عربي
يمضي "قطار" انخفاض معدلات المواليد بشكل لافت في الدول العربية خلال السنوات الأخيرة، ما يثير جدلاً واسعاً في أوساط خبراء علم الاجتماع والاقتصاد، بين من يحذر من "الشيخوخة السكانية" القادمة، ومن يدعو للتوازن بين الإفراط والتفريط في الإنجاب.
وكشف تقرير "التوقعات السكانية العالمية" الصادر عن الأمم المتحدة في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2025، عن تفاوت واضح في معدلات النمو السكاني بين الدول العربية خلال عام 2025؛ حيث تصدرت مصر القائمة بـ2.45 مليون مولود، تلاها اليمن بـ1.40 مليون، ثم العراق بـ1.18 مليون، فيما جاءت الجزائر رابعة بـ855 ألف مولود. وبحسب التقرير، سجّل المغرب نحو 619 ألف مولود، وسورية 601 ألف، والسعودية 564 ألفاً، والأردن 232 ألفاً، وتونس 160 ألفاً، وفلسطين 144 ألفاً، وليبيا 120 ألفاً، والإمارات 114 ألفاً، ولبنان 92 ألفاً، وعُمان 90 ألفاً، فيما بلغ عدد المواليد في الكويت حوالي 48 ألفاً، وقطر 29 ألفاً، والبحرين 10 آلاف.
وفي مصر، أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في أغسطس/آب 2025، أن عدد المواليد سجل مليوناً و998 ألفاً بنهاية عام 2024، بتراجع قدره 77 ألف مولود عن عام 2023، وبنسبة انخفاض بلغت 3.8%. ووفقاً لهيئة الإحصاء السعودية، تراجع عدد المواليد من 465 ألفاً في 2017 إلى 417 ألفاً في 2022، أي بنسبة تراجع تتجاوز 10% خلال 6 أعوام. وأظهرت بيانات للبنك الدولي تراجع معدل المواليد في المملكة من 44 ولادة لكل ألف نسمة عام 1980 إلى 16 ولادة في 2023.
كذلك، سجل لبنان في الفترة من 2020 وحتى 2023، وعقب الأزمة الاقتصادية التي بدأت في 2019، انخفاضاً بنسبة 39.8% في أعداد المواليد، مسجلاً 271 ألفاً و913 مولوداً، مقابل 354 ألفاً و866 مولوداً خلال الأعوام من 2016 حتّى 2019، وفق تقديرات نقلتها صحيفة "النهار" المحلية. وفي تونس، كشف المعهد الوطني للإحصاء، في تقرير نشره في سبتمبر/ أيلول 2025، عن انخفاض بنسبة 10% في عدد المواليد، متراجعاً إلى 133 ألفاً و322 مولوداً خلال 2024، مقابل 147 ألفاً و242 مولوداً في 2023.
انخفاض المواليد... أسباب متعددة ومخاطر محتملة
وفي تعليقه على هذا المسار، قال الوزير التونسي السابق، أستاذ علم الاجتماع مهدي مبروك، لـ"الأناضول": "الأسباب متعددة، ولا يمكن تعميم سبب واحد على مختلف المجتمعات العربية". وأضاف: "الحالة المصرية تختلف تماماً عن نظيرتيها السعودية والتونسية، لكن هناك اتجاهاً عاماً يعبر عنه في العلوم الاجتماعية بالتحولات الديموغرافية، التي بدأت في الستينيات بالمجتمعات الغربية، وحالياً نشهدها في المجتمعات العربية بأشكال وسياقات متفاوتة".
وعن أسباب الانخفاض، أوضح مبروك: "هناك من يرى في ذلك إحدى علامات الحداثة، باعتبار التوجه نحو الخيارات الفردية، حيث نمر من العائلة الممتدة إلى العائلة النووية التي تكتفي بالحد الأدنى من الأطفال، لشعور الأفراد بـ(ثقافة العبء العائلي) التي أصبح فيها الإنجاب عبئاً على السعادة الشخصية كما يتصورون". وتابع: "ثمة توجه عالمي للاكتفاء بعدد قليل من الأبناء، ليس لضيق المال فقط كما في حالتي مصر وتونس، بل تماشياً مع الوعي بأهمية جودة الرعاية النفسية والاجتماعية والذهنية المقدمة للطفل".
