عربي
بعد تحوّلاتٍ كبرى شهدتها سورية، بدءاً من سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، والصراعات الطائفية وموجات العنف في الساحل والسويداء وحمص، بدا للوهلة الأولى أن تراجع حدّة الاشتباكات المسلحة والقصف والعمليات العسكرية في بعض المناطق قد يفتح الباب أمام تهدئة اجتماعية تدريجية، أو على الأقل أمام خفض منسوب العنف المباشر الذي طبع سنوات الثورة السورية والحرب التي صاحبتها.
هذا الانطباع، الآنف ذكره في المقدّمة، سرعان ما اصطدم بواقع مغاير، فبينما خفت صوت السلاح في لحظات معينة، تصاعد منسوب الخوف المعزّز بالطائفية، واتّسعت دوائر الشك والاتهام، وبدت الطائفية أكثر حضوراً في الوعي العام مما كانت عليه في ذروة العنف المادي. لا يمكن تفسير هذا التناقض فقط بالمعطيات الأمنية أو الميدانية، بل يثير تساؤلات بشأن طبيعة العنف نفسه وحول كيفية استمرار العنف الطائفي واتساعه حتى في غياب الاشتباك المباشر.
لا تكمن الإجابة في الميدان وحده، بل أيضاً في الفضاء الإعلامي والرقمي الذي بات يشكّل اليوم ساحة مركزية لإنتاج المعنى وتداول الخوف؛ إذ إن العنف في هذا الفضاء انتقل من كونه ممارسة جسدية محدودة الأثر الزمني والمكاني إلى كونه بنية خطابية مستمرّة وفق محتوى رقمي موجّه، تُعاد صياغتها وتضخيمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وبالتالي، لم يعد السلاح الأداة الأساسية لصناعة الرعب، بل اللغة المشحونة، والصورة المقتطعة، والشائعة المتداولة، والفيديوهات الطائفية وتدفّقات المحتوى السريع التي تحوّل الحدث الجزئي إلى تهديد شامل، والفعل الفردي إلى اتهام جماعي.
تلعب منصّات التواصل دوراً محورياً في هذا التحوّل، ليس فقط بوصفها قنوات لنقل الأخبار، بل آليات نشطة لإعادة ترتيب الواقع؛ إذ إن خوارزميات الانتشار السريع تكافئ المحتوى المثير للانفعال، وتمنح الأفضلية للغضب والخوف على حساب التفسير والسياق. وبهذا المعنى، لا يُعاد إنتاج الخوف عبر ما يُقال فقط، بل عبر كيف ومتى وبأي إيقاع يُقال. حدث محدود قد يتحول خلال ساعات إلى مادة تعبئة طائفية واسعة، لا بسبب خطورته الفعلية، بل بسبب طريقة تمثيله وتداوله وتكراره.
في هذا السياق، يتبنّى المحتوى الرقمي شكلاً جديداً من العنف منخفض الكلفة وعالي الأثر، فلا يحتاج إلى مصدر واضح أو تحقق مهني، ويقدَّم غالباً في صيغة تحذير أو تهديد مبني على تصعيد وتوترات محلية أو معلومة مسرّبة، أو ما يمنحها صدقية عاطفية تفوق صدقيتها الواقعية. ومع إعادة النشر الكثيف، تتحوّل الشائعة إلى ما يشبه الحقيقة المتداولة، وتؤدّي وظيفة مزدوجة تشمل توسيع دائرة الخوف، وشرعنة الاشتباه المسبق بجماعاتٍ كاملة.
أما الصورة والفيديو القصير، فقد فقدا حيادهما المفترض، ليصبحا عنصريْن فاعليْن في إنتاج العنف الخطابي، فالمقاطع المقتطعة من سياقها الزمني أو الجغرافي، والمرفقة بتعليقات موجّهة أو عناوين تعبويّة، تُستخدم لإثارة ردات فعل فورية، لا للتفسير أو الفهم. في هذا النمط من التداول، لا تُعرض الصورة بوصفها شاهداً على حدث، بل أداة اتهام تُسقَط عليها قراءات طائفية جاهزة، وتُستخدم لإعادة تأكيد سرديات الخوف والانقسام.
تُساهم هذه الديناميات في تحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى فضاء يُعاد فيه إنتاج العنف الطائفي يوميّاً، حتى في غياب العنف المادي المباشر، فالخوف هنا لا يرتبط بحادثة محدّدة، بل يُستحضَر باستمرار عبر التدفقات المتلاحقة للمحتوى، ما يجعله حالة دائمة لا استجابة مؤقتة. وبهذا، يصبح العنف الخطابي أكثر فاعلية من السلاح أحياناً، لأنه لا يقتل الجسد، بل يستنزف الثقة، ويقوّض الروابط الاجتماعية، ويعيد رسم الحدود الطائفية داخل المخيال العام.
في سورية ما بعد التحوّل، لا يمكن فهم الطائفية بوصفها بقايا صراع مسلح فحسب، بل كمنتج إعلامي - رقمي يتغذّى على الخوف ويعيد إنتاجه. ومع غياب أطر مهنية واضحة للمساءلة، وتراجع دور الإعلام التحريري أمام سطوة المنصّات، يتحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة مفتوحة لإعادة تدوير العنف، ولو بلغة أقلّ دموية. وهنا المفارقة الأشد قسوة، إذ قد يتراجع العنف في الشارع، بينما يتجذّر في الوعي، مدفوعاً بخطاب لا يقل خطورة عن السلاح نفسه.
لا تُنتج السرديات الطائفية عفوياً، بل تُبنى عبر آليات متكرّرة من حيث اختيار مفردات مشحونة، وخطاب مظلوميات، وربط الحدث بسلسلة وقائع سابقة لإيهام الاستمرارية، واستدعاء الذاكرة الطائفية التي استمرت على مدار 14 عاماً
من العنف المرئي إلى العنف المتداول
في السياق السوري الجديد، لم يعد الخوف مرتبطاً مباشرة بحادثة عنف ملموسة بقدر ما بات مرتبطاً بما يُقال عنها، وبالطريقة التي تُروى بها، وبالزمن الذي تعيشه داخل الفضاء الرقمي، فالحادثة، مهما كان حجمها أو غموضها، لا تُقاس اليوم بآثارها الميدانية المباشرة، بل بقدرتها على التحوّل إلى سردية قابلة للتداول والتعبئة. خلال ساعات قليلة، قد ينتقل حدث محدود من كونه واقعة محلية إلى كونه مادة لتأجيج اصطفافات طائفية واسعة، لا بسبب خطورته الواقعية، بل بسبب كيفية تمثيله رقمياً وإعادة إنتاجه سردياً.
تُظهر التفاعلات التي أعقبت الأحداث أخيراً في اللاذقية، وكذلك التفجير الذي طاول مسجداً في حمص للطائفة العلوية على يد فصيل "سرايا أنصار السنة"، كيف تعمل وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها مسرّعاً للعنف الخطابي. فقبل اكتمال أي رواية موثوقة، تبدأ المنصّات بالامتلاء بتفسيرات جاهزة، ومقاطع مجتزأة، واتهامات متبادلة، تُقدَّم غالباً في صيغة يقينية لا تحتمل الشك أو الانتظار؛ بطريقة لا تُستخدم فيها الأحداث لفهم ما جرى، بل لتأكيد سرديات عنف طائفي مسبقة سواء بين السنة والعلويين والشيعة، أو بين المسلمين والمسيحيين، وتحويل القلق إلى غضب، والغضب إلى استعداد نفسي للعنف.
