارسة. هذا التصور، الذي بلوره بوضوح في كتبه، ينزع عن الحب هالته الرومانسية، ويحوّله إلى مهارة نفسية وأخلاقية، تهدف إلى بناء علاقات أكثر استقراراً وأقل تدميراً.
لكن هذا الفهم قد يُقلق تصور الفيلسوف الفرنسي آلان باديو، كما في كتابه "مديح الحب" إذ يرى باديو الحب حدثاً وجودياً يخرق منطق المنفعة والحساب، ولا يمكن اختزاله في مهارات أو تقنيات. الحب، عنده، مخاطرة تُخرج الذات من مركزيتها، وليست مشروعاً لإدارة العواطف، وبالتالي فإن الحب قائم على مغامرة التخلي. ثم يكشف مزيد من التعمق اختلافاً حول فهم السعادة نفسها عند الطرفين؛ إذ يميل دو بوتون إلى تبني قابلية تعلم السعادة، فهي متدرجة ومحكومة بالتوقعات الواقعية الأدنى. أما باديو، فيربط السعادة بلحظات الانفجار الوجودي، التي لا يمكن ضمانها أو ترويضها. وبين هذين التصورين، يتحرك القلق المعاصر، ممزقاً بين رغبة في الأمان العاطفي، وتوقٍ إلى تجربة تتجاوز حسابات السلامة.
سلعة الفلسفة الناجحة
ومن أبرز ما يطرحه الكتاب دفاع دو بوتون عن مشروع "مدرسة الحياة"، الذي يُعد محاولة لسد فجوة عميقة في منظومة التعليم الرسمي، حيث غياب التدريب على إدارة المشاعر، وفهم الذات، وبناء العلاقات. وهنا تتحول الفلسفة من كونها تاريخ أفكار، إلى أدوات للحياة. ويعترف دو بوتون، بقدر من الصراحة، بأن الفلسفة أصبحت "سلعته الناجحة"، وهو اعتراف يشي بوعي إشكالي بشروط السوق الثقافي.
تحوّلت علاقتنا بالفلسفة من السعي إلى الحقيقة إلى توخّي العزاء
قد يطرح السوق نفسه مشروعاً جديداً لتوظيف الفن كما طرح الفلسفة، وهذا ما أيده دو بوتون في حديثه عن الفن، الذي ينفي عنه النخبوية أو الترف، ويوظفه وسيلةً لإعادة تنظيم المشاعر، وترميم التشققات النفسية التي تخلّفها الحياة. ومن هنا تأتي دعوته المثيرة للجدل إلى أن تتعلّم المجتمعات العلمانية من طرائق الأديان في تقديم الفن والمعنى.
غير أن هذه الدعوة، رغم ذكائها، تثير إشكالاً بنيوياً؛ فهل يمكن للفن أن يؤدي وظيفة علاجية وأخلاقية من دون أن يُفرَض عليه أفق قيمي مسبق؟ إن تأطير الفن داخل "واجبات أخلاقية" قد يهدد حريته الأساسية، تلك الحرية التي تسمح له بأن يكون صادماً، مقلقاً، ومزعزعاً للطمأنينة.
قد يفهم من منهج "مدرسة الحياة" أننا إزاء تطوير ذاتي فلسفي سنراهن على شهرة رواد مدرسته؛ إلا أن دو بوتون يتوقف عند وهم الشهرة، معتبراً أنها ليست غاية في ذاتها، بل بديلاً ناقصاً عن الحب والاحترام مما ينفي تبنيه كغاية تسعى إليه مدرسته.
الفلسفة مساحة توتر وليست حلاً جاهزاً.
لا يقدّم "ما رأيك يا سيد دو بوتون؟" وصفة جاهزة للسعادة، ولا ينبغي قراءته على هذا النحو. قيمته الحقيقية تكمن في كونه نصاً كاشفاً عن تحوّل عميق في علاقتنا بالفلسفة؛ من خطاب يطمح إلى الحقيقة، إلى خطاب يسعى إلى العزاء، ومن مشروع معرفي إلى ممارسة حياتية.
غير أن هذا التحول يظل مشحوناً بالتوتر؛ بين العلاج والنقد، التبسيط والاختزال، إنقاذ الفرد وتطبيع القلق. وفي هذا التوتر تحديداً، تظل فلسفة دو بوتون جديرة بالنقاش بوصفها عرضاً ثقافياً كثيف الدلالة، يعكس حاجتنا المعاصرة إلى معنى يمكن احتماله، حتى وإن لم يكن مكتملاً.
* ناقدة ومترجمة مصرية

أخبار ذات صلة.
«قوة استقرار غزة».. عرض من ترامب لإيطاليا
العين الإخبارية
منذ 15 دقيقة