حذّر مبروك من انتقال المجتمعات العربية من "الرفاهية الاجتماعية إلى الشيخوخة السكانية"
وحذّر مبروك من انتقال المجتمعات العربية من "الرفاهية الاجتماعية إلى الشيخوخة السكانية"، موضحاً أن تونس دخلت منذ سنوات عتبات الشيخوخة، حيث يقل معدل إنجاب المرأة عن 2% (يسجل حالياً 1.8%). وتوقع أن تنتقل دول أخرى مثل مصر والسعودية في السنوات القادمة من مرحلة "الشباب السكاني" إلى مرحلة الشيخوخة. ويرى أن ذلك "سيؤثر في تركيبة اليد العاملة، حيث ستلجأ المجتمعات العربية أكثر فأكثر إلى استيراد العمالة، حتى تلك التي لم تعتد ذلك مثل تونس والمغرب". وأضاف: "سنجد كبار السن في عزلة في ظل غياب تسلسل الأجيال، وستزدهر مؤسسات رعاية المسنين ومهن مساعدي الحياة وطب الشيخوخة كما في الغرب".
مسار طبيعي وإيجابي لانخفاض المواليد
في المقابل، يرى الخبير في الديموغرافيا ودراسات الهجرة، الأكاديمي المصري أيمن زهري، أن "الانخفاض بحد ذاته يعد أمراً إيجابياً وطبيعياً، ويعكس نوعاً من الحداثة". وقال لـ"الأناضول": "من الطبيعي مع تطور الحضارة أن ينشأ نوع من الذاتية، ويقل الإقبال على الإنجاب الكثيف، ليصبح اهتمام الزوجين منصباً على جودة تنشئة الأطفال أكثر من عددهم".
وأكد زهري أن الأمر لا يتوقف فقط على الظرف الاقتصادي، مستدركاً: "صحيح أن الظروف الاقتصادية السيئة تؤثر سلباً، لكن الظروف الجيدة أيضاً قد تؤدي للعزوف عن الإنجاب رغبةً في التمتع بالحياة وجودة التنشئة". وعن مخاوف "الشيخوخة السكانية"، قال زهري: "هذا أمر بعيد المدى يحتاج إلى 30 عاماً حتى يظهر". وشدد على أن "انخفاض الإنجاب الحالي طفيف جداً ولا يؤثر آنياً في التركيبة السكانية، رغم الزخم الإعلامي الذي ناله". وتوقع استمرار التراجع "نتيجة للضغوط الاقتصادية في بعض البلدان، والتقدم التنموي في بلدان أخرى؛ لأن التقدم يعني خصوبة أقل، تماماً كما حدث في أوروبا".
من جهته، يرى أستاذ الاقتصاد الدولي، علي الإدريسي، في حديث لـ"الأناضول"، أن انخفاض معدلات المواليد "لم يعد حدثاً عارضاً، بل تحولاً ديموغرافياً يعكس تغيراً عميقاً في السلوك الاقتصادي والاجتماعي". وأردف: "هذا الانخفاض سلاح ذو حدين؛ فإما أن يكون إيجابياً كفرصة لإعادة بناء الاقتصاد على أساس الإنتاجية والتكنولوجيا وتخفيف الأعباء عن الخدمات العامة، وإما أن يكون سلبياً إذا تُرك دون تخطيط، ليصطدم الاقتصاد لاحقاً بنقص العمالة وارتفاع أعباء الإعالة والمعاشات". وأكد الإدريسي أن "المستقبل ليس في تشجيع الإنجاب العددي المباشر، ولا في ترك المسار لقوى السوق، بل في إدارة ذكية ومتوازنة للتحول الديموغرافي".
وكحل وسط، دعا مهدي مبروك إلى تدخل السياسات الرسمية: "من مصلحة المجتمعات العربية أن نتجنب التهرم السكاني الحاد، لأن تكلفته باهظة جداً". وختم قائلاً: "لست مع الإنجاب الكثير، أنا مع (مسك العصا من الوسط)؛ لا نذهب لتحديد النسل فنقع في فخ الشيخوخة واستيراد العمالة، ولا ننجب بكثرة ما يؤدي للإهمال وضعف الرعاية".
(الأناضول)
