لماذا تتضامن بنوك مركزية عالمية مع باول والاحتياطي في مواجهة ترامب؟
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
كما كان متوقعاً، لم تبق تداعيات الصدام بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)، جيروم باول محصورة على دوائر الاقتصاد والسياسة داخل الولايات المتحدة. فقد أصدر رؤساء العديد من البنوك المركزية الكبرى في العالم بياناً مشتركاً، اليوم الثلاثاء، دعماً لباول، بعد أن هدّدت إدارة ترامب بتوجيه لائحة اتهام جنائية ضده. وقال رؤساء البنك المركزي الأوروبي، وبنك إنكلترا، وتسعة بنوك أخرى "نقف متضامنين كلياً مع نظام الاحتياطي الفيدرالي ورئيسه جيروم باول"، وأضافوا "إنّ استقلالية البنوك المركزية تُعد ركيزة أساسية لاستقرار الأسعار والاستقرار المالي والاقتصادي، بما يخدم مصالح المواطنين الذين نعمل من أجلهم". وبحسب مراقبين فإنّ إدارة ترامب في محاولاتها لاستهداف باول ومجلس الاحتياطي الفيدرالي، تثير خوف البنوك المركزية التي تتطلع إلى صورة وحضور رئيس البنك المركزي الأقوى عالمياً، بوصفها النموذج الذي تسير عليه البنوك المركزية عالمياً في سعيها نحو الاستقلالية وخدمة الاقتصاد الوطني، لا الحكومات أو القادة. صحيح أنّ بعض البنوك المركزية في الدول النامية والاقتصادات الناشئة قد تنصاع لرغبات السياسيين، لخدمة مصالحهم الانتخابية أو الشعبوية، لكن ذلك يظل الاستثناء لا القاعدة في النظم الديمقراطية. فتأثير قرارات الاحتياطي الفيدرالي في ما يتعلق بأسعار الفائدة يتجاوز الولايات المتحدة، فالبنوك المركزية في منطقة الخليج على سبيل المثال تقتفي أثر المركزي الأميركي على الفور في معظم الأوقات عندما يحرّك أسعار الفائدة صعوداً أو هبوطاً، ومن ثم فكثير من الاقتصادات الوطنية تضع ثقتها في أنّ الاحتياطي الفيدرالي يتخذ قراراته استناداً إلى أسس اقتصادية وليس رغبات سياسية.   يتذكر كثيرون دور "المنقذ" الذي قام به بنك إنكلترا في خريف عام 2022 حين قرّرت رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك ليز تراس خفض الضرائب واقتراض عشرات المليارات لسد عجز الموازنة بهدف حفز الاقتصاد، فأدّت قراراتها إلى انهيار الجنيه الإسترليني واشتعال عائدات سندات الخزانة. وحين عمّت الفوضى أروقة السياسة، كانت الأسواق تتطلع فقط إلى البنك المركزي ومحافظه أندرو بيلي، الذي قرّر التدخل على عَجل بشراء أذون الخزانة ببرنامج قدره 65 مليار جنيه إسترليني أنقذ صناديق المعاشات من الانهيار وأعاد الثقة في الاقتصاد البريطاني. وقد دأب ترامب منذ عودته إلى السلطة في ولايته الثانية، على انتقاد باول وتوجيه إهانات شخصية له ضمن الضغوط لإجباره على خفض أسعار الفائدة، ويجادل ترامب بأنّ على الاحتياطي الفيدرالي التحرّك لتعزيز القدرة على تحمّل تكاليف الإسكان وتخفيف أعباء الاقتراض الحكومي. وهو ما يعني ضمنياً تمسّكه بأن يكون قرار أسعار الفائدة بيد شخص معين وهو حاكم الاحتياطي الفيدرالي بدلاً من أن يكون بأيدي لجنة أسعار الفائدة التي تضمّ عدة أعضاء بينهم باول. وتفاقم الصدام بين الجانبَين، الأحد الماضي، حين كشف الاحتياطي الفيدرالي عن تلقّي مذكرات استدعاء من هيئة محلفين كبرى صادرة عن وزارة العدل الأميركية، تتضمن تهديداً بتوجيه لائحة اتهام جنائية، وهو إجراء قال باول إنّه مرتبط بشهادته أمام الكونغرس في يونيو/ حزيران الماضي بشأن أعمال تجديد مقرّ الاحتياطي الفيدرالي. وفي ردّ نادر، قال إنّ هذه الخطوة "يجب النظر إليها في السياق الأوسع لتهديدات الإدارة والضغوط المستمرة". وقال باول في بيان مكتوب ومصوّر صدر مساء الأحد: "إن التهديد بتوجيه اتهامات جنائية هو نتيجة لقيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي بتحديد أسعار الفائدة بناءً على أفضل تقدير لدينا لما يخدم المصلحة العامة، بدلاً من اتباع تفضيلات الرئيس". وذكرت وكالة بلومبيرغ الأميركية، اليوم الثلاثاء، أنّ البنوك المركزية العالمية تعتبر الاحتياطي الفيدرالي والدولار الأميركي ركيزتَين للنظام المالي العالمي، ما يعني أنّ تهديدات ترامب والضغوط القانونية على باول ومجلس الاحتياطي تحمل دلالات عالمية. وقد أعرب محافظ البنك المركزي في كندا تيف ماكليم عن دعمه الكامل لما يقوم به باول وقال إنّه يقدّم أفضل مثال للخدمة العامة، مضيفاً، في بيان، اليوم الثلاثاء أنّ "الرئيس باول يقوم بعمل جيد جداً في ظروف صعبة، ويقود الاحتياطي الفيدرالي لاتخاذ قرارات السياسة النقدية على أساس الأدلة لا السياسة"، كما شدّد رؤساء بنوك مركزية آخرون، من بينهم رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، مراراً على أهمية استقلالية السياسة النقدية، ودافعوا عن باول وأشادوا به. ولا يملك الرئيس الأميركي حقّ التدخل في قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، فبحسب التفويض الممنوح له من الكونغرس يتعيّن على المجلس أن يعمل لتحقيق هدفين رئيسيَين؛ الأول تهيئة الظروف الملائمة لخلق أكبر عدد من الوظائف، والثاني استقرار الأسعار والسيطرة على التضخم. وتهدف استقلالية الاحتياطي الفيدرالي إلى ضمان أن تكون قرارات أسعار الفائدة مبنية على المعطيات الاقتصادية لا على اعتبارات سياسية قصيرة الأجل، لأنّ تسييس السياسة النقدية غالباً ما يؤدي إلى ارتفاع التضخم وعدم الاستقرار المالي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية