عن "اللاشيء تغيّر" الذي لا يراه كثيرون
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
تشكل عبارة "لم يتغير شيء" في سورية شكلاً من أشكال رفض السلطة من بعض معارضيها ورافضيها، الذين لا يكفون عن اصطياد زلاتها، ووضعها تحت مجهر نقدي دقيق جداً، في محاولة منهم لإثبات وجهة نظرهم في أن الإيجابية الوحيدة التي تحققت، وربما لا يراها بعضهم إيجابية أيضاً، هي في أن نظام الأسد قد أزيح، ولكن، كل ما عدا ذلك، لا شيء إيجابياً في المشهد السوري برمته، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، ومع أن مناخ الحرية الذي يشيد به كثيرون عزّز الحس النقدي تجاه الأخطاء، فصارت تناقش علانية، سواء عبر وسائل الإعلام العاملة في سورية، وهي قليلة نسبياً، أم عبر الفضاء الافتراضي، من خلال جدالات مستمرّة، لا تكاد تتوقف يوماً، ومع كل شاردة وواردة، بدءاً من تصريح عابر لمسؤول من الدرجة الثالثة في الإدارة الجديدة، مروراً بشكل العملة ودلالاتها ورموزها، وصولاً إلى الملفات الأكثر تعقيداً، كملف المفاوضات السورية الإسرائيلية، أو المفاوضات ما بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية، وهلم جراً، ولا يكاد يخلو يوم من قصة جديدة. إلا أن خبراً صادراً عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يفيد بأن أكثر من ثلاثة ملايين سوري عادوا إلى مناطقهم ومدنهم خلال العام المنصرم، منهم مليون ومائة ألف مهجّر خارجي، وقرابة مليوني نازح داخلي، وتتوقّع المفوضية عودة أكثر من مليون إضافيين خلال العام الحالي. وليست هذه الأرقام حبراً على ورق، بل بشر من لحم ودم، يحمل كل منهم في جعبته حكايات وخيبات، وأوجاعاً، يستطيع أن يفرد لها ساعات من الأحاديث. مثل هذا الخبر لم يأخذ حيزاً كبيراً من الجدل السوري، بل مر مرور الكرام، ولكني توقفت عنده مطولاً، ربما لأنه يعنيني بشكل مباشر، فقد تعرضت عائلتي للتهجير القسري عن مدينة البوكمال، شرق البلاد، منذ العام 2014، شأن مئات العائلات الأخرى التي أجبرت على ترك المدينة والنزوح عنها، سواء على يد قوات النظام البائد أم على أيدي الميلشيات التي تعاقبت على احتلال المدينة، بدءاً بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وصولاً إلى المليشيات الإيرانية، التي سيطرت على البوكمال قرابة سبع سنوات، وقد رصدتُ في مقالة كتبتها عام 2018 أن قرابة 80% من أهالي البوكمال نزحوا عنها، وزالت عائلات كاملة من سجلات نفوس المدينة، التي كانت قد تعرضت للإحراق، على أي حال، ولم يعد لها وجود فيها، عائلتي إحداها، وتحوّلت المدينة المهدمة في جزء كبير منها إلى مدينة أشباح، طوال سنوات، وكان دخولها محظوراً على أهلها، إن لم يكن لديهم ضامن، تماماً كما يحدث حالياً في بعض المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إلا أن ذلك كله تبعثر مع سقوط النظام، وعاد خلال تسعة أشهر آلاف المهجّرين من أبناء المدينة، رغم أنها تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، بعد سنوات التخريب والإهمال، لكن، ورغم الخراب كله، قررت العائلات العودة، لعلها تكون قادرة على المساعدة في إعادة الحياة إلى المدينة، وهذا ما يحدث، وإن بوتيرة بطيئة، لأن المنطقة الشرقية عموماً لا تجد لها مكاناً مناسباً في سلم اهتمامات الحكومة، ربما بانتظار أن تفضي المفاوضات المتعثرة مع "قسد" إلى نتائج إيجابية، تقود إلى تنفيذ اتفاق العاشر من مارس/ آذار. عنونت مجلة "Nouvel Ops" الفرنسية الشهيرة تحقيقاً رصد السنة الأولى من عمر سورية ما بعد سقوط النظام البائد، "سورية… السنة صفر" طبعاً، تشكل عودة هذه الملايين تحدياً إضافياً يوضع على كاهل الحكومة، التي تتولى إدارة بلد تكاد بنيته التحتية أن تكون معدومة، فالحكومة وعلى الرغم من رفع العقوبات عنها، ما زالت غير قادرة على ترتيب أولوياتها هي الأخرى، ومن أين تبدأ، وهو أمر يبدو أنه مؤجل، فما بين الوضع المعاشي الرديء وما بين إعادة الإعمار، التي لن تنطلق حتى تستقر الأوضاع السياسية والعسكرية، التي حتى وإن حاولنا التظاهر بأنها في طريقها إلى الحل، إلا أنها تنذر بالانفجار، إن لم تُعالج بعناية ودقة، سواء جنوباً حيث السويداء التي تبدو وكأنها باتت خارج الجغرافيا السورية، أو غرباً، مع بروز ما يمكن أن نصفه بحركة تمرّد، ما زالت ضمن التصور المقبول، لكن أي خطأ قد يقود إلى ما لا تُحمد عقباه، وطبعاً، في مناطق الجزيرة السورية ما زال الوضع معلقاً، فقسد التي أبدت تجاوباً، إلى حد ما خلال الأشهر الماضية، باتت تميل إلى التعنت أكثر، ربما في رهان على أن ما يحدث جنوباً وغرباً يمنحها ورقة رابحة في مفاوضاتها مع الحكومة، ومن دون أن أتوقف كثيراً عند التقارير التي تتحدث عن تنسيق بين الجهات الثلاث، لكن من الواضح أن لا أحد يستطيع التنبؤ حول الشكل النهائي الذي ستؤول إليه الأوضاع هناك. لم يتغير شيء، سوف نظل نسمع هذه العبارة طويلاً، لكن هذا التفصيل من المشهد السوري العام، الذي لا يكاد يراه كثيرون، يقودنا إلى تفاصيل إضافية، كانت في ما سبق تسجل باعتبارها كارثة اجتماعية كبرى، فواقع التغيير الديموغرافي الذي شهدته سورية خلال سنوات الصراع الدامية، بعد عمليات التهجير المنظمة التي تمت بإشراف مباشر من النظام البائد، بقواته العسكرية وقوات حلفائه، يتم شيئاً فشيئاً تجازوها، ليس وكأنها لم تحدُث، فقد خلفت ندوباً كبيرة من الصعب محوها في نفوس من عاشها، إلا أن العودة تشكل، وفق تشبيه أحد أبناء ريف دمشق، "ولادة جديدة"، وهذه الولادة الجديدة تعني انطلاقاً من نقطة الصفر، كما عنونت مجلة "Nouvel Ops" الفرنسية الشهيرة تحقيقاً رصد السنة الأولى من عمر سورية ما بعد سقوط النظام البائد، "سورية… السنة صفر".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية