عربي
تُخاض الحروب باسم الشعوب. تُخاض للدفاع عن الكرامة، عن التاريخ، عن الأرض، ودفاعاً عن اسم الله ورايته، مهما كان من حمل تلك الراية، ورفع ذاك الشعار. تلزم الحروب كل تلك الصفات، والشعائر، والأعلام. تلزمها اللغة، إذ لم يَصِرْ مرة أن خيضت حرب من أجل الجشع، ولا اقترافًا للنذالة، ولا لشهوة القتل والسبي والنهب. يخجل البشر من صورتهم في اللغة ذاتها. يبحثون عن الفخر والاعتداد في مرويات من مضوا. يبحثون عن حكاية لأسطرة كل تلك الخسّة، التي ما فتئوا يكرّرونها كلما جاعوا، أو عطشوا، أو اشتهوا مال قريبهم، امرأته ودابته. يريدون ما يلوّن أثواب نسائهم بغير الأسود عند الفجيعة، والأحمر عند سفح الدماء في أنهار الخطيئة. يريد البشر حجّة عليا كي يمارسوا التوحش بضمير مُخدَّر بنيات رفيعة، نبيلة المحتد، راقية النسب. ينشبون خبرات العنف في جسد البلد، في مدنه، في أجساد قاطنيه. يصطرعون.
فعلها الجميع. يفعلها السوريون منذ سنوات ولم يملّوا. ربما تعبوا وأنهكوا ودفنوا كثيرًا من الموتى والشهداء، لكنهم لم يملّوا. وإلا، لمَ في كل يوم، من كل يوم، يروّحون الحرب؟ يحملون أسلحتهم ويروحون إلى الشارع المقابل، إلى بيت الجار. يُشهِرون غضبهم ونزقهم وضجرهم. يلعبون لعبة الحرب علّهم يجزون الوقت، في قتل بعضهم، قبل أن يقتلهم الملل. باسم الكرامة، باسم الحق، باسم الثأر الخالص، يبحث السوريون كل يوم عن اسم لحربهم، عن سبب لها. حصل في حمص، في الساحل، في السويداء، والآن في حلب. يروح الكل إلى حلب. ويا رايحين ع حلب.
في شمال حلب، تدور معركةٌ ليست كبرى، ولا تُخاض لتُعلن نتائج فاصلة. تحدث من باب التكرار المفرط لعادة يومية، كما لو أنها تدريب لياقة، طقس من طقوس الحرب الطويلة. منذ أشهر، اشتباكات للقوى الكردية ووحدات من القوات السورية. تتقدّم حينًا وتتراجع أحيانًا بلا أفق، وبلا هدف، أو حتى شعار ملائم، سوى تلك اللغة التي لا تتعب من تبرير نفسها بمقولة البادئ أظلم، بحيث تجد دائمًا ما تقوله كي لا تصمت.
ما يجري في حلب يلبس لبوس الصراع العسكري بإتقان، لكنه لا ينطلي علينا. إنه مجرد استئناف للمنطق ذاته الذي حكم الحرب السورية منذ بداياتها: الحاجة الدائمة إلى سبب، إلى خرقة قماشية مهلهلة تُسجّى على جسد المدن، كي لا يبدو العنف عاريًا في وضح النهار. الأكراد، كالكل، يريدون الدفاع عن أنفسهم، وعن جغرافيا هشة، وعن ذاكرة طويلة من الإقصاء. الدولة، كما كل الدول، تستخرج لغتها الميتة من أرشيفها الثقيل: السيادة، وحدة الأرض، منع التفكك. وما بينهم، فراغ هائل، وصمت لا يتيح غير الأصوات.
ليست المناوشات ابنة الحقد وحده. إنها ابنة فراغ سياسي عمره من عمر الأزل. ابنة تسويات مؤجلة. ابنة حرب لم تُغلق أقواسها يومًا، بل اكتفت بتبديل أسمائها وأقنعتها. لذلك تبدو الاشتباكات تمرينًا على حرب قادمة، أو أثرًا متأخرًا لحرب لم يُتفق بعد على دفنها. لا أحد ينتصر. لا أحد يُهزم تمامًا. الجميع يختبر سلاحه، لغته، أعصابه، وحدود احتماله.
في شمال حلب، كما في حمص والساحل والسويداء من قبل، يُقتل الناس لأسباب معرفية. لا لأنهم لا يعرفون بعضهم، بل لأنهم يعرفون بعضهم أكثر مما يحتملون. هكذا تستمر اللعبة. تشبه حرب تحرير. تشبه حرب كرامة. تلبس لبوس الفائدة الجماعية. فهي حرب التسمية قبل أن تكون حرب الأسباب. وكلما عُثر على اسم جديد، وجدت الرصاصة طريقها. تأجّل الملل قليلًا، إلى يوم آخر، في مدينة أخرى.
