عربي
الشعر، الذي بقي دهوراً متربّعاً على عرش الأجناس الأدبية، لم يصنع انعطافاتٍ حادّة وقويّة خلال فترة منذ سنوات، كما لم يعد للشعر قرّاؤه، ولم تعد له تلك السطوة ولا ذاك الحضور البهيّ.
تراجع حضور الشعر لأسبابٍ عدّة، من أبرزها الغياب النقدي الجاد، إضافةً إلى إحجام دور النشر عن إصدار المجموعات الشعرية. وقد أسهم انكماش النقد الشعري الجاد وانحساره في سطوع النقد الروائي.
توقّف النقد الشعري عند تجارب شهيرة، مثل محمود درويش ونزار قباني ومحمد الماغوط، وما تلا ذلك من قاماتٍ شعرية، وكأنّ الشعر مات مع موت تلك الأسماء، حتى قال بعضهم: "أَعِدّوا تابوتاً للشعر، وارموا على نعشه التراب".
انطلقنا إلى مجموعةٍ من الشاعرات والشعراء في سورية حاملين سؤالين: هل علينا فعلاً أن نصنع تابوتاً للشعر؟ هل ستَهجر الشعر وتذهب إلى الرواية كما فعل غيرك؟
الأزمة التي تواجه الشعر اليوم مرتبطة بالنمطية وبالذهنية التقليدية التي لا تستطيع تقديمه والتعامل معه بأساليب مغايرة للسائد والممل؛ وبمعنى آخر، هي أزمة ثقافة وتسويق معاً
عبد النبي تلاوي: ركوب حصان الشعر بالمقلوب
من يظنّ أن الشعر أصبح جثّةً هامدة، فليقرأ "مديح الظل العالي" أو "جدارية" لمحمود درويش، أو أعمال نزار قباني، أو سعدي يوسف، أو أحمد يوسف داود، أو محمد عفيفي مطر… إلخ، والقائمة تطول. إنما الذي لا يستطيع أن يُبدع ما يميّزه ويرفع صوته شاعراً مبدعاً ومميّزاً، فليس غريباً أن ينعى الشعر أو يتنبّأ بموته.
منذ يفاعتي، كنت مهتمّاً بقراءة الرواية كما الشعر، بل كانت متعتي بالرواية أكبر. فقد بدأت بقراءة نجيب محفوظ عندما كنت في الصفّ الثامن الإعدادي. ولو قلت إنني رسبت في امتحان الشهادة الإعدادية لأن أخي الكبير، رحمه الله، جاء إلى البيت حاملاً رواية حنا مينة "الشراع والعاصفة" قبل يومٍ واحد من بدء الامتحان، فأمضيت ثلاثة أيام تاركاً الدراسة ومنصرفاً إلى الرواية، لعجبت…!
ثم حاولت، بعد حصولي على الثانوية، أن أصبح روائيّاً، رغم حصولي على جوائز محلية في الشعر، لكن ما إن بلغت أربعين صفحة حتى راح ينقطع تيار الإبداع الروائي وتدفّق خياله، فأنصرف عن الرواية محبطاً، وألوذ بالقصيدة. أمّا من يترك من الشعراء اليوم القصيدة ويتجه إلى الرواية، فثَمّة أسباب تدفعه إلى ذلك، في مقدّمتها عزوف دور النشر عن طباعة الشعر، واهتمامها بالرواية. كما أنّ الذين يركبون حصان الشعر بالمقلوب من مدّعي الحداثة أسهموا إلى حدٍّ كبير في عزوف الناس عن الشعر وانحسار جمهوره، ناهيك عن الذين وجدوا أنّهم لم يضيفوا بإبداعهم أيَّ تميّزٍ يُذكر، فقفزوا إلى مركب الرواية علّهم يسجّلون هدفاً يذكره جمهور الأدب وتتداوله الأجيال، مع أنّ ثَمّة شعراء أبدعوا في الشعر كما أبدعوا في الرواية.
توفيق أحمد: الشعر الهابط هو التابوت
كلُّ ما يخطر على بالك اليوم هو ديوانٌ للعرب، وكلُّ ما لا يخطر على بالك كذلك؛ بمعنى أن الزمن تغيّر وغيّر أشياء الكون، متجاوزاً ومتجاهلاً كلَّ من يزعم أو يتوهّم أنّه ممسكٌ بالماضي، على أنّ الماضي (أي ماض) قنديلُ زمننا الحاضر والمقبل.
ومن سيبقى عنيداً، معانداً، منتشياً بما هو عليه من أفكارٍ مُحنَّطة، سيسقط من دون أن يتلقّاه أيُّ قرار؛ بمعنى آخر، إنّه سيذوب، والمهمّ فقط أن تذهب معه روائحه.
