عربي
تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المثيرة للقلق، لم تعد تُؤخذ باستخفافٍ من حكومات العالم. اختلف الأمر بعد عملية اختطاف قوات أميركية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في الثالث من يناير/ كانون الثاني الحالي. وبات العالم يُتابع باهتمام شديد ما يصدر في هذه الفترة من تهديدات عن البيت الأبيض، بخصوص بلدان أميركا اللاتينية، وإيران وغرينلاند. تصعيد إدارة ترامب ضد القارة الأميركية الجنوبية يندرج في سياق تاريخ طويل من التدخل الأميركي في دولها، لكنّه انتقل إلى درجة قصوى، وصلت إلى اعتداءات مباشرة على السيادة، وتغيير أنظمة حاكمة، وتسيير الدول، والتحكّم بثرواتها. وبعد فنزويلا، باتت كوبا هدفاً جديداً ذا أولوية على رادار ترامب، وصار الربط بين البلدين لازمة صريحة في تصريحات فريق الإدارة الأميركية، بحجة اعتماد الجزيرة الكبير على إمدادات الطاقة الخارجية، التي كان يأتي القسم الأكبر منها من فنزويلا. ووفق بيانات الشحن ووثائق شركة النفط الوطنية الفنزويلية، صدّرت كاراكاس، بين يناير 2025، ونوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، ما معدّله 27 ألف برميل من النفط يومياً، ما يغطّي نحو نصف احتياجات كوبا، وفي المقابل، قدمت كوبا خدمات أمنية لفنزويلا. وهذا ما يفسّر سقوط حوالي 32 جندياً كوبياً خلال عملية اختطاف مادورو.
بدأ بعض سكان هافانا الطلب من أقاربهم في ميامي إرسال الأدوية والطعام إليهم
ترامب والضغط على كوبا
قرّر ترامب أنه "لن يكون هناك المزيد من النفط أو المال لكوبا! صفر!"، مضيفاً "أنصحهم بشدة بإبرام صفقة قبل فوات الأوان". وبدأت واشنطن بالضغط على الرئيسة المؤقتة لفنزويلا، ديلسي رودريغيز، لوقف شحنات النفط إلى كوبا. وفي هذا الشأن ترسم أجهزة الاستخبارات الأميركية صورة مقلقة للوضع الاقتصادي والسياسي في كوبا. وتنقل وسائل إعلام غربية عن مصادرها داخل كوبا أن الاقتصاد الكوبي يعاني من ضعف جراء العقوبات التجارية، وانقطاع التيار الكهربائي، والصعوبات التي تواجه قطاعات رئيسية كالزراعة والسياحة. إلا أنها لا تؤكد بشكل قاطع مزاعم ترامب بأن الجزيرة "على وشك السقوط". ومنذ اختطاف مادورو، ألمح قادة في الحزب الجمهوري الأميركي إلى احتمال سقوط النظام الشيوعي في كوبا قريباً. وبينما أشارت الاستخبارات الأميركية إلى أن الوضع السياسي والاقتصادي في كوبا حرج، إلا أن تقييمها لم يُظهر أي دعم واضح لتوقعات ترامب بأن الجزيرة "على وشك السقوط"، حسبما أفادت وكالة رويترز، نقلاً عن ثلاثة مصادر مطلعة على التقييمات السرية.
واشنطن بدأت تقرن الأقوال بالأفعال، ونشرت البحرية الأميركية سفينتي إنزال برمائيتين، هما يو إس إس إيو جيما ويو إس إس سان أنطونيو، شمال كوبا لترهيب هافانا. والهدف هو فرض حصار كامل على البلاد. وهذا يعني أنه لن تدخل أي منتجات إلى كوبا بعد الآن، وبدأ بعض سكان هافانا الطلب من أقاربهم في ميامي إرسال الأدوية والطعام إليهم، عبر منصات التسوّق الإلكتروني، قبل أن تُعزل الجزيرة عن العالم. وهناك قناعة بأنها مسألة أيام قبل أن يحظر ترامب كل شيء. ولزيادة الضغط على الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، الذي يتولّى منصبه منذ عام 2018، شارك ترامب رسالة على وسائل التواصل الاجتماعي، يقترح فيها تولي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، المولود لأبوين مهاجرين كوبيين، منصب رئيس كوبا القادم. وقال فيها "يبدو الأمر جيداً جداً بالنسبة لي!".
