حديث عن تعاون سوري إسرائيلي... الاقتصاد لا يحلّ ما تعجز عنه السياسة
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
انتهت الجولة الخامسة من المحادثات بين الجانبين السوري والإسرائيلي أخيراً في باريس برعاية أميركية بإحراز تقدّم محدود، تمثّل في بلورة تفاهماتٍ أمنيةٍ أولية، ترافق معها طرح أميركي أكثر وضوحاً لفكرة التعاون الاقتصادي عبر الحدود، ما يعكس عزم واشنطن إعادة تسويق مقاربة "السلام الاقتصادي" باعتبارها المدخل الأنسب لخفض التوتر، في ظل تعثّر التوصل إلى تفاهماتٍ أمنيةٍ وسياسيةٍ شاملة. وفق المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، توم برّاك، شهدت محادثات باريس اختراقاً، معتبراً أن القيادة السورية الجديدة لا تحمل نياتٍ عدوانيةً تجاه إسرائيل، وتسعى إلى علاقة "قائمة على الاحترام والتعايش". وفي المقابل، تحدث عن استعداد إسرائيلي للتعامل مع الواقع السوري المستجد، انطلاقاً من قناعة بأن النظام السابق، الذي كان يُنظر إليه باعتباره عدائياً، قد استُبدل بسلطةٍ أكثر انفتاحاً على التعاون. هذا التوجه تُرجم في البيان المشترك الصادر عن الجانبين، السوري والإسرائيلي والراعي الأميركي، والذي نصّ على إنشاء آلية اتصال دائمة للتنسيق في القضايا الأمنية والاستخبارية والتجارية. وبحسب وزارة الخارجية الأميركية، ستعمل هذه الآلية على تسهيل تبادل المعلومات، وخفض التصعيد العسكري، وفتح قنوات تواصل دبلوماسي، إضافة إلى بحث فرص التعاون الاقتصادي، تحت إشراف مباشر من واشنطن. وتفيد المصادر المفتوحة بأن الرئيس ترامب ضغط على نتنياهو خلال لقائهما في واشنطن أواخر ديسمبر/ كانون الأول الماضي للتوصل إلى اتفاق أمني مع دمشق، ولو عبر تصور أولي يمكن البناء عليه لاحقاً عبر مقاربات اقتصادية، في حال توفرت الشروط السياسية والأمنية. ورغم هذه الأجواء الإيجابية المفترضة، واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي ممارساتها الاستفزازية داخل الأراضي السورية، فعمدت أواخر الأسبوع الماضي إلى رفع العالم الإسرائيلي على قمّة تل أحمر شرقي بريف القنيطرة الجنوبي. كما اعتقلت أربعة مدنيين من جباتا الخشب على حاجز لها عند مفرق عين البيضة بريف القنيطرة الشمالي. تستكمل هذه الطروحات الأميركية غير التقليدية بطرح مشاريع مدنية في مجالات الطاقة والزراعة والصحة، بحيث يجري تحويل المنطقة العازلة بين الطرفين إلى منطقة اقتصادية مشتركة حلحلة الملفات السياسية أولاً وبطبيعة الحال، لا يمكن التطرّق إلى أي تعاونٍ اقتصاديٍّ عبر الحدود من دون التوصل إلى تفاهمات ولو بالخطوط العريضة حول القضايا السياسية والأمنية الساخنة، وفي مقدمتها الانسحاب إسرائيل من كل الأرض التي احتلتها بعد سقوط النظام السابق، بما فيها قمة جبل الشيخ، ووقف أي دعم إسرائيلي للمشاريع الانفصالية في السويداء وشرق سورية أو التواصل مع فلول النظام السابق. كما يرفض الجانب السوري مطالب إسرائيل المبالغ فيها للمنطقة منزوعة السلاح، والتي تريدها أن تصل إلى حدود العاصمة دمشق، متمسّكاً بإعادة تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، مع بحث تعديلات عملية تأخذ في الاعتبار التحولات الميدانية التي شهدتها سورية منذ عام 2011. ووفق مصادر إسرائيلية وأميركية، أعطى حضور المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، في اليوم الثاني من المفاوضات إلى جانب توم برّاك، أعطى المفاوضات زخماً ونقلها من إطار مفاهيمي إلى سيناريوهاتٍ تنفيذية، تتصل بتدرج الخطوات، وضمانات الالتزام، وآليات المتابعة مع تأكيد أن ترامب يريد إطاراً تنفيذياً وليس عملية تفاوض مفتوحة. ووفق تسريبات لمسؤولين أميركيين، ستتولى خلية الاتصال المقترحة، ومقرها الأردن، أيضاً الإشراف على الوضع الأمني في جنوبي سورية، واستضافة محادثات حول نزع السلاح في الجنوب السوري، وهو تعبير يشمل على الأغلب الفصائل والمجموعات المختلفة، إضافة إلى الحكومة السورية نفسها، في ما يخص السلاح الثقيل.  تعاون اقتصادي وتستكمل هذه الطروحات الأميركية غير التقليدية بطرح مشاريع مدنيةٍ في مجالات الطاقة والزراعة والصحة، بحيث يجري تحويل المنطقة العازلة بين الطرفين إلى منطقةٍ اقتصادية مشتركة، تضم مشاريع للطاقة المتجدّدة، ولا سيما مزارع الرياح، إلى جانب نشاطات زراعية وسياحية بكلفة تصل إلى أربعة مليارات دولار يجري تمويلها من "شركاء إقليميين". ووفق تقارير إسرائيلية وأميركية فان ذلك يشمل بيع الغاز الإسرائيلي إلى سورية، وتزامن ذلك مع إعلان عن توقيع اتفاق بين سورية ومصر للتعاون في مجال الطاقة وبيع الغاز المصري إلى سورية، ومن المعتقد أن مصدر الغاز إسرائيل التي تبيعه مادة خام لمصر، وتبيعه الأخيرة لطرفٍ ثالثٍ بعد تحويله إلى غاز مسال. من حيث المبدأ، تبدو هذه الأرقام جذابة بالنسبة لسورية، التي تعاني تدهوراً اقتصادياً واسع النطاق. ووفق تقديرات أممية، تجاوزت الخسائر التراكمية للاقتصاد السوري خلال سنوات الحرب 400 مليار دولار، فيما انخفض الناتج المحلي الإجمالي من نحو 60 مليار دولار عام 2010 إلى أقل من 20 مليار دولار في السنوات الأخيرة. كما تراجع إنتاج الكهرباء من أكثر من 50 مليار كيلوواط/ ساعة سنوياً قبل الحرب إلى ما دون 20 ملياراً، في حين تقلصت المساحات المزروعة بنحو 40%، وتدهورت البنية التحتية الزراعية والصناعية بشكل كبير. تجارب سابقة غير أن المقارنة الإقليمية تكشف حدود الرهان الأميركي. فحتى في الحالات التي وُقّعت فيها اتفاقات سلام رسمية، لم يتحول التعاون الاقتصادي إلى رافعة تنموية حقيقية. فبعد أكثر من أربعة عقود على اتفاقية كامب ديفيد، لا يتجاوز حجم التبادل التجاري السنوي بين مصر وإسرائيل، وفق معظم التقديرات، 300 إلى 400 مليون دولار، أي أقل من 0.1% من حجم الاقتصاد المصري. أما في الحالة الأردنية، فرغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على توقيع معاهدة وادي عربة، لم يتجاوز حجم التبادل التجاري السنوي في أحسن حالاته مليار دولار، وظل محصوراً إلى حد كبير في المناطق الصناعية المؤهلة (QIZ)، التي ترتبط أساساً بسلاسل التوريد الموجهة إلى السوق الأميركية، من دون أن تنعكس إيجاباً على بنية الاقتصاد الوطني أو تحظى بقبول شعبي. تعزّز هذه الأرقام الشكوك حول قدرة "السلام الاقتصادي" على إحداث تحول نوعي في العلاقات، خصوصاً في غياب تسوية سياسية عادلة، فالتجارب السابقة أظهرت أن التعاون الاقتصادي، حين يُطرح بديلاً عن الحلول السياسية، يتحول إلى مسار نخبوي محدود التأثير، سريع التأثر بالأزمات الأمنية والسياسية، ويعجز عن خلق مصالح عميقة ومستدامة بين المجتمعات. مشاريع دمج إسرائيل في محيطها الإقليمي أداة لتحقيق السلام ليست جديدة، منها أخيراً إنشاء خط سكك حديدية يربط بين السعودية وأوروبا عبر فلسطين المحتلة، ومشروع قناة البحرين بمشاركة إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية المقرر أن تربط البحر الأحمر مع البحر الميت قيود سياسية وأمنية وشعبية في الحالة السورية، تبدو هذه الإشكالية