لاحقاً للاشتباكات الطائفية في اللاذقية على خلفية تظاهرات لأبناء الطائفة العلوية، انتشرت فيديوهات ليلية ظهر فيها نشطاء يحملون "سواطير" وسكاكين و"شنتيانات" يهجمون فيها على بيوت العلويين متجهين من حي الصليبة وحي الرمل الجنوبي بصفتها أحياء سنية إلى الأحياء المجاورة ذات الأغلبية العلوية، مع دعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مع التجييش ضد العلويين ووصم من يهجمون على العلويين بـ"أحرار" و"ثوريين"، مقابل وصف العلويين بأنهم "أعداء الوطن" و"أعداء الله" ووصفهم بالكفار؛ الأمر الذي يشير إلى التحوّل في أنماط التعبئة الرقمية التي تلي كل حادثة توتر. في المقابل، يستخدم نشطاء علويون هذه الفيديوهات لبناء مظلومية جديدة والدعوة إلى الانتفاض وحمل السلاح ضمن منطق الحماية الذاتية في ظل عدم قدرة الدولة على احتكار العنف والسلاح المشروع.
في المقابل، كان انتشار فيديوهات لأشخاص من الطائفة العلوية وهم يمثلون بجثث عناصر من الأمن العام وأفراد مدنيين من الذين شاركوا في العمليات في الساحل، وتداولها مستخدمون مع تعليقات تعزّز الرغبة بالرد والانتقام من جديد، دليلاً على عدم القدرة على ضبط المحتوى الرقمي الطائفي في الدولة السورية ما بعد الأسد.
عموماً، لا تُنتج السرديات الطائفية عفوياً، بل تُبنى عبر آليات متكرّرة من حيث اختيار مفردات مشحونة، وخطاب مظلوميات، وربط الحدث بسلسلة وقائع سابقة لإيهام الاستمرارية، واستدعاء الذاكرة الطائفية التي استمرت على مدار 14 عاماً، ثم توجيه الجمهور نحو استنتاج واحد مفاده أن ما جرى ليس حادثاً معزولاً، بل جزء من تهديد وجودي. هكذا تتحوّل المنصّات إلى فضاءات تعبئة رمزية، تُنتج شعوراً بالخطر الجماعي، حتى في غياب مؤشّرات ميدانية إلى تصعيد شامل. في هذا الإطار، يصبح التحريض على العنف أكثر مكراً وأقلّ مباشرة، فلا يكتفي في صيغة دعوة صريحة للعنف والإبادة والقتل والذبح، بل ربما أيضاً عبر تلميحات، أسئلة استنكارية، أو مقارنات تاريخية تُسقَط على الحاضر. ربما يكفي التلميح إلى ما قد يحدث أو ما يجب الاستعداد له كي تُزرع بذور العنف في الوعي الجمعي السوري، دون أن يتحمّل الخطاب مسؤولية مباشرة. هذه الصيغة من التحريض الرقمي، التي تتخفى وراء التحليل أو التحذير، تتيح لمروّجيها التنصّل من المحاسبة، فيما تترك أثرها العميق في إعادة تشكيل المخيال الاجتماعي.
يشير هذا المشهد إلى انتقال مركز الثقل من الفعل إلى السرد، ومن السلاح إلى الخطاب، ومن المواجهة المباشرة إلى التعبئة النفسية المسبقة؛ فالعنف لم يختفِ، بل أعاد تموضعه داخل اللغة والصورة والتدفق الرقمي، وأصبح أكثر قدرة على الانتشار، وأقل كلفة على من يمارسه، وأكثر استعصاءً على الضبط أو المحاسبة. في هذه البيئة، لا يحتاج العنف الطائفي إلى الانفجار كي يؤدي وظيفته؛ يكفي أن يُتداول، وأن يُروى، وأن يُعاد تدويره، حتى يُنتج الخوف بوصفه حالة دائمة، لا استجابة عابرة.
