عربي
وثّقت منظمتا "أطباء من أجل حقوق الإنسان - الولايات المتحدة"، بالتعاون مع "العيادة العالمية لحقوق الإنسان" في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو، و"أطباء من أجل حقوق الإنسان - إسرائيل"، في تقريرين منفصلين صدرا بشكل مشترك، الآثار الصحية الكارثية للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي استمرّت أكثر من عامَين، ولا سيما على النساء الحوامل والمواليد الجدد. وكشف التقريران عن ارتفاع ملحوظ في وفيات الأمهات وحديثي الولادة، وتزايد حالات الولادة في ظروف خطيرة، إلى جانب تدمير ممنهج لخدمات الرعاية الصحية المخصصة للنساء في القطاع.
ويقدّم التقرير الأميركي قراءة تحليلية لانهيار النظام الصحي في غزة وتداعياته الطبية من منظور الطواقم الصحية العاملة ميدانياً، فيما يسلط التقرير الإسرائيلي الضوء على تجارب النساء الفلسطينيات كاشفاً الثمن الإنساني العميق الكامن خلف الأرقام. ويخلص التقريران إلى أن ما يجري لا يندرج في إطار حوادث معزولة، بل يعكس نمطاً متواصلاً من الإضرار المنهجي بصحة النساء وأطفالهن في غزة، يصل إلى حدّ العنف الإنجابي.
تدمير الأمل بالمستقبل: العنف الإنجابي في غزة
اعتمد التقرير الأول، المعنون بـ"تدمير الأمل بالمستقبل: العنف الإنجابي في غزة"، على 78 مقابلة مع طواقم طبية دولية عملت في قطاع غزة بين يناير/كانون الثاني وأكتوبر/تشرين الأول 2025. ووثّق كيف أن تدمير البنية التحتية الطبية، إلى جانب القيود المفروضة على إدخال الغذاء والأدوية والمعدات الطبية - بما في ذلك معدات التوليد، وحليب الأطفال، ووسائل العلاج الأساسية - قد حرم النساء والمواليد الجدد من حقهم في الحصول على خدمات طبية منقذة للحياة. وقد أدّت هذه السياسات إلى ارتفاع حاد في وفيات الأمهات والمواليد الجدد، وزيادة الولادات المبكرة، وحالات الإجهاض، وإلحاق ضرر طويل الأمد بالقدرة الإنجابية.
وقال المدير التنفيذي لمنظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان – الولايات المتحدة سام زريفي: "إن تدمير البنية التحتية الصحية في غزة من قبل إسرائيل، إلى جانب سوء التغذية غير المعالج الناتج عن القيود المفروضة على الغذاء والمستلزمات الطبية – بما في ذلك حليب الأطفال – خلق بيئة جرى فيها تدمير العمليات البيولوجية الأساسية للتكاثر والبقاء بشكل منهجي، ما أدّى إلى أذى ومعاناة ووفيات كانت معروفة ومتوقعة مسبقاً". وأضاف: "على إسرائيل أن تسمح فوراً بدخول الغذاء والمعدات الطبية الأساسية إلى غزة، وأن تنفّذ خطة طبية منظّمة لمساعدة السكان المحاصرين".
الأمومة تحت النار: إلى أي حدّ تستطيع المرأة أن تحتمل؟
أما التقرير الحقوقي الثاني، المعنون بـ"الأمومة تحت النار: إلى أي حدّ تستطيع المرأة أن تحتمل؟"، فيسلط الضوء على البعد الإنساني لتجربة الأمومة في قطاع غزة، من خلال شهادات مباشرة مبنية على مقابلات معمّقة مع نساء حوامل وأمهات مرضعات في غزة، أُجبرن على النزوح من منازلهن ويعشن في ظروف حرمان شديد. واعتمد التقرير على مقابلات مع 21 امرأة أُجريت في غزة خلال فبراير/شباط 2025، إضافة إلى مقابلات متابعة مع النساء أنفسهن في أواخر يوليو/تموز 2025.
ينقل التقرير أصوات النساء ويمنح الأرقام وجوهاً إنسانية، شهادات عن الولادة دون تخدير وفي ظروف بدائية، والرضاعة في ظل الجوع ونقص الغذاء الحاد، والمشي مسافات طويلة تحت القصف للوصول إلى رعاية طبية أساسية – غالباً ما تكون غير متوفرة. وتكشف القصص الشخصية الثمن الجسدي والنفسي والعاطفي الباهظ الذي تدفعه النساء اللواتي يُجبرن على الاختيار بين نجاتهن الشخصية ورفاه أطفالهن، وتُظهر كيف حوّل التدمير المنهجي لظروف الحياة الحملَ والأمومةَ إلى حالات خطورة قصوى.
وقالت منسّقة المشاريع في قسم الأراضي المحتلة في أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل لمى بكري إن "خلف كل رقم في هذين التقريرين تقف امرأة تُجبر على الحمل والولادة والرضاعة في ظروف تفتقر إلى الأمان والرعاية الطبية، وأحياناً حتى إلى الغذاء". وأضافت: "تُظهر الشهادات التي جمعناها كيف تتغلغل الحرب في جسد المرأة نفسه، وتُجبر النساء على دفع ثمن انهيار النظام الصحي وتدمير شروط الحياة الأساسية جسدياً ونفسياً".
بدورها، أفادت مديرة العيادة العالمية لحقوق الإنسان في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو أنجلي بارين بـ"أن حجم الخسارة والصدمة التي تعيشها النساء والمواليد الجدد سيترك أثراً لأجيال، ويهزّ مختلف جوانب الحياة الفلسطينية." وأضافت: "يفرض القانون الدولي على إسرائيل أن تتيح فوراً المساعدات وأن تدعم إعادة بناء النظام الصحي. ومن دون ذلك، وحتى في ظل اتفاق لوقف إطلاق النار، ستستمر الوفيات التي كان يمكن تفاديها، لا سيما بين النساء الحوامل والمواليد الجدد".
في إطار التقرير الحقوقي الصادر عن "أطباء من أجل حقوق الإنسان - إسرائيل"، تبرز شهادات نساء فلسطينيات بوصفها توثيقاً حيّاً للأثر الإنساني العميق للحرب على تجربة الأمومة في قطاع غزة. من بين هذه الشهادات، تروي مها يونس (20 عاما) من مدينة غزة أنها كانت في شهرها الرابع من الحمل، ولم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها، عندما قُصف منزلها في تشرين الأول/أكتوبر 2023، يوم عيد ميلادها، لتجد نفسها محاصَرة تحت الأنقاض.
وتصف مها إصابات جسدية مباشرة، وحرماناً من الرعاية الطبية الأساسية حتى بعد إنقاذها، قائلة إنها شعرت حينها بأنها ماتت ولم تعد تسمع أو ترى شيئاً. لاحقاً، واجهت ولادة مبكرة، وخضعت لعمليات جراحية في ظل تخدير غير كافٍ، إلى جانب معاناة مستمرة من الجوع والعيش في خيمة تفتقر إلى أدنى الشروط الصحية، في واقع تتحول فيه الأمومة إلى صراع يومي من أجل البقاء.
وفي شهادة أخرى، تسرد نريمان عمر شقورة (33 عاماً)، وهي أم لطفلين من بيت لاهيا، تجربتها مع الحمل والولادة في ظل الانهيار شبه الكامل للنظام الصحي. وبعد نزوحها المتكرر، تعيش اليوم مع أسرتها في خيمة بدائية، حيث تسيطر مشاعر القلق والخوف من غياب المستشفيات ووسائل النقل والإسعاف. وتصف شقورة حالة الترقّب المرعب التي عاشتها مع اقتراب موعد الولادة في ظل انعدام الأمان ونقص الرعاية الطبية، لتقدّم شهادتها صورة مكثفة عن كيف يتحول الحمل نفسه، في ظروف الحرب، إلى حالة تهدد حياة النساء وأطفالهن.
