عربي
قال المكتب الإعلامي لقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر إنه عقد اجتماعاً، يوم أمس، مع "رئيس الأركان الفريق أول ركن خالد حفتر"، بمشاركة "رؤساء الأركان" في قواته، لمناقشة "آخر المستجدات العسكرية والأمنية"، حيث اطلع حفتر "على سير العمل بجميع الرئاسات والمهام المنفذة خلال الفترة الماضية، كذلك استُعرِضَت خطط العمل المستقبلية للرئاسات الهادفة إلى رفع مستوى الكفاءة القتالية وتعزيز الجاهزية الدائمة بالصنوف والوحدات العسكرية كافة".
وذكر المكتب الإعلامي أن اللقاء حضره "الفريق شعيب الصابر" رئيس أركان القوات البحرية، و"اللواء عبد السلام الحاسي" رئيس أركان القوات البرية، و"اللواء عادل بوشاح" رئيس أركان القوات الجوية، و"اللواء أحمد المسماري" نائب آمر أركان القوات الجوية، و"اللواء صفوان بوطيغان" رئيس أركان القوات الأمنية.
وجاء هذا الاجتماع بعد يومين من زيارة أجراها صدام، نجل حفتر نائب ما يعرف بـ"القيادة العامة للجيش الوطني الليبي" للقاهرة يوم 11 يناير/ كانون الثاني الحالي، برفقة الوفد العسكري نفسه، التي التقى خلالها وزير الدفاع المصري الفريق أول عبد المجيد صقر، وسط تحركات متسارعة من جانب حفتر أخيراً، من زيارات متكررة للقاهرة، إلى بناء تحالفات جديدة مع باكستان المقربة من السعودية، تعكس محاولة ضبط علاقاته بالخارج بالتوازي مع التنسيق المتزايد بين القاهرة والرياض. وكان لافتاً في اجتماع حفتر، يوم أمس، غياب صدام، فيما حضر شقيقه خالد برفقة الوفد العسكري نفسه الذي زار القاهرة.
وفي السياق، أفادت معلومات أدلى بها مصدر عسكري مقرب من قيادة حفتر لـ"العربي الجديد" بأن هذا الاجتماع يندرج ضمن ترتيبات تعمل عليها قيادة حفتر منذ أيام، تتمثل بمنح خالد صلاحيات أوسع لإدارة الوحدات العسكرية وقيادتها، ضمن رؤية لفصل الشأن العسكري الداخلي عن الملفات الخارجية، مع بقاء صدام مسؤولاً عن العلاقات الخارجية التي بدأ يديرها في الآونة الأخيرة.
ويتقاطع ذلك مع معلومات أدلى بها مصدر برلماني، مقرب من لجنة الأمن القومي بمجلس النواب، لـ"العربي الجديد"، أفادت بوجود قلق داخل معسكر حفتر من جانبين، جانب التنافس المتزايد بين صدام وخالد، وجانب الضغوط الإقليمية المتزايدة بشأن ارتباط معسكر حفتر بصراعات إقليمية كان صدام حلقة مباشرة فيها، وهي صراعات لم تعد عواصم، على رأسها القاهرة، تقبل استمرارها، وتحديداً دعم النزاع القائم في السودان.
وفيما لفت المصدر البرلماني إلى أن خبر الاجتماع، وبصور مرفقة به، جاء مقصوداً لإرسال رسالة مباشرة حول "مقاربة داخلية قيد التشكل"، ذكر أن الهدف الأساسي لدى حفتر الحفاظ على تماسك بنية قيادة قواته وتفادي أي تفكك، ورأى أن تطبيق رؤية حفتر بالكامل سيحتاج وقتاً حتى تتبلور بشكل نهائي.
وتعكس تحركات حفتر الحراك غير المعلن داخل معسكره بفعل التحولات الإقليمية، وسط ضغوط مصرية وسعودية لإعادة رسم موازين النفوذ وتحييد دور الإمارات في ليبيا وساحات النزاع الأفريقية، ولا سيما السودان. كذلك تعرّض حفتر لانتقادات مصرية لتجاهله تحذيرات سابقة بشأن دعمه لقوات الدعم السريع في السودان، حيث كشفت مصادر مصرية رفيعة المستوى مطلعة، في تصريحات سابقة لـ"العربي الجديد"، عن تحذيره من أن استمرار هذا النهج قد يقود إلى تدهور ملموس في العلاقة بين القاهرة وشرق ليبيا. كذلك مثلت الضربة المصرية الجوية لقوافل مساعدات عسكرية لقوات الدعم السريع في المثلث الحدودي بين مصر وليبيا والسودان، قبيل زيارة صدام الأخيرة لمصر، رسالة أخرى لحفتر. وفي سياق التقارب المصري – السعودي في المنطقة، برز تحرك سعودي لإعادة تشكيل موازين النفوذ داخل معسكر حفتر عبر حلفاء الرياض، تمثل أبرزها بتوقيع اتفاقية شراء أسلحة باكستانية بقيمة أربعة مليارات دولار في 18 ديسمبر/ كانون الأول الماضي.
