عربي
أن تحصل دولة ما على استقرارها الأمني بثمن سياسي وسيادي كبير يُدفع إلى الخارج على المدى البعيد، فهذا نوع من الارتهان الاستراتيجي المحفوف بالمخاطر؛ فالسياسة والمصالح الدولية لا تقوم على التنازلات من طرف واحد، ولا على تقديم تنازلات لا يُعرف زمن الحصول على مقابلها ولا حجم هذا المقابل. صحيحٌ أن من المبكّر الحديث عن تطبيع سوري رسمي مع إسرائيل، في ظلّ الواقع المعقّد القائم بين الجانبَين، وفي ظلّ التباين الحادّ في مواقفهما، وصحيحٌ أن نصّ البيان الثلاثي المشترك الذي صدر عقب اجتماعات باريس (بين الولايات المتحدة وسورية وإسرائيل) في 6 يناير/ كانون الثاني الجاري يُخفي كثيراً ممّا لم يُذكر في منطوق البيان، إلا أن الاكتفاء بظاهر النصّ كافٍ للقول إن سورية أصبحت على استعداد للمضي في تطبيع أمني واقتصادي بوصفه مرحلةً أولى، قبيل الوصول إلى التطبيع السياسي (الاعتراف الرسمي بإسرائيل).
اتفق الطرفان على "إنشاء آلية تنسيق مشتركة لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، والفرص التجارية، تحت إشراف الولايات المتحدة". التنسيق بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية أمر مفهوم، ومن شأنه أن يخفّض من حالة التوتّر في الجنوب السوري، ويطمئن إسرائيل مما تدّعيه بوجود تهديد أمني يأتي من جبهتها الشمالية (سورية). ولكن من غير المفهوم أن يجرى تفاهمٌ على انخراط دبلوماسي وتعاون اقتصادي بين سورية وإسرائيل من دون الاتفاق المسبق على مبدأ الوجود الإسرائيلي في سورية، سواء تعلّق الأمر بالمناطق التي سيطرت عليها إسرائيل عقب سقوط نظام الأسد، أو بالجولان المحتل. ولم يتطرّق البيان الثلاثي إلى الوجود الإسرائيلي في سورية، ولا حتى إلى الالتزامات الإسرائيلية حيال استقرار سورية وسيادتها، وإنما اكتفى بالقول إن الولايات المتحدة تؤكّد التزامها بدعم تنفيذ هذه التفاهمات جزءاً من "الجهود الأوسع نطاقاً لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط".
ومن مفارقات هذا الاتفاق أنه جاء خارج منطق هذا النوع من التفاهمات؛ فالتهديدات الأمنية بين الدول تُحلّ عبر ترتيبات أمنية مشتركة إذا كان التهديد متبادلاً بين دولتَين، ويكون من طرف دولة ما إذا كانت هي التي تُشكّل التهديد. وفي الحالة السورية الراهنة، يكاد الأمر يكون مقلوباً، ويكاد يكون حالة استثنائية تعكس موازين القوى الاستثنائية بين الجانبَين. فبدلاً من مطالبة سورية الجانب الإسرائيلي بإنهاء حالة التوتّر والتهديد الأمني بالانسحاب من الأراضي السورية المحتلّة خطوةً أولى ضرورية لتحقيق الأمن، ثم الانتقال إلى المستوى السياسي، قدّمت سورية تنازلات سياسية واقتصادية مقدّمةً للحصول على الهدوء الأمني من إسرائيل. نحن هنا أمام حالةٍ لا يمكن وصفها إلا بأنها قلب لمنطق السياسة والاستراتيجية، وكأنّ المطلوب من سورية قسراً أن تقدّم ولاءها أولاً للحصول على الثقة الإسرائيلية. وهذه عملية زمنية طويلة، وقد تأتي بنتائج معكوسة لم تتوقّعها دمشق، خصوصاً مع عدم وجود ضامن حقيقي وحيادي يهتمّ بالمصالح السورية طرفاً موازياً للمصالح الأمنية الإسرائيلية.
منذ 1990 قبلت إسرائيل الانخراط في مفاوضات سلام مع العرب، وكانت النتيجة القضاء على الحقوق الفلسطينية
ولا تنطبق هذه المواصفات على الولايات المتحدة، على الرغم من رغبتها في استقرار سورية، فهذا الاستقرار، من وجهة نظر القاموس الأميركي – الإسرائيلي، يختلف تماماً عن القاموس الوطني السوري. وواضحٌ من صيغة البيان الثلاثي أن الضغوط الأميركية انحصرت في الجانب الإسرائيلي بقبول المشاركة في اجتماعات باريس، والقبول بهذا الإطار التسووي الغامض والفضفاض. وفي الجانب السوري، شملت الضغوط الأميركية إقناع الرئيس أحمد الشرع بضرورة تقديم خطوات لبناء الثقة تتجاوز المسألة الأمنية. ولهذا السبب لم يُذكر ما يمكن تسميته "قضايا الحل النهائي"، أي مصير الجولان المحتل ومصير الوجود الإسرائيلي في سورية. قد يكون (أو على الأغلب) جرى النقاش بين الأطراف الثلاثة حول مصير الجولان، واتفاق فكّ الاشتباك (1974)، لكن عدم تضمين ذلك في البيان الختامي يعني أن من السابق لأوانه الحديث عن اتفاق رسمي، وما جرى لا يعدو تفاهمات لبناء الثقة، وهي ثقة على سورية وحدها تقديم ما يدعمها.