وفي تزامن ذي معنى، أدلى الملياردير إيلون ماسك بتعليقٍ مماثلٍ في منشورٍ ساخرٍ على منصة إكس، جاء فيه أن روبيو قد يصبح "رئيساً لفنزويلا، وحاكماً لكوبا، وشاهاً لإيران"، وكتب أنه "سيدعم هذا بنسبة 100%". وفي 12 يناير الحالي أعلن ترامب نفسه حاكماً مؤقتاً لفنزويلا، وذلك في منشور عبر منصة تروث سوشال، نشر فيه لقطة شاشة مُعدّلة لصفحته على موقع ويكيبيديا، حيث أُضيف إليها لقب "الرئيس المؤقت لفنزويلا". ولا تظهر هذه الإضافة على صفحته الأصلية على ويكيبيديا، ملمحاً بسخرية إلى شرعية ديلسي رودريغيز. وطلب ترامب عدم سؤاله عن هوية من يدير فنزويلا، بعد عملية اختطاف مادورو، بل قال: "نحن من يديرها". وأضاف: "سندير كل شيء. سندير البلاد، ونُصلحها". وأوضح أن "هدفنا هو وجود دولٍ مزدهرةٍ وقابلةٍ للحياة حولنا، حيث يُمكن استخراج النفط بحرية". وأكد أن المهمة الأولى للرئيس الفنزويلي المستقبلي ستكون منح الأميركيين "حق الوصول الكامل" إلى النفط.
لا يبدو أن حديث ترامب عن الدور الذي سيؤديه روبيو في التطورات الكوبية مزاح عابر، وحتى قبل أن يطرح ذلك، وبعد يوم من خطف مادورو، وجّه روبيو تحذيراً لكوبا، مصرحاً لبرنامج "ميت ذا برس" على قناة إن بي سي نيوز الأميركية بأنه يعتقد أن كوبا "في ورطة كبيرة". وقال "لن أتحدث إليكم الآن عن خطواتنا المستقبلية وسياساتنا في هذا الشأن. لكن لا أعتقد أن الأمر يخفى على أحد أننا لسنا من أشد المعجبين بالنظام الكوبي، الذي كان، بالمناسبة، هو من يدعم مادورو".
كان واضحاً أن ترامب يعد روبيو للعب دور أساسي في هذه العملية الكبيرة التي تتجاوز فنزويلا، لذلك تصدر وسائل الإعلام في اليوم التالي لاختطاف مادورو، حيث ظهر في عدد من البرامج الحوارية للرد على المخاوف بشأن العملية، والمسار الذي ستسلكه الولايات المتحدة في ظل التداعيات المعقدة لتغيير النظام. وعلى هذا يعد روبيو حصان ترامب في السباق إلى دول القارة، بصفته ابناً لمهاجرين كوبيين، وأول وزير خارجية من أصول لاتينية، ويضاف إلى ذلك أنه نشأ في ميامي بين المنفيين الكوبيين، الذين فروا من ثورة فيدل كاسترو، التي نجحت في عام 1959، بعد سنوات من القتال.
