يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من صهيب المياحي
بين حكم قضائي بالإفراج وواقع احتجاز قسري، تتجسد مأساة الصحفي اليمني محمد المياحي كواحدة من أكثر صور العبث القضائي قسوة في مناطق سيطرة جماعة الحوثي. فالقضاء، الذي يُفترض أن يكون الملاذ الأخير لحماية الحقوق والحريات، تحوّل هناك إلى أداة ضغط وابتزاز، تُفرغ الأحكام من مضمونها، وتُبقي الضحايا رهائن لسلطة الأمر الواقع.
في شمال اليمن حيت تسيطر الجماعة الحوثي، لم يعد صدور الحكم القضائي نهاية المعاناة، بل بداية فصل جديد منها. إذ تُمارَس ضغوط مالية وتعسفية على الصحفيين والمحتجزين، حتى بعد صدور أحكام لصالحهم، في مشهد يعكس انهيار منظومة العدالة وتحولها إلى واجهة شكلية بلا سلطة تنفيذية.
هكذا تتعامل الجماعة الحوثية مع قضية الصحفي محمد المياحي، الذي لا يزال رهن الاحتجاز، رغم صدور حكم قضائي نهائي بالإفراج عنه من شعبة المحكمة الاستئنافية في صنعاء، بعد أن أمضى قرابة عام ونصف خلف القضبان. حكمٌ بقي حبرًا على ورق، في ظل عراقيل متعمدة ورفض ميداني لتنفيذه، ما يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول مصير القضاء وحرية الصحافة في مناطق سيطرة الجماعة.
المحكمة تقرّ الإفراج… والتنفيذ متعثر
رغم صدور حكم شعبة المحكمة الاستئنافية التابعة للمليشيا في صنعاء بالإفراج عن المياحي بعد أكثر من سنة ونصف احتجاز، لم يُنفذ الحكم على الأرض.
محاميه، عمار الأهدل، أكد أن المياحي “بحكم القانون حر منذ إعلان الحكم في 28 ديسمبر 2025″، مشيرًا إلى أن استمرار احتجازه يشكل مخالفة صريحة للقانون والقضاء، حتى في حال الطعن من النيابة.
وقال الأهدل لـ يمن مونيتور: “الاستمرار بسجنه مخالفة للقانون والقضاء، حتى لو طعنت النيابة بالقضاء فما بالكم والنيابة لم تطعن فيه.”
كما أضاف أن الحكم الاستئنافي ألغى العقوبة التكميلية، بما في ذلك المراقبة والكفالة المالية.
العراقيل المالية
على الرغم من توقيع أكثر من ستة قضاة على إجراءات الإفراج، يظل التنفيذ معلقًا بسبب مطالب مالية وتلاعبات موظفين صغار.
في منشور له على فيسبوك بتاريخ 6 يناير، كتب الأهدل: “تخيلوا أكثر من ستة قضاة وافقوا على الإفراج عن محمد ووقعوا على إجراءات الإفراج، وحنبنا عند موظف صغير في التنفيذ قال: والله ما يخرج إلا بضمانة خمسة مليون ريال وزد شل المعاملة معه. اشتكينا به أمس، ولا فائدة. قالوا عادي تعال غدوه، جينا اليوم قالوا غاب تعال غدوة.”
وأضاف: “أصدقكم القول، أنا أستطيع مقارعة القضاة لكني فشلت مع ذلك الموظف.”
سلطة موازية تفرغ القضاء من محتواه
يواجه المياحي احتجازًا مستمرًا رغم حكم قضائي نافذ، ما يعكس تضارب السلطات وضعف آليات حماية الحقوق. استمرار الاحتجاز خارج القانون يطرح أسئلة جدية حول فعالية القضاء وقدرته على فرض قراراته، ويضع المواطنين أمام حالة من عدم اليقين القانوني.
توفيق الحميدي، رئيس منظمة سام للحقوق والحريات، يصف استمرار احتجاز المياحي بأنه: “انتهاك جسيّم للحق في الحرية، واستهانة بالقضاء وأحكامه، وتجاوز للإجراء القانوني إلى مستوى الجريمة.”
وأضاف في تصريح لـ”يمن مونيتور”: “الامتناع عن تنفيذ قرار قضائي نافذ يكشف عن وجود سلطة موازية تعلو على القضاء، وتفرغه من مضمونه، مما يعيد المشهد إلى مرحلة تتجاوز فيها الاعتبارات القانونية المعايير الأساسية للعدالة.”
المسؤولية القانونية والالتزام بالمعايير الدولية
يُحذر الحميدي من أن أي جهة تستمر في احتجاز المياحي “تتحمل مسؤولية قانونية كاملة أمام القانون الوطني والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.”
وتنص المواثيق الدولية، بما فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على حماية الحق في الحرية ومنع الاحتجاز التعسفي، مما يجعل أي مخالفة لهذه الحقوق انتهاكًا صارخًا للالتزامات القانونية الدولية.
الاحتجاز لا يقتصر أثره على الصحفي نفسه، بل يمتد إلى أسرته ومحيطه الاجتماعي، الذين يعيشون حالة من القلق المستمر وانتظار لحظة الحرية.
ويشير الحميدي إلى أن هذه الممارسات: “تعكس تجاهلًا للبعد الإنساني للحقوق، وتترك أثرًا عميقًا على الأفراد والمجتمع، بما يتجاوز المسألة القانونية لتصل إلى جوهر القيم الاجتماعية والأخلاقية.”
ملف المياحي ليس حالة فردية، فهو جزء من سلسلة انتهاكات موثقة للصحفيين والنشطاء في اليمن، يعكس تحديًا مستمرًا لحرية التعبير ، ويؤكد هشاشة آليات حماية الحقوق الأساسية لا سيما مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المسلحة.
The post بين حكم بالإفراج وواقع الاحتجاز.. محمد المياحي ضحية “العبث القضائي” الحوثي appeared first on يمن مونيتور.