أتبصّر في سؤالك لأقول إنّ من يُعِدّ تابوتاً للشعر يقوم بفعلٍ ليس من مهمّاته؛ فالشعر الهابط تابوتٌ في الأصل، يولد ميتاً. أمّا الشعر الحقيقي، الذي يحمل رؤى الذات الإنسانية، ويرتقي بها لكي تتكيّف وتتفاعل وتَمنح، فهو أبعد ما يكون عن الاندثار، بل إنّه يُشكّل منارةً يستدلّ بها من لا يرون مسالك الحاضر والمستقبل.
الشعر يتلبّسني مثل جلدي وأنفاسي، وفي وقتٍ مضى كان بإمكاني، من الناحيتين، المهنية والإبداعية، أن أتجه إلى كتابة الرواية أو الدراما أو المسرح، وأزعم أنّني أختزن في داخلي أرشيفاً يحتاج آلاف الصفحات. غير أن للإبداع عموماً رؤى مرموقة، وأبعاداً أخلاقية وحضارية وإنسانية؛ لذلك أقول للذي يتحوّل في الكتابة من جنسٍ أدبيٍّ إلى آخر إنّه لن يقول أكثر ممّا قال.
عبير سليمان: لن يُولِّي زمنُ الشعر أبداً
ربما تكمن المشكلة الجوهرية في عبارة "الشعر ديوان العرب"؛ فقد ردّدها كثيرون، وما زالوا يردّدونها بوصفها أمراً مُسلَّماً به، إلا أنها تنطوي على مغالطةٍ حقيقية. فرغم أن الشعر العربي أرفع أشكال استخدام اللغة العربية، وأجمل الأجناس الأدبية وأبلغها، فإنه ليس ديوان العرب ولا وثيقتهم التاريخية.
قد أتفق مع من يقول إن الشعر العربي هو الأرقى والأفضل في العالم من حيث الحِرْفة والصنعة وطبيعة المفردات المنتقاة في نظمه وتأليفه، ومع ذلك لا يستطيع الشعر أن يحلّ محلّ أنواع الكتابة المختلفة، إذ لكل جنسٍ أدبيٍّ دوره ووظيفته. ومن ناحيةٍ ثانية، لا يمكن أن يُولِّي زمنُ الشعر أبداً، ولا أن يُقلِّل من مكانته ازدهارُ فنّ الرواية أو القصة أو المقالة أو غيرها.
أعتقد أن الأزمة التي تواجه الشعر اليوم مرتبطة بالنمطية وبالذهنية التقليدية التي لا تستطيع تقديمه والتعامل معه بأساليب مغايرة للسائد والممل؛ وبمعنى آخر، هي أزمة ثقافة وتسويق معاً.
لا أستطيع هجر الشعر، لأنّ طبيعة شخصيتي شعرية، تُفضِّل تقطير الحقيقة والمشاهد والأحاسيس في زجاجة عطر. فالشعر تكثيفٌ وتركيز، بينما الرواية تفكيكٌ وملاحقة للتفاصيل واستغراق في السرد.
قد أفكّر في كتابة الرواية إذا شعرتُ بأن هناك ما ينبغي كتابته بأسلوبٍ روائيّ، لكن إن فعلتُ ذلك فستكون التجربة فسحةً للخروج من الشعر، بغاية العودة إليه بشوقٍ أكبر. هذا افتراضٌ الآن، ولا أدري إن كنتُ سأغيّر قناعتي مستقبلاً.
إبراهيم ياسين عباس: دعوة باطلة
لا أعتقد، في أي حالٍ، أن زمن الشعر انتهى، والدعوة إلى إعداد تابوتٍ له باطلة. وكلُّ من يطالب بها يضع نفسه في تابوتٍ مُغلق، بعيداً عن الحياة وعن الشعر.
قد يتراجع دور الشعر في فترةٍ ما، لسببٍ أو لآخر، لكنه لا يموت أبداً. نعم، لم يعد الشعر ديواناً للعرب كما كان في السابق، بفعل تغيّر الحياة وتبدّلاتها، لكن هذا لا يعني أن دور الشعر انتهى، لا في الحياة ولا في المجتمع. وقد برهن الشعر، عبر العصور، على دوره الفاعل في حياة الأمم والشعوب، ولا أظن أن فنّاً أدبيّاً قادراً على أن يلامس وجدان القارئ ويقود روحه كما يفعل الشعر. وأعتقد أن الحياة، لولا الشعر، كما يقول جان كوكتو، لكانت أقلَّ جدارةً بأن تُعاش فعلاً.