يخطئ صنّاع القرار في دمشق إذا اعتقدوا أن هذا المسار والتنازلات سيحقّقان لسورية أمنها وسيادتها المستقبلية. ودليل ذلك عدة معطيات؛ أولها أن الوفد الإسرائيلي كان منخفض التمثيل في مفاوضات باريس مقارنةً بالوفد السوري رفيع المستوى، إذ ضمّ الوفد الإسرائيلي سفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل لايتر، المسؤول المباشر عن الملف السوري، ورومان غوفمان السكرتير العسكري لرئيس الحكومة، وغيل رايخ القائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي. فيما تمثّل الوفد السوري بوزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس الاستخبارات حسين سلامة. ثانيها، استمرار إسرائيل بتوغلاتها العسكرية البرّية في الجنوب السوري، وتعزيز نقاط سيطرتها العسكرية، قبل اجتماعات باريس وبعدها. المعطى الثالث، استمرار إسرائيل برفع مستوى مطالبها إلى حدّ عالٍ: الاحتفاظ بالجولان، وعدم الانسحاب من نقاط سيطرتها في الجنوب السوري بعد 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، ومنطقة عازلة تمتدّ من دمشق إلى الحدود الجنوبية، وتقسيم هذه المنطقة بين ثلاثة أجزاء، على غرار نموذج "كامب ديفيد" مع مصر: نزع السلاح الثقيل، وفرض منطقة عازلة، وحظر جوي، والتدخّل العسكري الإسرائيلي في الأرض السورية إذا اقتضى الأمر هذا، ودعم السوريين الدروز في مطالبهم السياسية.
يتطلّب العمل السياسي مهارات عالية وحسابات معقّدة، وأهم هذه الحسابات هو عامل الزمن
وحتى لا يكون حديثنا مجرّد ترف تحليلي بعيداً من وقائع ومضامين القوة القائمة بين الجانبَين، وما يجري في كواليس القادة من تهديدات ووعود، قد يحقق هذا المسار للسلطة السورية أهدافها الآنية، بما يسمح لها بتحييد التهديد الإسرائيلي من أجل الالتفات إلى الداخل. وربما تكون معركة حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب أحد مضامين هذه التفاهمات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وربما نشهد متغيّرات في السويداء لاحقاً كواحد من هذه التفاهمات. قد يصف بعضهم ذلك بأنه براغماتية سياسية ذكية من الشرع لإبعاد الخطر الإسرائيلي القاتل؛ فالأولوية حالياً منع انهيار الدولة السورية والعمل على إعادة بنائها الداخلي، وهذا هدف كبير في نظر كثيرين، ولكنّ من المهم التذكير، في المقابل، بأن المسألة مع إسرائيل تختلف جذرياً على المستويين السياسي (البراغماتي والوطني) الأخلاقي. فبالنسبة إلى المستوى السياسي، لن توقف إسرائيل تدخّلاتها وتهديداتها لسورية، حتى تحصل على مبتغاها الأمني الاستراتيجي، وهو هدف سيكون بالضرورة على حساب المصالح الوطنية العليا لسورية.
وقد خبرنا إسرائيل نحو 80 عاماً، لا سيّما منذ عام 1990 حين قبلت الانخراط في مفاوضات السلام مع العرب، وكانت النتيجة القضاء على الحقوق الفلسطينية، والقضاء على أيّ أمل بإنشاء دولة فلسطينية، والقضاء على أيّ أمل بإمكانية نشوء وحدة وطنية فلسطينية. وبالنسبة إلى المستوى الوطني – الأخلاقي، فإن لتحويل سورية ساحةَ أمان لإسرائيل، وإخراج سورية والشعب السوري من العباءة الوطنية والأخلاقية تجاه القضية الفلسطينية ثمناً باهظاً، وهو إضاعة لتاريخ طويل من نضال الشعب السوري تجاه فلسطين. قد يكون ثمن التخلّي عن القضية الفلسطينية مقبولاً على المستوى السوري إذا انسحبت إسرائيل من الجولان المحتل، على أن يتحوّل بعدها الدور السوري إلى داعم سياسي للقضية الفلسطينية وداعم للفلسطينيين في سورية.
ليست السياسة مهمّة سهلة؛ ذلك أن العمل السياسي يتطلّب مهارات عالية وحسابات معقّدة، وأهم هذه الحسابات هو عامل الزمن. والأولى بالدولة السورية اللعب على هذا الزمن والبحث عن مكامن القوة في الداخل السوري، والعمق العربي والإقليمي والدولي.