أكثر حدّة. فالموقف السوري الرسمي، كما نقلته وكالة رويترز عن مسؤول حكومي، يربط أي تقدّم في "الملفات الاستراتيجية" بوجود جدول زمني واضح وملزم لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي سيطرت عليها بعد ديسمبر/ كانون الأول 2024. كما يؤكد الجانب السوري أن تعليق العمليات العسكرية لا يكفي، ما لم يترافق مع تغيير جذري في السياسة الإسرائيلية واحترام السيادة السورية. في المقابل، تضع إسرائيل خطوطاً حمراء صارمة، تشمل رفض أي نقاش حول الجولان المحتل عام 1967 أو قمم جبل الشيخ التي سيطرت عليها عام 2024، مع استعداد مشروط للانسحاب من مناطق أخرى مقابل ترتيبات أمنية مشدّدة تشمل نزع السلاح ومنع أي نشاط تعتبره معادياً. وفي هذا السياق، تحاول واشنطن الدفع نحو حلول تقنية وسطية، مثل نشر قوات دولية أو تعزيز دور الأمم المتحدة، لتجاوز عقدة الانسحاب الكامل في المدى المنظور. ضمن هذا المشهد، يبدو التعاون الاقتصادي أقرب إلى أداةٍ سياسيةٍ لتليين المواقف وإدارة المواجهة، أكثر منه مساراً تنموياً متكاملاً. ويرى محلّلون أن الإدارة الأميركية تراهن على خلق "وقائع اقتصادية صغيرة" في المناطق الحدودية، يمكن البناء عليها تدريجياً، على أمل أن تفضي لاحقاً إلى تفاهمات أوسع. غير أن هذا الرهان يظل محفوفاً بالمخاطر، في ظل هشاشة الوضع الأمني، وغياب الثقة المتبادلة، واستمرار الخلافات الجوهرية حول الاحتلال والسيادة. أي تعاون اقتصادي سوري - إسرائيلي سيواجه، على الأرجح، معضلة الرفض الشعبي، فالتجارب المصرية والأردنية أظهرت أن السلام الذي لا يبنى على العدالة والقبول الشعبي وينعكس تحسّناً ملموساً في حياة المواطنين يبقى محصوراً في إطار رسمي. مشاريع قديمة والواقع أن مشاريع دمج إسرائيل في محيطها الإقليمي أداة لتحقيق السلام ليست جديدة، منها أخيراً إنشاء خط سكك حديدية يربط بين السعودية وأوروبا عبر فلسطين المحتلة، ومشروع قناة البحرين بمشاركة إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية المقرر أن تربط البحر الأحمر مع البحر الميت. ولم تكن مثل هذه المشروعات الضخمة وليدة اللحظة، إذ كان مخطّط لها منذ سنوات عدة، والهدف منها إيجاد واقع جديد في المنطقة العربية وترويج السلام الاقتصادي، وفق طروحاتٍ كان قد افتتحها أصلا وزير الخارجية الإسرائيلي، شمعون بيريز، في تسعينات القرن الماضي، والذي بشّر بولادة شرق أوسط جديد تسوده الرفاهية والازدهار، وذلك في كتابه أصدره عام 1993 بعيد انطلاق مؤتمر مدريد بعنوان "الشرق الأوسط الجديد". وأكثر ما يتجلى فشل مفهوم "السلام الاقتصادي" كان على المسار الفلسطيني، حيث سعت إسرائيل إلى ترويج هذا المفهوم بديلاً عن الانسحاب إلى حدود 4 جزيران (1967) وحق العودة للاجئين وإزالة المستوطنات، بحيث تحتفظ بالسيطرة على الأراضي الفلسطينية وتواصل استيطانها مقابل تسهيلات اقتصادية للفلسطينيين. وبعد توقيع منظّمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية اتفاق أوسلو في سبتمبر/ أيلول 1993، والاتفاقات اللاحقة برعاية أميركية، ساد اعتقاد بإمكانية أن ينقل ذلك الاقتصاد الفلسطيني تحت الاحتلال إلى طور جديد ينهي تحكم الاحتلال بهذا الاقتصاد، لكن الوقائع اللاحقة جاءت بنتائج معاكسة نتيجة فشل عملية التسوية في إنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وعدم التزام إسرائيل بالاتفاقيات الموقعة مع انحياز الولايات المتحدة المعهود إلى إسرائيل، بالتزامن زيادة معدلات مصادرة