الأخطر في هذا النمط من الخطاب أنه يسمح لمستخدميه بالتنصّل من المسؤولية، فاللغة المهذبة أو التقنية التوصيفية تمنح قائلها مسافة أخلاقية من نتائجها، وتُخفي العنف الكامن خلف قناع التحليل أو الواقعية السياسية
اللغة أداةَ عنف
تلعب اللغة دوراً محورياً في إعادة إنتاج الطائفية في سورية، لا بوصفها وسيلة توصيف محايدة، بل أداة فاعلة في بناء المعنى السياسي والأخلاقي للأحداث، فعندما يدعو منشور ما إلى الهجوم على بيوت المدنيين في الساحل والاستحواذ عليها، يكون هنا دعوة رسمية لممارسة العنف وتطبيقه إلكترونياً وميدانياً، ليتلاشى الخط بين الواقع والرقمي. هناك مفردات تبدو في ظاهرها تحليلية أو أمنية، مثل "البيئة الحاضنة للعلويين والشيعة" أو " المناطق السنية" أو "الداخل السني" أو "الردّ الطبيعي على قمع الماضي" أو "الخطر الكامن من السنة"، تتحول في سياقات التوتر إلى أدوات إدانة جماعية، تُسقِط المسؤولية عن الفعل على جماعات كاملة، وتحوّل الانتماء الاجتماعي أو الجغرافي إلى قرينة اتهام. لا تُستخدم هذه المفردات لتعريف الوقائع أو تفكيك أسبابها، بل لتأطيرها أخلاقياً وإعادة رسم الحدود الصلبة بين "نحن" و"هم".
في هذا المستوى، لا تعود الطائفية خطاب كراهية صريحاً بالضرورة، بل بنية لغوية رمادية تقوم على الإيحاء والتلميح والتعميم؛ فهي لا تقول "نحن ضدهم" بشكل مباشر، بل توحي بأن "الخطر يأتي من هناك"، أو أن ما يحدث مفهوم في سياقه، أو أن الظروف تفرض هذا النوع من الرد. هذه الصياغات، التي تبدو عقلانية أو واقعية، تُنتج شعوراً دائماً بالتهديد، وتُساهم في تطبيع الإقصاء بوصفه إجراءً وقائياً لا فعلاً عدائياً.
يتعاظم أثر هذه اللغة حين تنتقل إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُعاد صياغتها في عناوين مختصرة، أو وسوم تعبويّة (هاشتاغات) مثل "إبادة الساحل" أو "عليهم عليهم"، في إشارة لقتال "قسد" والدروز أو استخدام "لبّت لبّت" كوَسم تعبوي بعد أي حدث، أو منشورات انفعالية تتداول المفردات ذاتها دون مساءلة. في هذا الفضاء، تفقد الكلمات ثقلها التحليلي، وتتحول إلى شعارات جاهزة تُستخدم للحشد والاستقطاب. هكذا تصبح اللغة أداة تعبئة نفسية، لا أداة فهم، وتُختزل الوقائع المعقّدة في ثنائيات حادّة تُغلق باب النقاش وتفتح باب التحريض.
الأخطر في هذا النمط من الخطاب أنه يسمح لمستخدميه بالتنصّل من المسؤولية، فاللغة المهذبة أو التقنية التوصيفية تمنح قائلها مسافة أخلاقية من نتائجها، وتُخفي العنف الكامن خلف قناع التحليل أو الواقعية السياسية. ومع تكرار هذا الخطاب، يتحول الإقصاء من استثناء إلى قاعدة، ويغدو الشك موقفاً مشروعاً، والخوف شعوراً عقلانياً، والعنف احتمالاً مفهوماً، إن لم يكن مبرّراً.
في السياق السوري، حيث تتداخل الذاكرة الجماعية المثقلة بالعنف مع مرحلة انتقالية هشّة، تصبح اللغة ساحة صراع بحد ذاتها، إذ إن الكلمات لا تنقل الخوف فحسب، بل تنتجه وتعيد توزيعه، وتحدد من يُنظر إليه بوصفه مواطناً، ومن يُعاد تعريفه كخطر محتمل. ومن هنا، لا يمكن التعامل مع الخطاب الطائفي بوصفه انزلاقاً لغوياً عابراً، بل بوصفه أحد أخطر أشكال العنف المعاصر، لأنه يعمل بصمت، ويتسلل إلى الوعي، ويعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية دون أن يطلق رصاصة واحدة.
