عربي
حالة ترقب ثقيلة يعيشها الاقتصاد الغزّي، إذ باتت المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار التي أعلن انطلاقها، مساء أول من أمس الأربعاء، تُشكل الأمل الوحيد لإعادة تحريك عجلة الحياة الاقتصادية التي أصابها الشلل الكامل بفعل العدوان الإسرائيلي المستمر. فبين دمار واسع وحصار خانق وسيطرة إسرائيلية مباشرة على مساحات واسعة من الأراضي، يقف الصنّاع والمزارعون على أعتاب المجهول، بانتظار لحظة الانفراج التي قد تعيد لهم القدرة على العمل والإنتاج.
وأعلن المبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف، مساء الأربعاء، إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المكونة من 20 نقطة لإنهاء الحرب في قطاع غزة، لافتاً إلى أنها "تهدف إلى الانتقال من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، وإقامة إدارة فلسطينية تكنوقراطية، وبدء عملية إعادة الإعمار".
ولا يقتصر هذا الترقب على الأفراد وحدهم، بل يطاول قطاعات اقتصادية كاملة، من الزراعة إلى الصناعة والخدمات وغيرها، حيث إن غياب المرحلة الثانية يعني استمرار سيطرة الجيش الإسرائيلي على نحو 60% من مساحة قطاع غزة، وهي مناطق تضم النسبة الأكبر من الأراضي الزراعية الخصبة والمناطق الصناعية والمصانع والمنشآت الإنتاجية.
وتُظهر بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد، ضمن الحصاد الاقتصادي لعام 2025، حجم التدهور غير المسبوق في الواقع الاقتصادي والمعيشي بقطاع غزة، حيث تجاوز معدل البطالة 77% خلال العام، في ظل شلل شبه كامل لمختلف الأنشطة الاقتصادية نتيجة العدوان الإسرائيلي والحصار المشدد، ما جعل غالبية السكان بلا مصدر دخل.
يعتبر المزارع خالد العطار، من بيت لاهيا، شمالي قطاع غزة، أن المرحلة الثانية بات بالنسبة له "مسألة حياة أو موت"، موضحاً أنه ينتظر مع كل المزارعين بدء هذه المرحلة، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من أرضه الزراعية الواقعة حالياً تحت السيطرة العسكرية، والتي تبلغ مساحتها 22 دونماً.
وقال العطار لـ"العربي الجديد": "لا أستطيع العودة إلى أرضي أو حتى تقييم حجم الدمار فيها، كل شيء معلّق بانتظار الانسحاب، مع تطبيق المرحلة الثانية سأبدأ مباشرة بعملية استصلاح زراعي، لأن الأرض تحتاج إلى جهد كبير لإعادتها للإنتاج بعد ما تعرضت له". وأضاف: "نتطلع إلى إدخال المستلزمات الزراعية التي يمنعها الاحتلال، القطاع الزراعي تعرض لضربة قاسية بسبب سياسة الإبادة والحرق والتجويع، وقد خسرت شخصياً ما يقارب نصف مليون دولار نتيجة تجريف أرضي وتدمير محاصيلها".
تجدر الإشارة إلى أن القطاعات الاقتصادية الرئيسية شهدت انهياراً حاداً، إذ تراجع نشاط قطاع الإنشاءات بنسبة 99%، وانخفض نشاط الصناعة بنسبة 94%، فيما تراجع قطاع الخدمات بنسبة 82%. أما القطاع الزراعي، الذي يعد ركيزة أساسية للأمن الغذائي في غزة، فقد سجل انخفاضاً بنسبة 92%، مقارنة بعام 2023، في ظل تدمير الأراضي الزراعية ومنع إدخال المدخلات الأساسية للإنتاج.
من جهته، يروي صاحب مصنع خياطة في منطقة تل الزعتر، شمال غزة، أنور عفانة، تفاصيل الخسارة التي لحقت به، قائلاً: "مصنعي الصغير الذي كنت أعمل فيه منذ سنوات طويلة دُمّر بالكامل، وكان يشغّل 23 عاملاً يعيلون عشرات الأسر".
وقال عفانة لـ"العربي الجديد" إن المنطقة التي يقع فيها المصنع لا تزال تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، ما يمنعه من الوصول إليها أو الشروع بأي خطوة لإعادة البناء، مضيفاً: "خسرت أكثر من 700 ألف دولار مع دمار المصنع، وهي خسارة لا يمكن تعويضها دون وقف العدوان وبدء المرحلة الثانية".
ولفت إلى أنه يتطلع لعودة العمل فور الانسحاب الإسرائيلي، قائلاً: "نأمل أن نتمكّن من الحصول على المواد الخام، وشراء ماكينات خياطة جديدة في حال توفرت، لأن استمرار توقف المصانع يعني استمرار البطالة والفقر وانعدام الأمل". وعلى صعيد سوق العمل، تشير البيانات الرسمية إلى تعطل الغالبية الساحقة من القوى العاملة، إذ لم تتجاوز نسبة المشاركة في القوى العاملة 38% خلال عام 2025، وهي نسبة متدنية للغاية، مقارنة بمستويات ما قبل العدوان، وتعكس انسداداً شبه كامل في فرص العمل وسبل كسب العيش.
وأكد عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات الإنشائية في غزة، عبد الله مشتهى، أن المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار تمثل المدخل الحقيقي لإعادة الحياة للقطاع الصناعي، موضحاً أن أصحاب المصانع لا يزالون عاجزين عن الوصول إلى منشآتهم بسبب السيطرة الإسرائيلية.
وقال مشتهى لـ"العربي الجديد": "نتطلع لبدء حقيقي للمرحلة الثانية ووصول أصحاب المصانع إلى منشآتهم، والبدء في إعادة تشغيل ما يمكن تشغيله بعد حرب الإبادة التي استهدفت البنية الصناعية بشكل مباشر". وأشار إلى أن القطاع الصناعي تلقى ضربة قوية وغير مسبوقة، إذ إن أكثر من 97% من المصانع توقفت عن العمل، بما فيها المصانع التي استطاعت الصمود خلال سنوات الحصار الطويلة، مؤكداً أن هذا التوقف انعكس بشكل مباشر على سوق العمل ومستويات الدخل.
وتابع: "نتطلع إلى بحث خطة عمل شاملة لعودة المصانع إلى الإنتاج، مع ضرورة إيجاد آلية واضحة لتعويض أصحاب المصانع عن خسائرهم، لأن التعافي الاقتصادي دون تعويض عادل سيبقى ناقصاً وغير قابل للاستدامة".
