عربي
أعادت صفقة التجارة الحرة المرتقبة بين الاتحاد الأوروبي ودول تكتل "ميركوسور" موجة الغضب الزراعي إلى شوارع أوروبا، مع عودة المزارعين للاحتجاج في عدد من الدول، على رأسها فرنسا، رفضًا لاتفاق يقولون إنه يهدد مستقبل الزراعة الأوروبية ويقوّض قدرتهم على المنافسة، وفق ما أوردته "بلومبيرغ".
ويروّج الاتحاد الأوروبي للاتفاق بوصفه خطوة استراتيجية ستُنشئ أكبر منطقة تجارة حرة في العالم، تمتد بين أوروبا وأميركا اللاتينية، إلا أن هذا الطموح يصطدم بمخاوف عميقة لدى المزارعين الأوروبيين، الذين يرون في فتح الأسواق أمام منتجات زراعية منخفضة الكلفة من دول مثل البرازيل والأرجنتين تهديدًا مباشرًا لقطاعات حساسة، أبرزها لحوم الأبقار والدواجن والسكر.
احتجاجات بالجرّارات ورسائل صادمة
وفي باريس، قاد المزارعون جرّاراتهم إلى محيط برج إيفل، وألقوا البطاطا في الشوارع، ونصبوا حواجز طرق لإبطاء دخول شحنات الغذاء المستوردة، في مشاهد تكرّرت خلال الأسابيع الماضية في إسبانيا وبولندا واليونان، في محاولة أخيرة للضغط على الحكومات الأوروبية قبيل توقيع الاتفاق، بحسب "بلومبيرغ". ونقلت الوكالة عن مربّي ماشية فرنسي قوله إن الهدف من هذه التحركات هو خلق صور صادمة حتى يدرك الناس ما الذي يدخل البلاد فعليا، في إشارة إلى المنتجات الزراعية المستوردة من خارج الاتحاد الأوروبي.
ويجادل المزارعون الأوروبيون بأنهم يعملون وفق معايير بيئية وصحية صارمة تفرضها قوانين الاتحاد الأوروبي، ما يرفع كلفة الإنتاج ويضعهم في موقع ضعيف أمام الواردات الأقل كلفة من أميركا اللاتينية. ورغم تضمين الاتفاق ما تُسمّى تدابير حماية، إلا أن هذه الضمانات لم تُقنع المحتجين، الذين يعتبرونها غير كافية أو صعبة التطبيق عمليًا، وفق التقرير نفسه.
وتُعد فرنسا أكبر منتج زراعي في أوروبا، ما يجعلها الأكثر تأثرًا بتداعيات الاتفاق. وتشير بلومبيرغ إلى أن المخاوف من الأغذية المستوردة تتزامن مع تحديات متراكمة يواجهها القطاع، من طقس متطرف أضر بالمحاصيل، ورسوم جمركية أضعفت صادرات النبيذ، وصولًا إلى أمراض حيوانية أدّت إلى ذبح أعداد كبيرة من الأبقار. وفي هذا السياق، تلوح في الأفق إمكانية تسجيل أول عجز في الميزان التجاري الزراعي-الغذائي الفرنسي منذ نحو نصف قرن.
إجراءات حكومية وضغوط سياسية
وفي محاولة لاحتواء الغضب، تعتزم الحكومة الفرنسية تعليق واردات الأغذية التي تحتوي على مبيدات محظورة داخل الاتحاد الأوروبي، وهي مواد تُستخدم على نطاق واسع في إنتاج الفواكه الاستوائية، كما تخطط لإنشاء فرقة خاصة لدعم الجمارك في ضبط المنتجات المخالفة، بحسب "بلومبيرغ". سياسيا، كانت فرنسا من أكثر الأصوات معارضة لاتفاق الاتحاد الأوروبي-ميركوسور في بروكسل.
ومن المقرر توقيع الاتفاق في باراغواي، فيما سيصوّت البرلمان الأوروبي لاحقًا على إمكان الطعن فيه أمام محكمة الاتحاد. وفي موازاة ذلك، دعت جماعة الضغط الزراعية "كوبا-كوغيكا" المزارعين إلى التظاهر في ستراسبورغ، مقر البرلمان الأوروبي. ورغم التصعيد الفرنسي، يبقى تنفيذ أي قيود وطنية مشددّة معقّدًا من الناحية اللوجستية، لا سيما إذا دخلت الشحنات الزراعية عبر دول أخرى في الاتحاد الأوروبي، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة باريس على الذهاب أبعد من القواعد الأوروبية المشتركة. تكشف أزمة "ميركوسور" عن صراع أوسع داخل الاتحاد الأوروبي بين منطق الانفتاح التجاري وحماية القطاعات المحلية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والمناخية على الزراعة الأوروبية، كما خلص تقرير "بلومبيرغ".
