عربي
يدخل انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية حيّز التنفيذ رسمياً، الأسبوع المقبل، بعد سنة من إقراره، وبعد محاولة سابقة لترامب عام 2020، وسط تحذيرات أممية من تداعياته السلبية على أميركا وبقية العالم.
في 7 يناير/ كانون الثاني الجاري، أي منذ أكثر من أسبوع، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مذكرة رئاسية توجّه بانسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية. وقال بيان للبيت الأبيض، إنّ هذه المنظمات لم تعد تخدم المصالح الأميركية.
وفي بداية فترته الرئاسية عام 2025، بدأ ترامب في إجراءات انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية واتفاق باريس للمناخ، كما وقّع أمراً تنفيذياً للانسحاب من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وحظر أي تمويل لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).
وإذ تبرّر إدارة ترامب توجهاتها بالقول إنّ "هذه المؤسسات غير ضرورية، وتشهد سوء إدارة وهدراً للموارد، وضعفاً في الأداء، وتسيطر عليها جهات تروّج لأجندات خاصة تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة أو تشكل تهديداً لسيادتها وحريتها وتقدمها"، بدأت تبرز مؤخراً تحذيرات أممية من التداعيات السلبية لهذا الانسحاب، ليس فقط على العالم، إنما على الولايات المتحدة بحد ذاتها، إلى جانب تنبيهات خبراء من احتمال تفشّي الأوبئة والأمراض داخل البلاد وخارجها، وتأثر الدول النامية.
وتأمر مذكرة ترامب الأخيرة كل الإدارات والوكالة التنفيذية بوقف المشاركة في 31 كياناً تابعاً للأمم المتحدة و35 منظمة غير تابعة لها، ووقف تمويل هذه المنظمات. وقالت المذكرة إنّ هذه المنظمات "تعمل بما يتعارض مع المصالح الوطنية الأميركية أو سيادتها أو أمنها أو ازدهارها الاقتصادي".
قال البيت الأبيض إن هذا القرار جاء عقب مراجعة جرت في وقت سابق من هذا العام لكل المنظمات والاتفاقات والمعاهدات الدولية التي تُعدّ الولايات المتحدة عضواً فيها أو تموّلها أو تدعمها، معتبراً أن القرار ينهي مشاركة الولايات المتحدة في منظمات دولية "تقوّض استقلال أميركا وتهدر أموال دافعي الضرائب".
في 13 يناير الجاري، حذّر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، من أن قرار إدارة ترامب الانسحاب من المنظمة الصحية التابعة للأمم المتحدة، يُشكّل خطراً على الولايات المتحدة وبقية العالم على حد سواء.
وكان ترامب قد وقّع مرسوماً لسحب بلده من المنظمة الأممية بعد بضع ساعات من عودته إلى البيت الأبيض في 20 يناير 2025.
ومع دخول انسحاب الولايات المتحدة من المنظمة حيّز التنفيذ رسمياً الأسبوع المقبل، بعد سنة من إقراره، قال غيبريسوس للصحافيين إنّ هذه الخطوة "خسارة للولايات المتحدة، وخسارة للعالم أجمع"، مضيفاً أنها "تجعل الولايات المتحدة غير آمنة... وتجعل العالم بأسره غير آمن". وأشار غيبريسوس من مقرّ المنظمة في جنيف إلى أن "تدابير كثيرة تقودها المنظمة تعود بالنفع على الولايات المتحدة... لا سيّما في مجال الأمن الصحي". وأضاف: "لهذا السبب تحديداً قلتُ إنّ الولايات المتحدة لا يمكنها أن تنعم بالأمن من دون التعاون مع المنظمة". وأعرب عن أمله في أن "تعدل الولايات المتحدة عن قرارها".
وكشف كبير المستشارين القانونيين في المنظمة، ستيف سالومون، أنه ما زال من الصعب تحديد الموعد الدقيق للانسحاب الفعلي. وأوضح للصحافيين أنّ النظام الداخلي للمنظمة لا يتضمّن أيّ مادة بشأن الانسحاب، لكن واشنطن اتّخذت تدابير في 1948 لتضمن حقّ الانسحاب في ظروف معيّنة.
ومن أحد الشروط الواجب العمل بها، مراعاة مهلة سنة للإخطار المُسبق، وتسديد المساهمات الأميركية بالكامل للفترة المالية المعنية. غير أنّ "واشنطن تخلّفت حالياً عن تسديد اشتراكات 2024 و2025"، بحسب المستشار القانوني الذي أكد أن الدول الأعضاء ينبغي أن تنظر في مدى استيفاء هذا الشرط، من دون تحديد المبالغ المتوجّب دفعها.
وفي وقت ترتدّ الاقتطاعات المالية في المساعدة الدولية سلباً على النُّظم الصحية في العالم أجمع، شدّد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية على أن "التمويل أساسي... ليتسنّى للمنظمة أداء مهمّتها"، لكنّه أكد أنه عندما يدعو الولايات المتحدة إلى الانخراط مجدّداً في المنظمة، فإنّه لا يقوم بذلك "من أجل المال"، مؤكداً أن "الأهمّ هو التضامن والتعاون والاستعداد لكل الاحتمالات في وجه عدوّ مشترك مثل كوفيد-19".
وكان الرئيس الأميركي أعلن منذ سنة، وتحديداً في يناير 2025، أن سبب انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية، هو إساءة المنظمة التعامل مع "كوفيد-19" وغيرها من الأزمات الصحية الدولية، إضافةً إلى أنّ المنظمة لم تتصرف بمعزل عن "التأثير السياسي غير المناسب للدول الأعضاء فيها"، وطالبت بـ"مدفوعات باهظة على نحو غير عادل" من الولايات المتحدة لا تتناسب مع المبالغ التي قدمتها دول أخرى أكبر مثل الصين، في إشارة إلى أنّ عدد سكان الصين يزيدون عن أربعة أضعاف سكان الولايات المتحدة، لكنّها تساهم بنسبة أقل بـ90% في منظمة الصحة.
وكانت تلك المرة الثانية التي يحاول فيها ترامب الانسحاب من منظمة الصحة العالمية؛ ففي عام 2020، وخلال تفشي فيروس كوفيد-19 وقبل نهاية ولايته الأولى، قدم رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، يعلن فيها نية الولايات المتحدة الانسحاب. ورغم توقف التمويل الأميركي، إلّا أن الانسحاب لم يحدث. وبعد نحو ستة أشهر، كتب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في أول يوم له في منصبه إلى الأمين العام، قائلاً إنّ الولايات المتحدة ستظل عضواً في منظمة الصحة العالمية.
كما سبق أن انتقد ترامب المنظمة الأممية لعدم تحميل الصين مزيداً من المسؤولية عن استجابتها البطيئة للتحقيق الذي أجرته المنظمة في أصول "كوفيد-19".
وتُعدّ الولايات المتحدة أكبر داعم مالي لمنظمة الصحة العالمية، إذ تساهم بنحو 18% من إجمالي تمويلها، فقد ساهمت بمبلغ 1.284 مليار دولار أميركي خلال عامَي 2022 و2023، ما مكّن منظمة الصحة العالمية والولايات المتحدة ودولاً وشركاء آخرين من تحديد حالات الطوارئ والاستجابة لها، ومنع تفشّي الأمراض، والنهوض بأولويات الصحة العالمية، بحسب ما ذكر الموقع الرسمي للمنظمة.
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، أعلنت منظمة الصحة العالمية أنها تحتاج إلى مليار دولار لتغطية موازنتها المقبلة لفترة 2026-2027، مع سعيها جاهدة لتعويض انسحاب الولايات المتحدة.
