عربي
تتصدّر غرينلاند المشهد الدولي مجدداً بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتكررة حول رغبته في ضمّ الجزيرة التابعة للدنمارك إلى الولايات المتحدة، وهي رغبة تُعيد إلى السطح تاريخاً طويلاً من الأطماع الاستراتيجية في أكبر جزيرة في العالم. هذا الجدل لم يعد مجرّد سجال سياسي عابر، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لصلابة العلاقة عبر الأطلسي، ولقدرة الحلفاء في "ناتو" على التعامل مع ملفات سيادية شديدة الحساسية. وفي خلفية كل هذا، تقف غرينلاند نفسها، بطبيعتها الاستثنائية وثرواتها وموقعها، أرضاً تحمل حقائق لا تقل غرابة عن حجم الاهتمام الدولي المتجدد بها.
أرض الأرقام القياسية
غرينلاند هي أكبر جزيرة في العالم، إذ تمتد على مساحة 2.16 مليون كيلومتر مربع، ومع ذلك فهي الأقل كثافة سكانية عالمياً. يتركز ثلث السكان في العاصمة نوك، ومتنزه غرينلاند الوطني الأكبر في العالم بمساحة تفوق 972 ألف كيلومتر مربع، ويقطنه نحو 40 شخصاً فقط. هذه الطبيعة البكر القاسية، الممتدة بين الجبال الجليدية والمضايق البحرية، هي أحد أهم عناصر الجذب البحثي والعلمي نحو الجزيرة.
اسم "غرينلاند" مجرّد خدعة
على الرغم من تسمية غرينلاند التي تعني الأرض الخضراء، تبدو الجزيرة مغطاة بالجليد في معظمها. وتعود التسمية إلى إريك الأحمر، وهو قاتل آيسلندي نُفي إلى الجزيرة، وقد اختار اسماً جذاباً لاستقطاب المستوطنين. المفارقة أن الدراسات الحديثة كشفت أن الجزيرة كانت خضراء فعلاً قبل أكثر من 2.5 مليون سنة، ما يجعل الخدعة التسويقية أقرب إلى حقيقة جيولوجية قديمة.
دولة بلا طرق
لا توجد طرق تربط بين مدن غرينلاند على الرغم من مساحتها الهائلة. فالتنقّل يتم بالقوارب أو الطائرات أو المروحيات أو زلاجات الكلاب. هذه البنية الفريدة تجعل كل مدينة وكأنها جزيرة مستقلّة، وتعزز من عزلة المجتمعات الصغيرة، ومن خصوصية نمط الحياة اليومي للسكان.
لا تزال كلاب الزلاجات مستخدمة
تمتلك الجزيرة نحو 17 ألف كلب زِلاجة، وهذه السلالة من أقدم السلالات النقية في العالم. تستخدم الكلاب في النقل والصيد، خصوصاً في المناطق الواقعة شمال الدائرة القطبية. ورغم الحداثة التي دخلت المدن، لا تزال هذه الوسيلة جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية للسكان الأصليين (الإنويت).
حداثة المدن مقابل أصالة الأطراف
لا يزال صيد الفقمة والصيد البحري عموماً مكوّناً اقتصادياً رئيسياً في القرى الصغيرة، لكن المدن الكبرى تشهد مظاهر حداثة لافتة؛ إذ يستخدم 98% من السكان خدمات الاتصالات الرقمية، وتبدو المباني الملونة والمحال التجارية انعكاساً لحياة حضرية متطورة في بيئة قطبية قاسية.
مجتمع الإنويت
يشكل السكان الأصليون (الإنويت) العمود الفقري للهوية الغرينلاندية. وعلى الرغم من التغيرات المتسارعة، لا تزال اللغة الكالاليست والعادات التقليدية من الصيد إلى الاحتفالات والمرويات الشعبية تحافظ على حضور قوي. لكن التوتر قائم بين الحداثة والحفاظ على التراث، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع بعض الأنشطة التقليدية.
في قلب الجغرافيا السياسية
الاهتمام الأميركي بالجزيرة ليس جديداً. فمنذ الحرب الباردة، احتضنت غرينلاند قاعدة ثول الجوية الأميركية التي تشكل ركناً أساسياً في نظام الإنذار المبكر الأميركي وفي مراقبة التحركات الروسية في القطب الشمالي.
ومع ذوبان الجليد وفتح ممرات ملاحية جديدة، تصاعد التنافس الدولي على المنطقة بين واشنطن وموسكو وبكين. اليوم، تمثّل الجزيرة جزءاً من معادلة استراتيجية شديدة الحساسية: وجود عسكري أميركي قديم يسعى ترامب إلى تعزيزه، ورغبة صينية متزايدة في الاستثمار في التعدين والبنى التحتية، ومخاوف دنماركية من تنامي نفوذ القوى الكبرى على حساب سيادتها.