لماذا تُعد صفقة ميركوسور حساسة؟
تعود مفاوضات اتفاق التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل ميركوسور إلى أواخر تسعينيات القرن الماضي، لكنها بقيت معلّقة لأكثر من عقدين بسبب خلافات عميقة، خصوصًا حول الزراعة، البيئة، والمعايير الصحية. ويضم تكتل ميركوسور أربع دول رئيسية هي البرازيل، الأرجنتين، باراغواي، وأوروغواي، وتُعد من أكبر المصدّرين عالميًا للمنتجات الزراعية، ولا سيما لحوم الأبقار، السكر، الصويا، والدواجن.
اقتصاديًا، يُفترض أن يؤدي الاتفاق إلى إنشاء منطقة تجارة حرة تضم أكثر من 700 مليون مستهلك، مع خفض أو إلغاء الرسوم الجمركية على نحو 90% من السلع المتبادلة بين الجانبين. ويقدّر الاتحاد الأوروبي أن الاتفاق سيوفّر على الشركات الأوروبية مليارات اليوروهات سنويًا من الرسوم الجمركية، ويفتح أسواقًا جديدة أمام صادرات صناعية وخدمية، خاصة في قطاعات السيارات، الآلات، الأدوية، والخدمات المالية.
غير أن المكاسب المتوقعة ليست موزّعة بالتساوي. ففي حين ترى الدول الصناعية الكبرى في أوروبا، وعلى رأسها ألمانيا، أن الاتفاق يعزز تنافسية صادراتها، تواجه الدول ذات الثقل الزراعي، مثل فرنسا وأيرلندا وبولندا، مخاطر مباشرة. إذ تعتمد هذه الدول على دعم السياسات الزراعية الأوروبية، وتخضع لإطار تنظيمي صارم يرفع كلفة الإنتاج مقارنة بدول أميركا اللاتينية.
وتكمن إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل في مسألة عدم تكافؤ المعايير. فالمنتجات الزراعية الأوروبية تخضع لقواعد صارمة تتعلق باستخدام المبيدات، سلامة الغذاء، الرفق بالحيوان، وحماية البيئة، في حين تسمح تشريعات بعض دول ميركوسور باستخدام مواد محظورة داخل الاتحاد الأوروبي، ما يمنح منتجيها ميزة سعرية كبيرة في الأسواق.
من ناحية أخرى، يأتي الجدل حول الصفقة في توقيت اقتصادي بالغ الحساسية. فالقطاع الزراعي الأوروبي يعاني من ضغوط متزايدة بفعل التغير المناخي، وارتفاع كلفة الطاقة والأسمدة، واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، إضافة إلى تشدد السياسات البيئية ضمن الصفقة الخضراء الأوروبية. وفي فرنسا تحديدًا، تتزايد المخاوف من تحوّل الفائض الزراعي التاريخي إلى عجز تجاري، وهو تطور غير مسبوق منذ عقود.
في المقابل، ترى مؤسسات أوروبية أن رفض الاتفاق أو تعطيله يضعف موقع الاتحاد الأوروبي في المنافسة الجيوسياسية والتجارية العالمية، خاصة في ظل توسع نفوذ الصين وروسيا في أميركا اللاتينية. كما تخشى بروكسل أن يؤدي فشل الصفقة إلى خسارة نفوذ أوروبي طويل الأمد في واحدة من أكثر المناطق غنى بالموارد الزراعية والطبيعية. وبين هذه الاعتبارات المتناقضة، تحوّلت صفقة ميركوسور إلى اختبار حقيقي لقدرة الاتحاد الأوروبي على التوفيق بين الانفتاح التجاري العالمي وحماية اقتصاده المحلي، في وقت تتصاعد فيه النزعات الحمائية والضغوط الاجتماعية داخل القارة.

أخبار ذات صلة.
«قوة استقرار غزة».. عرض من ترامب لإيطاليا
العين الإخبارية
منذ 14 دقيقة