كل الشعراء الذين هجروا الشعر واتجهوا إلى كتابة الرواية لم يكونوا شعراء مبدعين حقّاً. صحيحٌ أن الرواية باتت تُشكِّل ديوان العصر، وتحظى باهتمامٍ كبير لدى القارئ، لكن هذا لا يعني أن الشعر في حالة موتٍ سريريّ. كما أن ظهور أسماء روائية كبيرة ومبدعة في فن الرواية، سواء في الوطن العربي أو في العالم، لم يقف حائلاً دون ظهور أسماء شعرية كبيرة ومبدعة أيضاً.
وعلى الرغم من شغفي الكبير وحبّي قراءة الرواية، لم أفكّر يوماً في كتابتها أو في العزوف عن الشعر، لأن الشعر، كما يقول نزار قباني، كالمرأة التي لا تقبل بوجود "ضرّة" لها.
بالمطلق، الشعر لا يموت؛ فهو أحد أهمّ تجلّيات إنسانية البشرية. أمّا مقولة "الشعر ديوان العرب"، فلم تعد هذه العبارة جامعةً للعرب، بسبب حجم الزلازل التي أصابت المنطقة
فاطما خضر: الشعر العربي تراثٌ عربي
كم من الوحشيّة تسكن أولئك الذين يطالبون بهذا الطلب غير المنطقي، فالشعر ليس جثّةً ليحتاج تابوتاً. ... وبفرض أنّنا وصلنا إلى زمنٍ انقرضت فيه كتابة الشعر، فإن الشعر العربي، المكتوب منذ العصر الجاهلي وحتى زمن قصيدة النثر، يبقى تراثاً عربيّاً أصيلاً.
تلاشي الشعر أو اندثاره أو انقراضه (المُفترَض) يرتبط حتماً بتلاشي جزءٍ هامٍّ من الهوية الثقافية عموماً، والعربية خصوصاً أو اندثاره أو انقراضه.
لكن، بالطبع، لم يعد الشعر الوسيلة الوحيدة للتعبير، مع ظهور أجناسٍ أدبيةٍ أخرى فرضها تطوّر أشكال الحياة عموماً.
لطالما ساعدني الشعر على تخطّي عالمٍ همجيٍّ بلغ أقصى درجات القتل والدمار والحروب. وفي مجموعتي الشعرية الأولى "يبدأ الحزنُ رحيماً"، خصّصتُ الشعر بإهدائي: "إلى سموّ الشعر… إلى معاليه، وهو يُمسك بيدي برفقٍ ليساعدني على النجاة".
لهذا، لا بدّ أن أبقى متمسّكةً بالشعر، وفاءً له، حتى ولو انتقلتُ يوماً ما إلى كتابة جنسٍ أدبيٍّ آخر، لكن حاليّاً لا نيّة لي في ذلك.
أحلام بناوي: أصبح الشعر بضاعةً كاسدة
ليست المسألة في أن زمن الشعر قد ولّى، بل المشكلة أعمق من ذلك وأبعد؛ إذ وُضع الشعر في غير أهله، فتغيّر، وتغيّر معه موقف القارئ. فعندما كان الشعر ديواناً للعرب، كان هناك شاعرٌ جيّد، وقارئٌ جيّد، ومتذوّقٌ جيّد؛ لأن اللغة كانت سليمة، وهذا معروف لدى العرب، كما كان الذوق العام سليماً أيضاً. لذلك كان الشاعر مضطرّاً للعمل على موهبته، وصقلها، والعناية بلغته السليمة أصلاً. أمّا اليوم، ومع كلّ هذه المحاولات المقصودة وغير المقصودة لتشويه اللغة والذوق العام معاً، ومع تدخّل وسائل التواصل الاجتماعي وما أفرزته من الغثّ والثمين، ومع كون رثّها أكثر من ثمينها، فقد أصبح الشعر بضاعةً كاسدة، كثر صانعوها (على غير دراية بها) وقلّ الراغبون فيها. وقد أدّى ذلك كلّه إلى تدهورٍ كبير طاول الغالبية العظمى ممّا يُسمّى اليوم شعراً، والشِّعر منه براء. كما أدّى هذا الوضع إلى عزوف القارئ الحقيقي عن القراءة، والشاعر الحقيقي عن الكتابة، إلى حدٍّ كبير، وأحدث فجوة بين الشعر وكونه ديواناً حقيقيّاً للعرب، فضلاً عن فقدان المنابر هيبتها ورهبتها.
