عربي
بدأت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسمياً بيع ملايين البراميل من النفط الفنزويلي وتسويقها، مختزلة دور السلطة القائمة في فنزويلا إلى مجرد دمية، ومتحكمة في نوع الزبائن الذين ستبيع لهم هذا النفط، ما يعني أنها ستحرم حلفاء كاراكاس التقليديين مثل الصين وكوبا من أي نصيب بأسعار مفضلة.
وحسب تقارير وسائل إعلام أميركية فإن وزارة الطاقة الأميركية هي الجهة التي تشرف على بيع ما يصل إلى 50 مليون برميل من مخزون النفط الفنزويلي، وهي كميات تراكمت نتيجة للحصار الذي فرضته إدارة ترامب على ناقلات النفط الفنزويلي وملاحقتها في المياه الدولية على مدى الأسابيع الماضية، ومن المتوقع أن تستمر عمليات البيع إلى أجل غير مسمى وتحت إشراف أميركي كامل. و أبلغ مسؤول أميركي رويترز الأربعاء بأن الولايات المتحدة أتمت أولى صفقات بيع النفط الفنزويلي بقيمة 500 مليون دولار.
وأضاف المسؤول أنه من المتوقع إتمام صفقات إضافية خلال الأيام والأسابيع المقبلة. ويعد النفط المصدر الرئيسي لإيرادات الحكومة الفنزويلية التي كانت تواجه أزمة إنسانية خانقة بسبب عقوبات أميركية على صادراتها النفطية استمرت لسنوات حتى قبل التدخل العسكري باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في الثالث من يناير الجاري.
وتمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يقدَّر بنحو 303 مليارات برميل، أي ما بين 17% و20% من الاحتياطي العالمي، إلى جانب احتياطيات غاز طبيعي تتجاوز 200 تريليون قدم مكعبة وموارد معدنية استراتيجية. وقالت مصادر أميركية إن مسؤولين من إدارة ترامب تواصلوا بعد أيام من القبض على مادورو مع شركتي تجارة السلع العالمية "ترافيغورا" و"فيتول"، وطلبوا منهما تنفيذ عملية بيع النفط الفنزويلي العالق.
وذكرت المصادر أن شركتي تجارة النفط دفعتا بالفعل للحكومة الفنزويلية قيمة حصة كبيرة من النفط المخصص، وقامتا حتى يوم الأربعاء بشحن أكثر من أربعة ملايين برميل. وأضافوا أن جزءاً كبيراً من هذه الكميات نُقل إلى مرافق تخزين في جزر الكاريبي، بما في ذلك كوراساو وسانت لوسيا وجزر البهاما، على أن ينتهي النفط في نهاية المطاف إلى مصافٍ أميركية ومتعاقدين خارجيين لاحقا.
ونقلت مجلة تايم عن مسؤولين في إدارة ترامب أمس الخميس قولهم إنهم أمنوا صفقات تبلغ قيمتها 500 مليون دولار حتى الآن وإن مزيدا من الصفقات سيتم خلال الأيام والأسابيع المقبلة.
مخزون فائض وصفقة تاريخية
ورغم تأكيد المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، ما وصفته بصفقة طاقة "تاريخية" نجح ترامب في التوسط فيها مع فنزويلا "ستعود بالنفع على الشعبين الأميركي والفنزويلي"، يشير المحللون إلى أن جهود إدارة ترامب تظل قاصرة على مخزون النفط الذي تراكم في المنشآت الفنزويلية بفعل الحصار.
فحسب تقارير سابقة، كادت حكومة فنزويلا أن تتوقف عن إنتاج نفطها والذي لا يزيد حاليا عن 1.2 مليون برميل يوميا، بسبب عدم قدرتها على بيعه وامتلاء منشآت التخزين. ووفق هذه التقييمات فإن الهدف الأكبر لإدارة ترامب في الوقت الراهن ربما لا ينسجم مع دعاويها السابقة بشأن تطوير نفط فنزويلا وإعادتها إلى موقعها المناسب للدولة ذات الاحتياطات الأكبر عالميا، والتي بلغ إنتاجها في سبعينيات القرن الماضي قرابة 3.5 ملايين برميل يوميا.
ويعود ذلك إلى فشل ترامب في إقناع الرؤساء التنفيذيين لشركات النفط الأميركية، أثناء اجتماعه الأخير معهم يوم الجمعة الماضي، بالعودة إلى فنزويلا وضخ استثمارات هائلة في قطاعها النفطي. وجهة نظر رؤساء عمالقة النفط مثل إكسون موبيل، وكونوكو فيليبس وشيفرون (التي تواصل العمل في فنزويلا وإن باستثمارات قليلة) هي أنه من المستحيل عليهم الضخ باستثمارات كبيرة وطويلة الأجل في فنزويلا بينما مستقبلها السياسي في خانة المجهول.
ويجادل خبراء القانون الدولي بأن الولايات المتحدة لا تمتلك حق التصرف في النفط الفنزويلي ناهيك عن إبرام مناقصات وبيع بعيدا عن الدوائر الرسمية، وكتب الخبير الاقتصادي الفنزويلي البارز فرانسيسكو رودريغيز على منصة "إكس" يوم الأربعاء: "يبدو أن جميع هذه المعاملات تُنفذ في فراغ قانوني يحمي الشركات من أي نوع من الرقابة أو المساءلة". وأضاف أن ذلك يجعل عمليات المناقصة ومنح العقود عرضة لاتهامات بالفساد.
وكشف موقع "سيمفور" الأميركي الذي انفرد بداية بأنباء الصفقات الأخيرة عن أن عائدات مبيعات النفط تُحتجز حالياً في حسابات مصرفية خاضعة لسيطرة الحكومة الأميركية، وفقاً لما ورد في الأمر التنفيذي الصادر عن ترامب يوم الجمعة الماضي، وذكر مسؤول كبير ثانٍ في الإدارة أن الحساب الرئيسي يقع في إحدى الدول الخليجية. ووصف المسؤول الثاني تلك الدولة بأنها موقع "محايد" يمكن للأموال أن تتدفق عبره بحرية بموافقة الولايات المتحدة ومن دون مخاطر المصادرة.
كما أشار أمر ترامب إلى أن جزءاً من هذه العائدات سيُحتجز في حسابات تابعة لوزارة الخزانة الأميركية. وقال الأشخاص المطلعون على الصفقة إن التجار دفعوا لفنزويلا نحو 50 دولاراً للبرميل الواحد، وهو سعر سوقي أعلى بكثير من نحو 30 دولاراً كانت البلاد تحصل عليها مقابل النفط الذي كانت تصدره سابقاً إلى الصين للتحايل على العقوبات الأميركية.
خسائر الحلفاء
بات من المؤكد أن الدول الحليفة لنظام مادورو وفي مقدمتها الصين وكوبا، ستكون أول الخاسرين من مبيعات ترامب للنفط الفنزويلي وتحكم إدارته في مبيعاته. وقد انخفض عدد الناقلات التي نجحت في تجاوز الحصار الأميركي بشكل حاد. وقد صادرت الولايات المتحدة ست سفن مرتبطة بفنزويلا بعد إعلان الحصار، ما دفع مالكي السفن إلى تغيير مسار ناقلاتهم أو إعادتها إلى المياه الفنزويلية بعد التحميل، تجنباً لخطر المصادرة، وهو ما فرض قدراً من التحكم في تدفقات النفط من البلاد.
رغم ذلك يشير المحللون إلى أن الشركات الأميركية التي تتولى تسويق النفط الفنزويلي وبيعه سوف تستمر في توريد كميات كبيرة منه إلى الصين، لكن الأسعار سوف ترتفع.
وتقول دوائر في تجارة النفط إن "ترافيغورا" و"فيتول" توصلتا لاتفاقات بيع مع مصافي هندية وشركة النفط الوطنية الصينية "سي إن بي سي" لتسليمات شهر مارس/ آذار المقبل. أما كوبا، التي تخضع لحصار أميركي منذ عقود، وكانت تحصل على معظم احتياجاتها النفطية من فنزويلا، فتشير التقارير إلى أنها لم تتلق نفطا خاما أو وقودا من فنزويلا منذ حوالي شهر.
وتنقل رويترز عن بيانات شركة النفط الحكومية "بتروليوس دي فنزويلا" أن الشحنات إلى كوبا تراجعت بسبب الحصار الأميركي حتى قبل التدخل العسكري أوائل الشهر الجاري. وحسب بيانات الشركة فقد تلقت كوبا آخر شحنة للتكرير في منتصف ديسمبر الماضي وكانت في حدود 600 ألف برميل من النفط الخام. وفي عام 2025، كانت فنزويلا أكبر مورد للنفط إلى كوبا بواقع 26.5 ألف برميل يومياً، أي ما يقارب ثلث احتياجات الجزيرة اليومية، تلتها المكسيك بنحو 5 آلاف برميل يومياً، بحسب البيانات والوثائق.
ولم يُخفِ ترامب توقعه بأن التدخل الأميركي الأخير في فنزويلا قد يدفع كوبا إلى حافة الانهيار، لكنه صعّد لهجته في الأيام الأخيرة تجاه الجزيرة التي يحكمها الشيوعيون، داعياً الدولة المجاورة يوم الأحد إلى إبرام اتفاق "قبل فوات الأوان".