يمتلك روبيو شعبية ساحقة داخل الحزب الجمهوري، وفي عام 2015 كان في عداد كوكبة المرشحين للرئاسة الأميركية في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، ولم يسطع نجمٌ واحدٌ أكثر منه. حتى إن بعض وسائل الإعلام، الليبرالية والمحافظة على حد سواء، تجرأت على مقارنته بباراك أوباما وجون إف. كينيدي. وقد وضعته مجلة تايم على غلافها بعنوان "منقذ الجمهوريين"، ولُقّب بـ"الرجل الخارق المحافظ". وجرى الترويج له باعتباره مستقبل الحزب الجمهوري قبل أن يُطيحه دونالد ترامب في عام 2016، لكنه نهض من جديد. واليوم، يُعدّ شخصيةً محوريةً في البيت الأبيض، ويجسّد أكثر من أي وقت مضى بديلاً محتملاً لجي. دي. فانس، نائب ترامب، لخلافة الرئيس في الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2028. ووفقاً لموقع بوليتيكو، أثارت أدوار روبيو المتنامية بعض التوقعات بأنه قد يتصدر قائمة المرشحين للترشح عن الحزب الجمهوري في انتخابات 2028. مع ذلك، أعلن روبيو دعمه العلني لفانس في حال قرر الترشح. وقال في مقابلة: "إذا ترشح جي دي فانس للرئاسة، فسيكون مرشحنا، وسأكون من أوائل الداعمين له". يبدو أن نائب الرئيس ووزير الخارجية حليفان، لكنهما يدافعان عن رؤيتين متناقضتين لأميركا. تنبئ مناوراتهما بشأن مفاوضات السلام في أوكرانيا بالانقسامات التي ستعيد تشكيل الحزب الجمهوري في حقبة ما بعد ترامب.
يمتلك روبيو شعبية ساحقة داخل الحزب الجمهوري
روبيو... الناجي من تطهير ترامب
في الرابعة والخمسين من عمره، نجا روبيو من حملة التطهير السياسي التي شنها ترامب عام 2016. بل تمكن من استعادة ثقته به، ليصبح سريعاً مستشاره الرئيسي وخبيره في شؤون أميركا اللاتينية بعد موجة الاستقالات التي طاولت إدارة ترامب في ولايته الأولى (2017 ـ 2021). وبينما لم يكن يشغل أي منصب رسمي في السلطة التنفيذية، سافر السيناتور روبيو إلى دول عدة ممثلاً لترامب في محافل واسعة. تولى روبيو مناصب عديدة في إدارة ترامب الثانية، بدءاً من 20 يناير 2025، منذ أن شغل منصب وزير الخارجية، فقد حظي بدعم الإجماع من مجلس الشيوخ في تصويت تثبيته بنتيجة 99-0، علماً أن المجلس يضمّ مئة عضو. وقال ترامب عن ترشيحه إن روبيو: "قائد يحظى باحترام كبير، وصوت قوي جداً للحرية. سيكون مدافعاً قوياً عن أمتنا، وصديقاً حقيقياً لحلفائنا، ومحارباً شجاعاً لن يتراجع أبداً أمام خصومنا". وقد لعب روبيو أدواراً عدة إلى جانب منصبه وزيراً للخارجية، وبحلول منتصف عام 2025، كان قد شغل منصب القائم بأعمال مستشار الأمن القومي، بعد أن ترك مستشار ترامب الأول، مايك والتز، منصبه وانتقل إلى الأمم المتحدة، ثم قبل منصب القائم بأعمال أمين الأرشيف الوطني، وشغل منصب مدير الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) حتى أغسطس/ آب الماضي.
يبدو روبيو حتى الآن نجم الحدث الأميركي اللاتيني، وستبقى الأضواء مسلطة عليه لوقت طويل، نظراً إلى أن كوبا بلاد أجداده هي محطة ترامب التالية، بعد فنزويلا. لقد صمدت الجزيرة الكوبية أمام حصارات وحروب ومؤامرات كل الرؤساء الأميركيين منذ عهد دوايت أيزنهاور (1953 ـ 1961)، وبات من غير المستبعد أن يقوم ترامب بإغلاق هذه الصفحة من التاريخ، ولكن عوضاً عن أن يتسلم روبيو رئاستها فعلياً، يمكن أن تقوده لرئاسة الولايات المتحدة، التي ينتظرها عمل كبير في دول القارة، بعد أن قررت أن تبسط ظلها عليها. ولكن ما قد يبدو وكأنه تنصيب الرئيس له خليفة ذا كفاءة، قد يكون في الواقع تحميل روبيو كامل مسؤولية قراراته غير الشعبية خلال العامين المقبلين قبل الانتخابات الرئاسية. وهذا الاحتمال واردٌ أكثر من غيره، بحسب الاستراتيجي الجمهوري مايك مدريد.

أخبار ذات صلة.
أين تأكل إذا كنت ترغب في العيش لفترة أطول؟
الشرق الأوسط
منذ 14 دقيقة