وفيما يبدو جلياً أن الحراك داخل قيادة حفتر لتوزيع الأدوار داخل هيكل قواته جاء متزامناً مع ضغط إقليمي لفك ارتباط حفتر بساحات النزاع الأفريقية، ولا سيما السودان الذي يدعم فيه فصيل الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي" بدفع ودعم إماراتي، يرى عادل عبد الكافي، الخبير العسكري والمستشار السابق للقائد الأعلى للجيش الليبي، أن علاقة حفتر بالإمارات "بنيوية وليست ظرفية"، ما يضعه في موقف حرج تجاه الضغوط الإقليمية الأخيرة. ويشير عبد الكافي في حديثه لـ"العربي الجديد" إلى أن الإمارات كانت أول طرف إقليمي قدم دعماً عسكرياً إلى حفتر، بدءاً من بنائها لقاعدة الخادم الجوية، المحاذية لمعقل حفتر الرئيسي في الرجمة، مروراً بدعمه في معاركه العديدة ووصوله إلى عدوانه على طرابلس في 2019 و2020.
ويربط عبد الكافي التعقيد الحالي بوجود الدعم الروسي، إذ كانت الإمارات حلقة الوصل لوصول مرتزقة فاغنر إلى صفوف حفتر عبر قاعدة الخادم، والامتداد وسطاً وجنوباً، وصولاً إلى قاعدة السارة المشرفة على مسارات العبور نحو السودان وتشاد. ويؤكد عبد الكافي أن الجنوب الشرقي الليبي مختلفٌ عن بقية الجنوب، إذ تقل فيه الكثافة السكانية، وتتشابك فيه الحدود مع السودان وتشاد، ما يجعله "مثالياً لعبور الإمدادات العسكرية"، عبر خليط من وحدات حفتر النظامية، كـ"كتيبة سبل السلام"، وتحالفات مع تشكيلات مرتبطة بقوات الدعم السريع.
وعبر الفترات الماضية، يؤكد عبد الكافي، أن الإمارات اتخذت أراضي سيطرة حفتر طريقاً لإمداد النزاع في السودان، بنقل الوقود والذخائر والمعدات العسكرية والخدمات اللوجستية من مهابط القواعد العسكرية في شرق البلاد، قبل نقلها براً إلى الكفرة، وأخيراً إلى السودان.
ويرى عبد الكافي أن التضييق على الإمارات عبر حفتر سيقلل من التوتر في ساحات التوتر الأفريقي، لكن تفكيك تحالفها مع حفتر "سيحدث هزة في هيكل قيادة حفتر"، الذي استثمرت الإمارات فيه طويلاً. ومن جانب آخر، يرى عبد الكافي أن الضغوط المصرية الحالية تستهدف تقليص دعم حفتر لقوات الدعم السريع في السودان، لكنها لن تصل إلى القطيعة مع حفتر الذي ترى فيه القاهرة "حارساً لشرق ليبيا، الخاصرة الرخوة لأمنها"، بينما الضغط السعودي "أكثر حسماً" بالنظر إلى نجاح الرياض في تقليص النفوذ الإماراتي في اليمن والصومال، معتبرًا أن التقارب غير الواضح بين الرياض والقاهرة "زاد من إرباك حفتر، خصوصاً أن الضغط جاء في وقت مفاجئ وبشكل متسارع".
أما الكاتب والمحلل السياسي محمد بويصير، فيرى أن المتغيرات الإقليمية المتصلة بليبيا، وتحديداً الموقفين السعودي والمصري، لا يمكن قراءتهما كموقف واحد، فمن وجهة نظره، تتعامل الرياض مع ملف تقليص الأدوار الإماراتية في ساحات التوتر على أنه "خيار استراتيجي طويل المدى"، فيما لا تزال القاهرة "تتحرك داخل المنطقة الرمادية"، لموازنة حساباتها القومية مع حسابات النفوذ الإقليمي المتشابك.
وفي هذا السياق، لا يستبعد بويصير، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن يتحول حفتر من ورقة إقليمية إلى "عبء سياسي وأمني"، إذا ما استمرت أولويات القوى الداعمة له في التغير، معتبرًا أن "نهاية التدخل الإماراتي في ليبيا تعني بداية العد التنازلي" لسلطة حفتر، حتى وإن انتهج نهج تغيير خطابه السياسي أو عقد تحالفات جديدة.
ويُفرّق بويصير، في قراءته لوضع حفتر، بين "السلطة العسكرية" و"الشرعية العسكرية"، معتبراً أن حفتر "يمتلك سلطة أمر واقع، لا شرعية مستمدة من اختيار شعبي"، خصوصاً في برقة، ولذا لا يراهن بويصير على أي سيناريوهات لإعادة هيكلة حفتر لأوضاعه، معتبراً أن الكلفة السياسية للصراعات التي زجّ حفتر بها نفسه "قد تصل إلى سلطته في برقة، فلا أحد يعرف كيف ينتهي الصراع الذي زجّ نفسه فيه".

أخبار ذات صلة.
أين تأكل إذا كنت ترغب في العيش لفترة أطول؟
الشرق الأوسط
منذ 16 دقيقة