عربي
تواجه المنظومة التعليمية الليبية انتقادات متكررة ناتجة عن أزمات سنوية، تفاقمها تصريحات إعلامية لمسؤولين يتحدثون عن مشروعات تطوير لا يتحقق منها على الأرض شيء، آخرها إدماج الذكاء الاصطناعي
كشفت وزارة التعليم في حكومة الوحدة الوطنية الليبية عن توجه إلى إدماج التقنيات الحديثة في النظام التعليمي، رغم تأكيد معلمين وتربويين أن القطاع التعليمي يعاني من التردي وغياب وسائل التعلم الأساسية. وأعلنت الوزارة خلال الأيام الماضية، عقد سلسلة اجتماعات رسمية في تونس، للاطلاع على تجربة البلد الجار في رقمنة النظام التعليمي، وبحث سبل التعاون في تطوير منصات تعليمية، بما في ذلك إدماج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية.
وتؤكد وزارة التعليم أن هذه اللقاءات تهدف إلى توقيع اتفاقية تعاون ثنائي لتبادل الخبرات، وتدريب المعلمين، وتطوير المحتوى الرقمي، فضلاً عن بناء منظومة تعليمية أكثر مواكبة للتحولات العالمية المتسارعة، معتبرة أن تلك الخطوة تهدف لتنفيذ الرؤية المستقبلية لتحديث التعليم عبر ربطه بالتكنولوجيا، وتحسين جودة المخرجات التعليمية استناداً إلى التجربة التونسية نموذجاً إقليمياً.
وفي سبتمبر/أيلول الماضي، كشفت الوزارة عن دراسة شاملة لإدماج التكنولوجيا في النظام التعليمي بهدف التوجه نحو التعلم الرقمي عبر منصات توفر الكتب رقمياً كحل لأزمة توفر الكتاب المدرسي المتكررة منذ سنوات.
في المقابل، تتعرض هذه المشروعات لانتقادات واسعة من أولياء التلاميذ، والذين يشكون من فجوة واسعة بين القرارات، وبين واقع التعليم ومؤسساته. من العاصمة طرابلس، يقول عمران لطيف، وهو ولي أمر طالبين، إن "أولياء الأمور يسمعون عن رقمنة التعليم وإدماج الذكاء الاصطناعي عبر وسائل الاعلام، في حين يدرس أبناؤهم في فصول مكتظة، وبلا كتاب مدرسي رغم اقتراب منتصف العام الدراسي".
ويوضح لـ"العربي الجديد"، أن "على الوزارة البدء بالتفكير في البيئة التي يجب عليها توفيرها للطلاب، قبل التفكير في المنصات الرقمية. لا أحد يعارض التطوير، لكن التطوير الذي نريده ينبغي أن يبدأ بتوفير الأساسيات، وعلى رأسها معلم بكفاءة تناسب أهمية مراحل التعليم الأساسية، وكتاب مدرسي يحصل عليه الطالب في الوقت المناسب، وليس ترف الكلام عن كتاب إلكتروني في مجتمعات لا تتوفر لديها الإنترنت".
بدوره، يقر مدير مدرسة جيل التقدم، عصام بريون، بأهمية تحديث الوسائل التعليمية من حيث المبدأ، لكنه يرى أن ما تطرحه وزارة التعليم يفتقر إلى الجدية"، متسائلاً في حديثه لـ"العربي الجديد"، عما أعلنته الوزارة منذ عام 2023، بخصوص مشروع مدارس المستقبل، وأنها ستكون نموذجية، ومجهزة بأحدث التقنيات، بينما لم تظهر هذه المدارس للنور، ولا يعلم أحد ماذا تحقق فعلياً في هذا المشروع. يضيف بريون: "هناك دور تقني لوزارة التعليم، ومن المفترض أن تكون حاضنة لهذا النوع من التطوير، فلماذا نذهب إلى الخارج بحثاً عن حلول بينما المؤسسات قائمة اسمياً في الداخل؟ ما تعلنه السلطات غير مقنع، فهي تتحدث عن تعليم متقدم، بينما هي تواجه في مطلع كل عام دراسي تعليق نقابة المعلمين للدراسة بهدف الضغط من أجل حصول المعلم على حقوقه العادلة".
ويتابع: "المدارس متهالكة، والطلاب يدرسون في ظروف غير صحية، فكيف سيستخدم هؤلاء الطلاب الذكاء الاصطناعي وهم لم يحصلوا على تعليم مستقر؟ وأي ذكاء اصطناعي يمكن أن يجاري جداول التعليم السنوية التي تجعل دخول العام الدراسي متضارباً بين حكومتين. الأحداث التي مر بها قطاع التعليم تستدعي خطة وطنية شاملة تعالج الأساسيات، وأولها أزمة الكتاب المدرسي التي أطاحت وزيرين متعاقبين، وحُكم عليهما بالسجن بسبب التلاعب بأموال الطباعة".
ويؤكد بريون أن "وجود خطة يحدّ من التفكير غير الواقعي الذي يظهر عبر التصريحات والإعلانات، مثلما أعلنت الوزارة في بداية العام الدراسي الحالي مشروع إلغاء المرحلة الإعدادية، ودمجها في المرحلة الثانوية من دون أي دراسة للواقع. المشروعات غير المدروسة عديدة، وتدل على انفصال المسؤولين عن أزمات التعليم، وبعضهم لا يسعى سوى إلى تسجيل نجاحات شكلية، كما حدث في السنوات الماضية عندما أعلن أحدهم إدخال لغات أجنبية جديدة في وقت تعاني المدارس نقصاً حاداً في معلمي اللغة الإنكليزية، وتراجعاً في مستوى تدريس اللغة العربية". ويضيف: "نرحب بإحلال التقنيات الحديثة في مجال التعليم بشرط أن يكون ذلك عبر أسس صحيحة تتوفر فيها المدرسة المهيأة لذلك، والمعلم المؤهل للعمل، لا المعلم المثقل بمشكلات ضعف الرواتب وغياب الحقوق. لا بد من ترتيب البيت الداخلي أولاً عبر خطة وطنية يشارك فيها المعلمون، فهم من يعايشون الأزمة، ثم لتأتي التقنيات أداة مساعدة، فهي ليست حلاً سحرياً للأزمات كما يعتقد المسؤولون".