أنا أكتب الرواية، لكنني لا أعتقد أنّني سأهجر الشعر وألوذ بها، فالرواية لا يمكن أن تحلّ محلّ الشعر، والعكس صحيح. قد تتراجع الرغبة في كتابة الشعر في ظلّ هذه التحدّيات، إلّا أنّه لا يتوقّف. فالشعر يفرض نفسه بوصفه حاجةً إنسانية لا تستطيع الرواية وحدها تغطيتها، إضافةً إلى أنّني أميل إلى الاختصار والتكثيف في قصائدي، وهو ما لا تمنحنيه الرواية. لقد قامت منذ القدم هذه الجدليّة المستمرّة بين الرواية والشعر، ولم يُلغِ أحدهما الآخر؛ فلكلّ مقامٍ مقال، ولكلٍّ منهما دورٌ يؤدّيه. وبناءً على ذلك، لا تعني كتابة أحد النوعين اضمحلال الآخر أو إلغاءه، بل هناك تناسبٌ طرديٌّ بينهما: كلّما ارتقت الرواية ارتقى الشعر، والعكس صحيح، لأنّهما يساهمان معاً في رفع الذوق العام وصقله.
رماح بوبو: الشعر لا يموت
بالمطلق، الشعر لا يموت؛ فهو أحد أهمّ تجلّيات إنسانية البشرية. أمّا مقولة "الشعر ديوان العرب"، فلم تعد هذه العبارة جامعةً للعرب، بسبب حجم الزلازل التي أصابت المنطقة؛ فبينما نجد دولاً عربية في حالة استقرار نسبيّ أحياناً، أو في حالة نهوضٍ حثيث وإن كان بطيئاً، نجد دولاً أخرى تتمزّق وتنحدر نحو الخلف هرولةً، فنلمح انتكاسة الشعر فيها جليّة. وعليه، لم أعد أستطيع القول إنّ الشعر ديوان العرب، لكن ذلك لا يعني موت الشعر العربي تماماً؛ فالتربة العربية ما زالت تفاجئنا ببذورٍ شعرية هنا وهناك، تصدح بقدرتها على اجتراح مجاز مختلف ولافت، متجدّد ومواكب، وعلى مثل هذه البذور أراهن لإحداث عدوى تنهض بالشعر العربي، ولو بعد حين.
بالنسبة لي، نعم فكّرت، بل حاولت، كتابة الرواية أكثر من مرّة، لكن سعتها أرهقتني بعد اعتيادي على تكثيف الشعر واعتماده على التلميح والمواربة. وأعتقد أنّ كتابة الرواية أصعب على الشاعر ممّا هي كتابة القصيدة على الروائي، ولا أقول إنّ ذلك غير ممكن بالتأكيد، والدليل أنّني لم أيأس وما زلت أتابع محاولاتي.
حسن بعيتي: لن أذهب إلى الرواية
مطلقاً، لا أرى أنّ زمن الشعر قد ولّى، كما يزعم بعضهم، ولا كما يظنّ بعضٌ آخر. كلّ ما في الأمر أنّ طبيعة الزمن اختلفت، وكذلك اختلفت وظيفة الشعر.
ربّما لم يعد من الدقّة أن نطلق عليه اليوم "ديوان العرب"، لأنّ العرب لم يعودوا كما كانوا بهذا المعنى، ولأنّ النظرة الجمالية والفنية للشعر تغيّرت، فتحوّل من مجرّد تسجيل للأحداث إلى رؤية فنية تعبّر عن رحلة الإنسان بكلّ ما فيها من غموضٍ ومجاهيل، وبأسلوبٍ فنيٍّ غير مباشر.
اختلف حضور الشعر من وجهة نظري، لكن دوره لم يذهب قط. نعم، كتبتُ رواية واحدة بعنوان "وجوه مؤقّتة"، وفازت بجائزة كتارا عام 2018، لكنني بالتأكيد لن أذهب أو أغادر إلى الرواية، فأنا شاعر وبقيت شاعراً. وستصدر مجموعتي الشعرية الجديدة بعد أيام عن أكاديمية الشعر في أبو ظبي. وكما قلت، لم أهجر الشعر ولم أغادره. وأودّ هنا القول إنّ من يعتقد أنّ الرواية أخذت مكان الشعر، فإنّ رأيه ليس دقيقاً، لا سيّما أنّ الرواية فنّ حديث نسبيّاً لدى العرب، أمّا الشعر فأقدم بكثير، وكان صاحب الحضور الطاغي لأكثر من ألف عام، من دون أن تكون الرواية موجودة.
صحيح أنّ الرواية في القرنين الماضيين ظهرت بقوّة وأخذت مساحةً لافتة من الاهتمام، وبدا وكأنّها تسحب البساط من تحت الشعر، إلّا أنّني لا أعتقد ذلك. فنجيب محفوظ، على عظمته الروائية، لم يسحب البساط من تحت أحمد شوقي، وقد عاشا في زمنٍ متزامن، وكذلك لم يسحب حنّا مينه البساط من تحت نزار قباني أو أدونيس؛ إذ يبقى لكلٍّ منهم دوره ومكانه.