الأراضي، والاستيطان، والحصار والإغلاق، وتقييد حركة الأشخاص والسلع داخل المناطق الفلسطينية ومع العالم الخارجي، وعرقلة النمو الاقتصادي. وبعد 7 أكتوبر2023 (عملية طوفان الأقصى) ظهر الاقتصاد أداةً من أدوات الاحتلال للتحكّم في حياة المجتمع الفلسطيني في قطاع غزّة والضفة الغربية على السواء، بهدف إخضاعه وتهجيره من خلال إغلاق المعابر وسياسة إصدار تصاريح العمل والعبور والتنقل والسفر والتحكم بعائدات الضرائب عبر تجميدها المتكرر، وقطع إمدادات الوقود والكهرباء والغذاء، وصولاً إلى التجويع المتعمّد في قطاع غزّة، ما جعل الاقتصاد وسيلةٍ لخنق المجتمع وإخضاعه للاحتلال. يعكس الطرح الأميركي في مفاوضات باريس أخيراً محاولة لإدارة الصراع بأدوات اقتصادية في ظل انسداد الأفق السياسي. وقد ينجح هذا الطرح في خفض مستوى التوتر مؤقتاً، وفتح قنوات تواصل محدودة بين دمشق وتل أبيب، لكنه يظل عاجزاً عن تجاوز حقيقة أن الاقتصاد لا يمكنه أن يحل محل السياسة الاتفاقات الإبراهيمية... اختراق ترامب ومقابل هذا المسار الحذر بين إسرائيل والدول العربية التي وقعت اتفاقيات سلامٍ مع إسرائيل، جاءت القفزات من دول أخرى ليس لديها مشكلة أراض محتلة مع إسرائيل، ولا ترتبط معها بحدود مشتركة. ونجح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال ولايته الأولى في دفع عدة دول عربية من خارج "دول الطوق" إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل ضمن ما عُرفت بـ"الاتفاقيات الإبراهيمية" فنظم في سبتمبر/ أيلول 2020 احتفالاً في البيت الأبيض للتوقيع على تلك الاتفاقيات التي تتضمن إقامة علاقات بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين، أعقبها بعد شهر اتفاقية مع السودان ثم اتفاقية أخرى مع المغرب، وكان من المقرر انضمام دول أخرى. وبحسب بيانات التجارة الدولية لعام 2023، صدّرت الإمارات إلى إسرائيل بنحو 977 مليون دولار، معظمها من الألماس واستوردت منها بحدود 654 مليون دولار. أما مصر، فقد صدّرت ما قيمته 338 مليون دولار، واستوردت من إسرائيل بنحو 2.25 مليار دولار، معظمها تخص استيراد الغاز الإسرائيلي. وسجّلت الإمارات حجم تبادل تجاري مع إسرائيل بلغ 6.4 مليار دولار بين 2021 و2024، بينما بلغ حجم التبادل بين المغرب وإسرائيل نحو 576 مليون دولار، ولم يتجاوز 50 مليون دولار مع البحرين، بحسب قاعدة بيانات الأمم المتحدة. في الخلاصة، يعكس الطرح الأميركي في مفاوضات باريس أخيراً محاولة لإدارة الصراع بأدوات اقتصادية في ظل انسداد الأفق السياسي. وقد ينجح هذا الطرح في خفض مستوى التوتر مؤقتاً، وفتح قنوات تواصل محدودة بين دمشق وتل أبيب، لكنه يظل عاجزاً عن تجاوز حقيقة أن الاقتصاد لا يمكنه أن يحل محل السياسة، وأن أي تعاون اقتصادي، مهما بلغت أرقامه أو تنوعت مشاريعه، سيبقى هشاً ومحدود الأثر ما لم يستند إلى تسوية سياسية عادلة تعالج جذور الصراع، وفي مقدمتها مسألة الأراضي المحتلة والسيادة والأمن. كما أن إسرائيل، في كل أدبياتها وممارساتها على الأرض، تركّز على نقطة أن تكون هي في مركز القيادة في المنطقة باعتبارها "العقل القائد"، كما قال مرة شيمون بيريز، بينما يقتصر دور الأطراف العربية على الاستهلاك وتغذية المركز الإسرائيلي بالمال والعمالة الرخيصة، وعين إسرائيل تتّجه طبعاً، بالدرجة الأولى، إلى دول الخليج العربي بوصفها المموّل الرئيس لكل هذه المشاريع، وهو ما تعتقده أيضاً وتدفع إليه إدارة ترامب.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية