أزمة فقدان الدواء في تونس مستمرة
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
تتواصل أزمة فقدان الدواء في تونس وسط غياب الحلول العاجلة لإنهاء معاناة آلاف المرضى، خصوصاً أن 20 دواءً مفقوداً لا بدائل لها، و69 دواء يشهد توزيعها اضطراباً حاداً. تستعين المواطنة التونسية كوثر حسني (42 سنة) بأسرتها وكل معارفها لمساعدتها في البحث عن دواء "كولشيسين" الذي تحصل عليه بجرعات يومية منتظمة للحفاظ على استقرار وضعها الصحي، بعد أن خضعت لعملية استئصال الغدة الدرقية عقب اكتشاف إصابتها بورم خبيث. تتحدث كوثر عن أهمية هذا الدواء بالنسبة لحالتها الصحية، وتضعه في مقام الهواء والماء، معتبرةً أن فقدانه من السوق يتسبب بتدهور وضعها ومضاعفة معاناة جسدها المنهك بأمراض أخرى. وتقول لـ"العربي الجديد" إنّ هذا الدواء الذي لا يتجاوز سعره في الصيدليات ثلاثة دنانير (دولاراً أميركياً) مفقود منذ أشهر، وإنّ أغلب المرضى يضطرّون إلى البحث عنه لأسابيع من أجل الحصول على علبة تكفي عشرين يوماً. اضطرت كوثر أكثر من مرة إلى جلب الدواء من الخارج أو تعويضه بدواء أقل نجاعة في الداخل، مشيرةً إلى أن أزمة فقدان الأدوية في تونس تسبّب ألماً جسدياً ونفسياً لآلاف المواطنين. ويعاني التونسيون منذ أشهر نقصاً حادّاً في الأدوية الحياتية، إذ يشارك نشطاء عبر شبكات التواصل الاجتماعي قصصاً لمرضى يواجهون المخاطر والآلام، بسبب فقدان الأدوية، ولا سيّما مسكنات الألم الخاصة بمرضى السرطان (مورفين) وأدوية مثبطات المناعة وأدوية الغدة، وأدوية الاضطراب ثنائي القطب. ويؤكد نور الدين أحمد أهمية استخدام الـ"مورفين" لمرضى السرطان، لافتاً إلى أن هذه الجرعات اليومية كانت بمثابة حياة لوالدته التي تعاني آلاماً مبرحة بسبب انتشار الأورام في جسدها. ويقول لـ"العربي الجديد"، إنّ مسكنات الألم كانت تساعدها على التخلص من الآلام لبضع ساعات. ولا تُعدّ أزمة فقدان الأدوية في تونس الأولى من نوعها، إذ تواترت خلال الأعوام الماضية في فترات متقطعة، نتيجة نقص السيولة لدى الصيدلية المركزية (المورّد الحصري للدواء في البلاد). وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، حذّرت نقابات مُسدي الخدمات الصحية من مخاطر انهيار شامل للمنظومة الصحية. وأفادت في بيانها بأنّ "المنظومة الصحية في تونس أصبحت مهددة بالانهيار، ممّا استوجب دعوة سُلطات الإشراف إلى الجلوس مع كل الهياكل المعنية، لإيجاد الحلول قبل فوات الأوان".  ويُقدر رئيس نقابة أصحاب الصيدليات الخاصة، زبير قيقة، عدد الأدوية المفقودة التي لا بديل لها في السوق المحلية بنحو 20 دواء، بينما يصل عدد الأدوية التي يشهد توزيعها اضطراباً كبيراً إلى نحو 69 دواء. ويقول قيقة لـ"العربي الجديد" إنّ أزمة الدواء هي نتاج تراكمات تعود إلى أكثر من عشر سنوات، بسبب تأخر السلطات في إصلاح منظومة تمويل الصحة، ما أدى إلى تراكم ديون الصيدلية المركزية لدى المزوّدين الأجانب، وعجز الصناديق الاجتماعية والصندوق الوطني للتأمين على المرض، عن توفير التغطية الصحية". ويرى قيقة أن حل أزمة فقدان الدواء يحتاج إلى ضخ السيولة الكافية لفائدة الصيدلية المركزية والصندوق الوطني للتأمين على المرض، من أجل خلاص المزوّدين وتسهيل توريد الكميات اللازمة، وإنهاء معاناة المرضى، مرجّحاً استمرار أزمة نقص الدواء خلال الفترة المقبلة في ظل غياب أي حلول عاجلة. وفي تونس، تُصرف الأدوية الخصوصية (أدوية الأمراض المزمنة والمستعصية)، ومن بينها أدوية السرطان والأدوية باهظة الثمن، عبر شبكة المصحّات التابعة لصناديق الضمان الاجتماعي، وهي أدوية تستوردها الصيدلية المركزية حصراً، في حين لا يتمّ توفير سوى نسبة محدودة منها عبر الصيدليات لغير المنخرطين في الصناديق الاجتماعية. ويطالب المجتمع المدني بفتح تحقيق شامل في أزمة الدواء، محمّلاً السلطات العمومية مسؤولية التفريط بحق الصحة. وفي بيانه الصادر في 13 يناير/ كانون الثاني، أوضح المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن "النقص الحاد والخطير في الأدوية المخصصة لعلاج الأمراض السرطانية والأمراض الأخرى، يأتي نتيجة الاختلالات العميقة التي تعيشها الصيدلية المركزية، وكذلك إنهاء العلاقة بين الصندوق الوطني للتأمين على المرض ونقابة أصحاب الصيدليات الخاصة". واعتبر أن "حرمان آلاف المرضى من الأدوية، سواء بانقطاعها الكلي أو بتوفيرها بصفة متقطعة، لا يُعدّ مجرد أزمة ظرفية، بل يمثل انتهاكاً جسيماً للحق الدستوري في الصحة، وجريمة يتحمّل مسؤوليتها كل من تهاون أو تقاعس أو تلاعب بملف الصحة العمومية". وأكد المنتدى أنّ "الفئات الهشّة تواجه خطر الموت يومياً، وهو ما يُعتبر شكلاً من أشكال العنف المؤسساتي والتنكيل الصامت بالمواطنين، ويمثّل ضرباً مباشراً للمساواة والعدالة الاجتماعية"، داعياً إلى تحرك فوري لتوفير كل أصناف الأدوية، ووضع خطة إنقاذ عاجلة للصيدلية المركزية والمرفق العمومي للصحة، في إطار سياسات عمومية بديلة قادرة على حماية أرواح التونسيين. كما طالب بفتح تحقيقات جدية لتحديد المسؤوليات، ومحاسبة المتورطين في المساس بحق الصحة. واعتبرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أن انهيار منظومة الصحة العمومية يؤدي الى الموت البطيء. وأفادت في بيانها بأنّ "تونس تعيش انهياراً متسارعاً ومقلقاً للمنظومة الصحية العمومية، في ظل عجز الدولة عن الإيفاء بالتزاماتها في ضمان الحق بالصحة والعلاج"، مؤكدةً أن ما يشهده القطاع الصحي لم يعد أزمة ظرفية عابرة، بل إنه يعبر عن فشل ممنهج في السياسات العمومية، تتحمل الدولة مسؤوليته بالكامل، خصوصاً أنه يُعدّ انتهاكاً صارخاً للحق في الصحة والحياة".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية