عربي
وسط حركة الجماهير وهتافهم، يختار جسد واحد أن يخرج من الزمن الجماعي، ويقيم في وضعية تمثال: ذراعه اليمنى مرفوعة نحو أفقٍ لم يتحقق بعد. تسعون دقيقة من السكون وأكثر، يقفها ميشيل نكوكا مبولادينغا، ليقدّم التاريخ في هيئة جسد عبر محاكاة رمز المقاومة باتريس لومومبا، الرجل الذي حكم الكونغو سبعة أسابيع قبل أن يُغتال ويُمحى جسده في الحمض كي لا يبقى له أثر. وفيما يُغفل المشهدُ العام أن الغياب أقوى أشكال الحضور، يقف هذا الجسد وسط صخب الملعب حاملاً سؤالاً أثقل من كل الحركة من حوله، تعود عبره أيقونة الاستقلال، وتعود معها الأسئلة: متى تكتمل الاستقلالات التي بدأت باحتفال ولم تنتهِ من تبعية؟ وماذا يعني أن تكون حرّاً على الورق، بينما ثرواتك ما زالت تُنهب بعقود كُتبت بلغة لم تخترها؟
ليست الوقفة هنا تفصيلاً داخل المشهد؛ إنها إعادة ترتيب للرؤية. في فضاء تُدار فيه العيون على إيقاع السرعة، يفرض الجسد الثابت وضعية الجمود الملاحظ، ويخلق فجوةً للمعنى. حوله تدور الأجساد، تتصاعد الهتافات، تُقرع الطبول، وتبقى الوقفة معلّقةً، علامةً تستعصي على الذوبان. يضع هذا الثبات للفرجة حدّاً آخر؛ حدّاً يُخرج الحضور من الانشغال الحماسي بالمستديرة، ويعيده إلى تاريخ ذاكرة المقاومة.
في هذا التوتّر بين حركة الجماعة وسكون الفرد، يتبدّى زمن آخر داخل الملعب. دقائق المباراة تنساب وفق إيقاع اللعب والنتيجة، فيما تقطع الهيئة المعلّقة هذا الانسياب، وتعيد قياس الزمن بما يخلفه من أثر. وسط حركةٍ لا تهدأ، تنتصب الهيئة الساكنة جداراً في وجه الموج، تستوقف العين وتشد العدسات إليها بحكم اختلافها: كل ما حولها يتحرّك، فتغدو هي مركز الثقل البصري، نقطة ارتكاز تُعاد عندها قراءة المشهد. هكذا تتحوّل الوقفة إلى مستودع رمزي يعبر إلى النظر عبر الجسد، ويُبطئ المشهد بما يكفي ليُقرأ لا ليُجتاز.
تحوّل الفضاء الرياضي ساحة استيعاب ثقافي، تُعاد فيها صياغة الموروث المفروض، ويُنتَج معنى جديد عبر الأداء الجماعي
أنثروبولوجياً، يشتغل المدرّج الأفريقي بوصفه مسرح علامات مكتظّاً بالدلالات. لوحات بشرية تُكتب فيها الانتماءات، ونقوش تُعلن الهُويّة عبر الأثر لا عبر الخطاب. في هذه المدرّجات، يتشكّل الانفعال طاقةً جماعيةً تُدار بالجسد قبل أن تُصاغ في اللغة. الرقصات الجماعية، والأزياء المستعادة من الذاكرة القَبْلية، والأقنعة والطلاء الصارخ، تدخل في تركيب مشهدٍ حي تُعاد فيه صياغة التوتّر في هيئة أداء، وتتحوّل الحركة حاملاً للمعنى وامتدادات بصرية لشبكات اجتماعية وثقافية متداخلة. الإيقاع يوحّد الحركات ويخلق مجالاً تتوزّع داخله الطاقة بين الأجساد، فتتحوّل المدرّجات فضاءً تُمارس فيه الهُويّة وهي في حالة فعل. ما تلتقطه العين الخارجية بوصفه غرابة أو حدّة بصرية يشتغل داخل هذا السياق لغةً مألوفةً تنظّم الانفعال وتمنحه شكله القابل للعيش. هكذا يغدو التشجيع ممارسةً اجتماعيةً يُصاغ فيها التوازن عبر الطقس، وتُعلن الجماعة حضورها بالألوان والحركة والصوت.
ومن هذه الطبقات، ينفتح عمق التاريخ: قارة ألكيبولان (اسم قديم لقارّة أفريقيا) بما راكمته من سرديات كُتبت فوقها، وبما تعرّضت له من تفريغ منظّم للثروة وإعادة تسمية للحضارة من خارج سياقها. ضمن هذا المسار، دخلت كرة القدم المجال الأفريقي عبر قنوات القوة: المبشّر، والجندي، والإداري الاستعماري، حاملةً قالباً مكتملاً بقواعده ورموزه وأخلاقياته. غير أن هذا القالب لم يظلّ مغلقاً على أصله؛ جرى الاشتغال عليه من الداخل، وتشبّع بإيقاعات محلّية، واستوعب ذاكرة جماعية أقدم من اللعبة، واندمج في طقوس أعادت تعريف وظيفة الملعب. هكذا تحوّل الفضاء الرياضي ساحة استيعاب ثقافي، تُعاد فيها صياغة الموروث المفروض، ويُنتَج معنى جديد عبر الأداء الجماعي.
لوحات بشرية تُكتب فيها الانتماءات، ونقوش تُعلن الهُويّة عبر الأثر لا عبر الخطاب
يتحول الملعب في هذا الأفق فضاء استعادة، وتغدو المدرجات موقعاً لصناعة المعنى. الحضور يُصاغ من الداخل بوصفه ممارسةً، ويُنتزع بوصفه حقّاً معيشاً. الأداء الجماعي يعيد امتلاك الزمن والهُويّة معاً، ويمنح الجسد وظيفة تتجاوز التشجيع إلى كتابة التجربة. هنا تتغير دلالة المباراة: ما كان يُقرأ رقماً على لوحة النتائج يصير أثراً يُنقش على الأجساد، وتتحوّل اللحظة الرياضية إلى زمن وجودي تُختبر فيه الجماعة وهي ترى نفسها تفعل.
ومن هذا الموضع، يتقدّم سؤال النظر في صورته الأخلاقية: ماذا يصنع المتفرّج البعيد بهذا الظهور؟ صورة تُطوى، أم أثر يُسمح له بأن يعمل في الداخل ويفتح طبقات تاريخ ما زالت فاعلة تحت السطح؟ المدرّج لا يعرض نفسه طلباً لتعاطف، ولا يدخل في تفاوض رمزي؛ إنه يمارس حقّه في الظهور، ويفرض الإنصات بوصفه شرط الفهم. هكذا تُكتب السردية في فضاء مفتوح، خارج اختزال الفرجة وداخل كثافة التجربة.
في هذه الذروة، تُقرأ وقفة لومومبا بوصفها عقدة المعنى لا تفصيله. جسد ساكن في قلب الملعب يتحوّل وثيقةً حيّة، إلى أثر يقاوم المحو ويعيد فتح الأسئلة المؤجّلة عن السيادة والتبعية. الهيئة التي ارتفعت في كينشاسا تُستعاد اليوم في المدرّجات أمام عدسات العالم، حاملةً ذاكرةً لم تُغلق. الجسد الذي أُذيب بقي أثره متحرّكاً، ينتقل من فضاء إلى آخر، ويجد له حاملاً جديداً. هكذا يتشكّل حضور أفريقيا الفاعل: يُكتب كأثر في الزمن ضدّ النسيان، ويعيد صياغة العلاقة مع العالم من داخله.

أخبار ذات صلة.
«قوة استقرار غزة».. عرض من ترامب لإيطاليا
العين الإخبارية
منذ 17 دقيقة