خامنئي في الوقت الضائع
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
الحديث عن تغيير النظام في إيران، يتوقف عند نقطتين مهمتين. الأولى أن بديل النظام الحالي سيكون انتقالياً ومن داخل النظام نفسه، والثانية هي أن التغيير سيبدأ من رأس النظام، أي المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي. يثير ذلك تساؤلاً لم يُطرح من قبل: من سيخلف الرجل الذي يحكم منذ 36 عاماً، ويمسك بالسلطة الحقيقية، والذي يقرّر السلام والحرب، ويسيطر على الحرس الثوري الإيراني، ويدير البرنامج النووي والسياسة الخارجية، ويعيّن كبار المسؤولين في الجيش والقضاء؟ هو الرئيس الفعلي للدولة وليس رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، المنتخب في 2024 لولاية مدتها أربع سنوات، في انتخابات لا يحق فيها الترشح إلا للذين يُفحصون من قبل السلطات الدينية. يُنتخب المرشد الأعلى مدى الحياة من قبل مجلس الخبراء، والذي يُنتخب بدوره لفترة ثماني سنوات بالاقتراع العام المباشر. جميع الخبراء أعضاء في هيئة رجال الدين الشيعة. وينصّ الدستور الإيراني على أن يكون المرشد الأعلى مرجعاً للتقليد، أي آية الله العظمى، وهو فقيه يتمتع بأعلى سلطة دينية في المذهب الشيعي الاثني عشري. على عكس معظم دول العالم، لا تفصل إيران الدين عن السياسة. فنظامها، منذ الثورة الإسلامية عام 1979، قائم على ولاية الفقيه. ويعد ذلك من أبرز عيوب هذا النظام خلال 47 عاماً، والذي جعله منفصلاً إلى حد كبير عن المجتمع الإيراني، الذي تطوّر في اتجاه معاكس لحكم رجال الدين. ويقول خبراء بالشأن الإيراني، في طهران، إن المساجد شبه خالية يوم الجمعة، ويعود سبب المقاطعة إلى فساد عدد من رجال الدين وقادة الحرس الثوري. عندما توفي آية الله روح الله الخميني، أبو الثورة الإسلامية الإيرانية، عام 1989، خرج مئات الآلاف من المشيعين إلى الشوارع، قلقين بشأن ما سيحدث لاحقاً. أما اليوم، فالوضع مختلف تماماً، حيث تُطالب شريحة من الشعب الإيراني برحيل خامنئي. ومع ذلك، لا أحد يعلم من سيخلف خامنئي بعد رحيله، ولا ما إذا كانت آخر دولة دينية في الشرق الأوسط، ستعيش بعده. لكن العد العكسي لنهاية حكمه قد بدأ، بحسب ما هو متداول في الأوساط الغربية، ما يحتمل طي صفحة مبدأ ولاية الفقيه، الذي يمنح السلطات الدينية الأولوية على السلطة السياسية، في ظل وضع يبدو فيه أنه حتى أكثر الإيرانيين تديناً، لم يعودوا يرغبون في استمرار حكم رجال الدين. وبات واضحاً أن النظام يعاني من شعبية متدنية للغاية، ومن يوم لآخر يفقد جزءاً من رصيده الشعبي، خصوصاً في الأسابيع الأخيرة. جهود خامنئي لحماية النظام خلال 36 عاماً من الحكم، لم يغادر خامنئي إيران قط. منذ عام 1989، كرّس جهوده لبناء نظام إسلامي قوي. الجدار الذي بناه لحماية النظام خارج حدود إيران، "محور المقاومة" الممتد من العراق إلى سورية مروراً بلبنان وغزة واليمن، بدأ بالتداعي منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وفي يونيو/حزيران 2025، خلال "حرب الأيام الـ12" مع إسرائيل، بدعم من الولايات المتحدة، وصل الانهيار إلى البيت الإيراني، وتضررت قدرات النظام النووية والعسكرية بشدة، فضلاً عن قدرة النظام على إلحاق الضرر وتشكيل تهديدات إقليمية ودولية. والآن، داخل حدود هذا النظام، تستهدفه موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية، بدأت تدفعه إلى المجهول، منذ 28 ديسمبر/كانون الأول 2025. اقتصاد البلاد في حالة يرثى لها، ولا تبدو الحكومة قادرة على تقديم حلول إسعافية سريعة، بسبب العقوبات المفروضة على تصدير النفط الإيراني، الذي يُباع جزء منه في السوق السوداء بأسعار بخسة. تواجه الدولة الإيرانية أزمة متعددة الوجوه منذ الحركة الخضراء عام 2009  تواجه الدولة الإيرانية أزمة متعددة الوجوه منذ الحركة الخضراء عام 2009 (بعد الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها محمود أحمدي نجاد لولاية ثانية على المرشح مير حسين موسوي، وسط اتهامات بتزوير النتائج). وقد تحولت هذه الأزمة تدريجياً إلى أزمة سلطة، لا سيما بعد الانتفاضات الشعبية في أعوام 2017-2018 و2019 و2022-2023. وحيال كل ذلك بقي خامنئي مستعداً لتقبّل تبعات تشديد (قبضة) النظام، حتى لو كان ذلك على حساب انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات، وتحوّل بعض الناخبين الإصلاحيين إلى معسكر مؤيدي تغيير النظام. وكان الرئيس السابق إبراهيم رئيسي، المرشح الأوفر حظاً لخلافة علي خامنئي يوماً ما. وقد أثار مصرعه المفاجئ في حادث تحطم المروحية في 20 مايو/أيار 2024، على مقربة من الحدود مع أذربيجان، تساؤلاً: من سيخلف المرشد الأعلى، صاحب السلطة الحقيقية الوحيدة في إيران؟ وهل ستطيحه انتفاضة شعبية، أم حرب أميركية إسرائيلية خاطفة، أم انقلاب عسكري من بين جنرالاته، الذين تعرضوا لهزائم، ويحاولون الثأر لكرامتهم؟ أم بتضافر الاحتمالات الثلاثة معاً؟ الرهان على انهيار النظام ومهما يكن، ليس من المؤكد أن النظام الإيراني على وشك الانهيار، فهو ليس كالنظامين العراقي والسوري، بل أكثر تعقيداً، ولا يزال يمتلك هوامش مناورة يلعب فيها مع الإدارة الأميركية. وبالتالي فإن كل ما هو مطروح حتى الآن لا يتعدى معلومات متداولة في وسائل الإعلام، تتحدث عن ضغوط أميركية في الكواليس واتصالات مع أطراف محلية ودولية من أجل إحداث تحول جذري في بنية الحكم الإيراني الحالي من داخله، وبصورة متدرجة، وذلك بعد أن تخضع السلطات للشروط المطروحة بوقف القمع والاعتداء على المتظاهرين، وإطلاق سراح السجناء والمعتقلين الإيرانيين والأجانب. والشرط الأساسي ليكون التغيير ملبياً لمطالب الداخل والخارج وفتح صفحة جديدة في تاريخ هذا البلد، هو رحيل المرشد الأعلى علي خامنئي وإلغاء منصبه. لا يزال درس حرب يونيو 2025 بارزاً، إذ يومها لم تظهر على النظام في إيران بوادر انهيار هناك شكوك بأن التدخل العسكري الأميركي الإسرائيلي يمكن أن يساعد على التغيير. ولا يزال درس حرب يونيو 2025 بارزاً، إذ يومها لم تظهر على النظام في إيران بوادر انهيار، رغم أن خامنئي غاب عن المشهد العام. ورغم مقتل الغالبية العظمى من أعضاء الصف القيادي الأول، فقد تمكن مجلس الأمن القومي من إدارة الوضع. ولم تبدُ مراكز القوة في فراغ، أو من دون هيكل قيادة فعّال، فيما باتت المؤسسات العسكرية والدبلوماسية مشلولة فعلياً. لم يكشف ذلك الوضع عن أزمة قيادة، أو أن خامنئي لم يعد قادراً على إدارة الوضع، وذلك رغم السخط الشعبي الواسع النطاق على النظام، ورغبة قطاع واسع من الإيرانيين في إقامة نظام سياسي جديد. وهناك نقطة مهمة وهي أن الحرب جعلت التعبئة المدنية شبه مستحيلة. ففي ظل الغارات الجوية وفي بيئة شديدة الحراسة، بات أي احتجاج منظم أمراً غير ممكن، فضلاً عن أي نقاش حول تغيير النظام. وكان واضحاً تحت وطأة القصف، أنه لا يستطيع أحد النزول إلى الشوارع، في غياب بديل قوي وشرعي يحظى بدعم شعبي واعتراف دولي. لذلك من غير المرجح أن يؤدي الانهيار المفاجئ للنظام إلى انتقال هادئ. وتتمحور السيناريوهات الأكثر ترجيحاً بشأن إيران ما بعد خامنئي حول احتمالين على الأقل: إما تعديل داخلي للسلطة أو انهيار تدريجي للدولة ناجم عن تزايد السخط وفراغ القيادة، الأمر الذي قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير النظام. وهناك رأي في أوساط غربية يرى أن الانتقال يجب أن يحدث من دون اغتيال خامنئي في غارة إسرائيلية، فإذا تم ذلك، قد ينزلق النظام السياسي إلى فوضى عارمة، بلا خطة، وبلا رقابة، وبلا سبيل للعودة. ويرسم أصحاب هذا الرأي ما يشبه خريطة طريق، مفادها أنه في ظل الظروف الراهنة والتهديدات الأميركية الإسرائيلية بالحرب، تحتاج إيران إلى انتقال سريع، إلى قيادة جديدة مؤلفة من أفراد ملمين بالنظام القائم، وذوي خبرة. ويجب أن تشارك شخصيات من المعارضة الداخلية في عملية الانتقال لضمان الشرعية الديمقراطية، وأن يترافق ذلك مع إطلاق سراح السجناء السياسيين، فضلاً عن عملية المصالحة الوطنية التي تعد من الأولويات العاجلة. تحتاج إيران إلى قادة أكفاء لتحرير نفسها من العقوبات  وإعادة الاندماج في المجتمع الدولي وفي الأوقات كافة، والآن أكثر من أي وقت مضى، تحتاج إيران إلى قادة أكفاء لتحرير نفسها من العقوبات وإنعاش اقتصادها وتحقيق الازدهار وإعادة الاندماج في المجتمع الدولي كقوة تجارية وفكرية رائدة في العالم. ولدى إيران نخبة فكرية وسياسية واقتصادية واسعة، في الداخل والخارج، من داخل الحكم والمعارضة، قادرة على صياغة عقد يقود البلد نحو أفق جديد. لكن في غياب معارضة موحدة أو كفؤة، لا تزال الشكوك تحف بالدعوات لتغيير النظام، وخصوصاً تلك القادمة من الخارج. لا توجد معارضة جادة ومتماسكة قادرة على تقديم نفسها كبديل. ويبدو أن الرهان على نجل الشاه، رضا بهلوي، قد فقد قيمته بعد أن أيّد العدوان الإسرائيلي العسكري على بلاده.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية