عربي
يترقب التونسيون مع مطلع العام الجديد صدور الأمر الحكومي بشأن الزيادة في الأجور، في ظل تواصل تدهور القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة وسط انشغال الاتحاد العام التونسي للشغل بخلافاته الداخلية التي تسببت في إقصائه من دوره التاريخي في التفاوض على حقوق النقابيين. وأقر قانون موازنة العام الحالي الذي دخل حيز النفاذ بداية يناير/ كانون الثاني الحالي صرف زيادات سنوية في رواتب موظفي القطاعين الحكومي والخاص وجرايات (معاشات) المتقاعدين، تمتد إلى عام 2028، دون تحديد النسبة أو موعد الصرف.
ووفق المادة 15 من قانون الموازنة ستحدد السلطات نسبة الزيادة وموعد صرفها بأمر حكومي دون التفاوض بشأنها مع النقابات. ويتطلع موظفو تونس إلى زيادة ترمم قدراتهم الإنفاقية المنهكة بالتضخم بعد فشل البرلمان في فرض مادة ضمن قانون الموازنة تضمن صرف زيادات لا تقل نسبتها عن 7%. ويرجح خبير السياسات الاجتماعية بدر الدين السماوي، ألا تقل الزيادة في رواتب الموظفين في القطاعين العام والخاص بعنوان السنة الجارية والسنتين القادمتين عن نسبة التضخم الحالية المقدرة بـ5.3%.
وقال السماوي في تصريح لـ"العربي الجديد": "خلال الجولة الماضية من المفاوضات الاجتماعية، توصل الاتحاد العام التونسي للشغل إلى توقيع اتفاق مع الحكومة أفضى إلى زيادة في أجور العاملين في الوظيفة العمومية بنسبة تتراوح بين 3.5 و4%، بينما حصل موظفو المؤسسات والشركات العامة على زيادة بنسبة 5% مقابل صرف زيادات لفائدة موظفي القطاع الخاص تتراوح نسبها بين 6.5% و6.75%".
ويعود تاريخ آخر اتفاق في الزيادة في الأجور إلى شهر سبتمبر/ أيلول 2022، والذي أفضى إلى زيادات في الرواتب لسنوات 2023 و2024 و2025، ومنذ ذلك الوقت، أغلقت الحكومة باب المطالب أمام النقابات، كما علقت تنفيذ اتفاقيات ذات مفعول مالي لينشغل الاتحاد العام التونسي في خلافاته الداخلية التي أدت إلى استقالة أمينه العام نور الدين الطبوبي أخيراً (تراجع عن استقالته أول من أمس).
ورجح السماوي، في سياق متصل، أن تصرف الزيادة في الرواتب خلال شهر مارس/ آذار القادم، بعد توفير الموارد المالية اللازمة من الدولة من جانب، والاتفاق مع المنظمة الممثلة للقطاع الخاص من جانب آخر. وفي وقت سابق طالبت المنظمات النقابية، وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل، بزيادات جديدة في الأجور تشمل القطاعين العام والوظيفة العمومية، معتبرة أن الزيادات السابقة لم تعد كافية لمجاراة الارتفاع المتواصل للأسعار، خاصة في المواد الغذائية والطاقة والخدمات الأساسية.
في المقابل، تتعامل الحكومة بحذر مع هذا الملف، مؤكدة أن أي زيادة جديدة في الأجور يجب أن تأخذ بالاعتبار التوازنات المالية للدولة، خاصة في ظل ارتفاع كتلة الأجور التي تمثل أحد أكبر بنود الإنفاق العمومي. وقال الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن هامش التحرك الحكومي بشأن الزيادات في الأجور يبقى محدوداً، في ظل الالتزامات المالية الداخلية والخارجية، وصعوبة تعبئة موارد إضافية دون تعميق العجز أو اللجوء إلى مزيد من الاقتراض.
وأكد الشكندالي أن الدولة التي أصبحت تستأثر بتحديد نسبة الزيادة في الأجور من دون مشاركة النقابات، رصدت نفقات بقيمة 900 مليون دينار (310 ملايين دولار) خلال قانون الموازنة الحالي للزيادة في الرواتب وتنفيذ برنامج الانتدابات الجديدة، حيث زادت كتلة الأجور لتصبح 25.3 مليار دينار (8.6 مليارات دولار) مقابل 24.4 مليار دينار (8.4 مليارات دولار) العام الماضي.
وأضاف: "قد تلجأ الحكومة في حال عدم كفاية مخصصات الزيادة في الرواتب إلى المبلغ المرصود بعنوان النفقات الطارئة والمقدر بـ1.8 مليار دينار (620 مليون دولار)، غير أن توافر هذا الحيز المالي مرتبط بقدرة الدولة على تعبئة موارد جبائية وموارد الاقتراض الخارجي".
وقال إن صعوبات تعبئة الموارد قد تحد من قدرة الدولة على الاضطلاع بدورها الاجتماعي وتحديد نسبة الترفيع في الأجور، وقد تجبرها على النزول إلى أسفل معدلات الترفيع بمبرر تحقيق التوازنات المالية، إلا إذا اضطرت في نهاية المطاف إلى اقتراض مباشر إضافي من البنك المركزي.
فيما رأى السماوي أن تحسين القدرة الإنفاقية للموظفين لا يتوقف عند الزيادة في الرواتب، ولكن يمكن أن يتم أيضاً عبر تحسين الخدمات العامة الأساسية، ولا سيما النقل والصحة لتخفيف أعباء الأسر التي تلجأ إلى الخدمات الخاصة بكلفة عالية.
