عربي
اتخذ عددٌ من النخب المستقلة والحزبية في الفترة الأخيرة في الجزائر قراراً بالانكفاء عن النقاش العام في القضايا المحلية السياسية والاقتصادية، على خلفية ردود ومواقف حادة من قبل السلطة ضد المعارضة والآراء المنتقدة للسياسات الحكومية، بمن فيهم الذين يقدمون نقداً موضوعياً ومتزناً لهذه السياسات، ويقترحون تصورات وحلولاً بديلة. وتعبّر هذه النخب بانسحابها من النقاش العام عن حالة يأس من إمكانية إقدام السلطة على أي مستوى من الانفتاح على المواقف المعارضة من جهة، وتوقي ردة فعل السلطة وإمكانية اتخاذها خطوات بحقهم.
خطاب إقصائي وبيانات استقالة
في أعقاب التقارير التي نشرتها وسائل إعلام حكومية، تضمنت مواقف رسمية متشنجة ضد المعارضة السياسية في الجزائر، قرّر الناشط السياسي البارز في فترة الحراك الشعبي إسلام بن عطية إعلان ما يشبه بيان استقالة من النقاش العام، والدخول في ما وصفه بـ"الصمت الاستراتيجي". وكتب بن عطية في 11 يناير/ كانون الثاني الحالي أنه "أمام خطاب إقصائي يميل إلى التخوين وتعنيف الخصوم، وفشلٍ ظاهر في إدارة الشأن العام، يصبح التفكير في الصمت الاستراتيجي خياراً عقلانياً، بعد أن تجاوزنا مرحلة النصح والتنبيه والإصلاح، ودخلنا مرحلة يمكن توصيفها بالاستدامة القهرية لحكم بلا أفق". وجاء كلامه تعليقاً على سلسلة تقارير نشرتها السلطات وجّهت خلالها اتهامات حادة إلى قوى ونشطاء سياسيين بسبب اعتراضهم على السياسيات الحكومية. وأشار بن عطية إلى أنه على الرغم من أن "الاختلاف في الرأي حقّ مشروع، لكن لغة التخوين عادت لتطلّ من بعض المنابر الرسمية، عبر تصنيف المنتقدين والمعارضين كأعداء الداخل والخارج".
عادل بلواضح: النخب فشلت في إيجاد مخارج وأدوات أكثر فاعلية في التعبير عن مواقفها
في الفترة ذاتها، قرّر الباحث في الشؤون الاقتصادية عبد المجيد سجال، الذي يقوم بجولات اكتشاف للمجال الاقتصادي في البلاد ويطرح أفكاراً ومعالجات جادة لبعض المشكلات القائمة، التوقف عن الكتابة في قضايا الشأن العام، معتبراً في منشور بتاريخ 12 يناير أنه "بعد تقارير وكالة الأنباء الجزائرية أخيراً، يبدو أنه آن الأوان للتوقف عن الكتابة في الشأن الاقتصادي العام. فمن ينتقد السياسات العامة ويقترح الحلول، سيتم تصنيفه بسهولة والتهم جاهزة". وأضاف سجال، وهو مرشح سابق للانتخابات النيابية التي جرت في يونيو/ حزيران 2021: "نحن كمختصين في الاقتصاد، نؤمن بالعلم ونميل لكفة المنطق العلمي، لا نميل لا للشعب والشعبوية ولا للسلطة والتبريرية، بل الأكثر من ذلك نتحفظ في كتاباتنا حتى لا ننشر غسيلنا لفئات تتربص بنا، لكن إذا كان كل من ينتقد ويقوم بالتقييم والتقويم ويقدم النصيحة ويقترح الحلول، يمارس أجندة مشبوهة حسب السلطة، فالمجال لكم إذن".
وكان كل من بن عطية وسجال يشيران إلى تقرير حاد نشرته وكالة الأنباء الجزائرية في الثامن من يناير ضد حزب "حركة مجتمع السلم"، اتهمت فيه السلطات الحزب بالسعي إلى إشعال الشارع واستغلال أزمة الناقلين لأغراض سياسية وانتخابية، كما نشرت مجلة "الجيش"، لسان حال وزارة الدفاع، في العاشر من يناير، بالمناسبة نفسها، افتتاحية اتهمت فيها "أحزاباً سياسية بالابتزاز السياسي واستغلال أزمات مفتعلة لتصدر المشهد، وتضليل الرأي العام وزعزعة الجبهة الداخلية، بما يخدم أجندات أجنبية". وتفسّر هذه الانسحابات المتتالية للنخب الجزائرية تشكّل قناعة برفض السلطة الاستماع إلى الرأي الآخر والانتقادات، حتى لو جاءت بشكل متزن ومنظم وهادف، وهو ما يفرض توفير الجهد المرتبط بالنقد السياسي، وسط مخاوف من تبعات مختلفة أو أي تكييف لمواقف وكتابات في اتجاهات تنعكس سلباً على مسارها المهني والوظيفي لهذه النخب التي قرّرت الانسحاب من المجال العام وفضاءات النقاش العام للقضايا والأحداث الوطنية في الجزائر.
إسلام بن عطية: النقد يزيد تشنج صانع القرار ويعقّد الأمور
الصمت خياراً في الجزائر
وأكد الناشط السياسي إسلام بن عطية في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن خياره نحو ما يعتبره "الصمت الاستراتيجي"، مرتبط بتقدير الواقع السياسي القائم في البلاد، معرباً عن اعتقاده بأن "التوصيفات التي تقدمها السلطة للمعارضين، باعتبارهم أعداء الداخل وغيرها، وهي بذلك تشير إلى من تقدم بقراءات نقدية، هذه اللغة التي تمارس على أعلى مستوى، تعني أنه ليست هناك أي رغبة في الإصلاح، وأن من في السلطة ليست لهم قدرة على قبول النقد، ويمكن أن يتحول ذلك إلى إجراءات تضر بالمعارضين وبالمسار المهني والاجتماعي". وأضاف: "لاحظت أن النقد يزيد تشنج صانع القرار، ويعقّد الأمور، وفي مثل هذا الوضع ربما يصبح الصمت خياراً وفرصة لتخفيض التشنج، وترك السلطة تواجه أزماتها بشكل أفقي دون وسائط عاقلة، كما حدث في أزمة الناقلين أخيراً".
ولا يقتصر الأمر في هذا الموضوع على نشطاء مستقلين فحسب، فقد كان عددٌ من قادة أحزاب سياسية منتظمة قد قرّروا الانسحاب من المجال السياسي العام بعد تمنع السلطة عن توسيع هوامش النقاش السياسي، إذ شهدت الساحة السياسية في الجزائر خلال الفترة الماضية انسحابات طوعية متتالية لشخصيات وقادة أحزاب معارضة، خصوصاً من العمل الحزبي في الجزائر، نتيجة إكراهات العمل السياسي، على غرار رئيسة حزب الاتحاد من أجل التغيير والرقي زبيدة عسول، التي انسحبت من رئاسة حزبها، كما قرر رئيس حزب جيل جديد جيلالي سفيان الانسحاب من رئاسة الحزب، وبرر ذلك بأن "السلطة في المرحلة الراهنة لم تقبل أن تكون الأحزاب السياسية فاعلة ومستقلة، وتريدها مجرد ديكور، بينما تحتاج البلاد إلى توافق وطني من أجل إعادة تأسيس العمل السياسي".
وتُعتبر التفسيرات السياسية لهذه الانسحابات المتتالية للنخب السياسية في الجزائر من المجال العام أنها نتاج للإكراهات الحادة التي تشهدها الساحة الجزائرية، وتراجع مساحات الممارسة السياسية والإعلامية في الجزائر. ورأى المحلل السياسي عادل بلواضح، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "هناك علاقة واضحة بين هذه الانسحابات وظروف البيئة السياسية". وأضاف: "صحيح أن السلطة ضيّقت المساحات، لكن في المقابل هذه النخب، سواء المستقلة أو المنتظمة في أطر سياسية، فشلت في إيجاد مخارج وأدوات أكثر فاعلية في التعبير عن مواقفها، وبعضها ليس لها النفس السياسي الطويل الذي تتطلبه النضالية السياسية". واعتبر أن السلطة "كانت دائماً تمارس التضييق في العقود السابقة، لكن ذلك لم يكن ليدفع الجيل السياسي السابق للانسحاب"، معرباً عن اعتقاده بأن "هناك من النخب من يريد أن يحدث مراجعة سياسية وهي ضرورية، لإعادة قراءة المرحلة الحالية باستحقاقاتها الداخلية والإقليمية، وهذه مسألة ضرورية".