الشائعة والمونتاج فعلاً تحريضيّاً
في لحظات الهشاشة الانتقالية، تزدهر الشائعة بوصفها أداة مثالية للعنف الخطابي، لا لأنها جديدة، بل لأنها تجد بيئة رقمية تسمح لها بالانتشار السريع من دون كلفة تُذكر؛ فالشائعة لا تحتاج مصدراً واضحاً، ولا أدلة، ولا حتى صياغة متماسكة، بل يكفي أن تُقدَّم في توقيت مشحون، وأن تُربط بحدث طازج، حتى تتحوّل مادة تداول كثيف. وفي أغلب الأحيان، تنتشر الشائعة بسرعة تفوق قدرة أي نفي رسمي أو توضيح إعلامي على اللحاق بها، خصوصاً في ظل تراجع الثقة بالمصادر المؤسّسية؛ الآن ربما تحذف وربما تبقى في إطار السعي إلى الشهرة والتحريض على حد سواء.
الأخطر أن الشائعة لا تُقدَّم غالباً كخبر قابل للنقاش، بل كتحذير استباقي أو معلومة من الداخل، تُصاغ بلغة توحي بالمسؤولية والحرص مثل "انتبهوا… ما يجري أخطر مما يبدو"، أو "وصلت إلي معلوماتٍ عن تحرّك علوي في الساحل" أو "تحركات مرتقبة للهجري وطائفته"؛ فهذه الصيغ تمنح الشائعة صدقية زائفة، لأنها تخاطب الخوف لا العقل، وتُشعر المتلقّي بأنه يملك معرفة خاصة تفرض عليه موقفاً، أو على الأقل حذراً مضاعفاً. هكذا تتحوّل الشائعة من معلومةٍ غير مؤكّدة إلى أداة تعبئة نفسية.
في السياق الطائفي، تؤدّي الشائعة وظيفة أكثر خطورة، إذ تعمل على توسيع دائرة الخوف وتعميمه؛ فحادثة فردية تُقدَّم بوصفها مؤشّراً إلى مخطط، كما حصل في حادثة مقتل عائلة على يد قريب لها في مدينة حمص مع كتابات طائفية على جدران منزلها لتمويه قضية السرقة والقتل وتحويلها طائفية؛ أو سلوك معزول يُعاد تأطيره كدليل على نياتٍ جماعيةٍ مبيتة. ومع كل إعادة نشر، يتراجع السؤال عمّا إذا كانت المعلومة صحيحة، ويبرز بدلاً منه سؤال أكثر إلحاحاً من قبيل ماذا لو كانت صحيحة؟ هذا التحوّل في منطق التلقي كفيل بتحويل الشائعة إلى محرّك للعنف الاستباقي، يبرر القطيعة الاجتماعية، أو التحريض الخطابي، أو حتى القبول الضمني بعنف قد يقع لاحقاً دفاعاً عن النفس.
إلى جانب الشائعة، تلعب الفيديوهات القصيرة والصور المجتزأة دوراً حاسماً في إعادة إنتاج العنف الطائفي عبر وسائل التواصل الاجتماعي في سورية. فالصورة، التي لطالما اعتُبرت دليلاً بصرياً محايداً، فقدت هذا الامتياز في البيئة الرقمية، وأصبحت مادة خام قابلة لإعادة التسييس عبر الاقتطاع، وإعادة العنونة، وتوجيه التأويل. ثوانٍ قليلة، منزوع منها السياقان الزمني والمكاني، كفيلة بإشعال موجة غضب أو خوف في سورية، خصوصاً حين تُرفق بتعليق موجّه أو وسم تعبوي يُملي على المشاهد كيفية الفهم.
لا تكمن خطورة هذه المقاطع في محتواها فقط، بل أيضاً في آلية تداولها. فإعادة النشر السريع، مقرونة بالتعليقات المنفعلة والقراءات الجاهزة، تسبق أي محاولة للتحقق أو التفسير؛ ومع كل مشاركة، يتراجع الحدث الواقعي خطوة إلى الخلف، ويحل محله تمثيل بصري مشحون يُستخدم لإثبات سردية مسبقة. في هذا السياق، لا تعود الصورة وسيلة لفهم ما جرى، بل أداة لإدانته مسبقاً، أو لتثبيت صورة نمطية عن جماعة بعينها. تُساهم هذه الدينامية في تحويل المونتاج نفسه إلى فعل سياسي. فاختيار لحظة معينة، أو زاوية محدّدة، أو جملة مقتطعة من سياقها، لا يكون بريئاً، بل يندرج ضمن عملية إعادة بناء للواقع بما يخدم خطاباً تعبوياً. ومع تكرار هذا النمط، يصبح العنف الخطابي بصريّاً بقدر ما هو لغوي، ويغدو الخوف تجربة تُشاهَد وتُعاد مشاهدتها، لا مجرد شعور عابر.
تعتمد سرديات المؤثرين على أداء يقيني لا يعترف بالشك؛ إذ لا تقوم سلطة المؤثّر على الدقة بقدر ما تقوم على الثقة بالنبرة وعدد المتابعين وقدرة هذا العدد على الوصول والدعم، والقدرة على التنبؤ، وتقديم التأويل بوصفه معرفة حقيقية مضمونة
"الإنفلونسرز" من التحليل إلى التعبئة
لا تُعيد سرديات مؤثري السياسة (الإنفلونسرز) إنتاج الخوف والعنف عبر الدعوة الصريحة إلى الإيذاء بقدر ما تفعل ذلك من خلال آليات خطابية أكثر تعقيداً وأقل مباشرة، تعمل على تطبيع الشك، وتسريع الانفعال، وإضفاء شرعية رمزية على العنف بوصفه نتيجة مفهومة أو حتمية. تكمن خطورة سرديات المؤثرين في أنها تعمل دون تجاوز واضح للخطوط القانونية أو الأخلاقية المعلنة، ما يسمح بتعبئة واسعة دون تحمّل مسؤولية مباشرة.
أولى هذه الآليات تتمثّل في تحويل عدم اليقين إلى تهديد وجودي؛ ففي لحظات الأزمات، حيث تكون المعلومات ناقصة والوقائع غير مكتملة، لا يُنظر إلى الغموض سبباً للتريّث أو التحقق، بل يُعاد تأطيره منهم دليلاً على خطر خفيّ. تُقدَّم الأسئلة المفتوحة مؤشّرات مؤامرة، ويُعامل غياب المعلومة دليلاً بحد ذاته، ما يحوّل القلق الطبيعي إلى خوف مُصنّع قائم على سرديات افتراضية لا على وقائع مثبتة.
تقوم الآلية الثانية على تفكيك الحدث الفردي وإعادة تركيبه جماعياً، مع استغلال القاعدة الجماهيرية الشعبوية لهم؛ فالحادثة المحدودة لا تُقرأ في منشورات المؤثرين بوصفها فعلاً معزولاً أو سياقياً، بل تُدمج سريعاً في سردية أوسع عن أنماط وتواريخ وطبائع ثابتة من دون وعي بالسياسة ومبادئها وأسس عملها. بهذه الطريقة، يُنزَع التركيز عن الفعل المحدّد ومسؤوليه المباشرين، ويُعاد توجيهه نحو جماعات بأكملها، ما يُنتج مناخاً من الاشتباه الجماعي، ويُمهّد نفسياً لتبرير الإقصاء أو العنف الاستباقي.
وتتمثل الآلية الثالثة في تسريع انتشار الخطابين، الطائفي والتحريضي، عبر منشوراتهم، على اعتبار أن المؤثرين يعملون في فضاء يُكافئ السرعة لا الدقة، والانفعال لا التحليل. يُقدَّم هؤلاء التفسير قبل اكتمال الوقائع، ويُطلب من الجمهور التفاعل الفوري لا التفكير المتأني عبر طلبات مثل "الرجاء المشاركة على أوسع نطاق"، أو "ارفعوا المنشور ليصل أكثر". هذا التسريع يُقصي المسافة الأخلاقية اللازمة للتساؤل والمساءلة، ويحوّل ردّة الفعل الانفعالي إلى استجابة طبيعية للأحداث، ما يجعل العنف يبدو خياراً اضطرارياً لا قراراً أخلاقياً قابلاً للنقاش.
تتعزّز هذه الدينامية عبر ازدواجية أخلاقية دقيقة، إذ يُدان العنف في الخطاب العام، لكنه يُبرَّر في الحالات الخاصة؛ بحيث يُرفض العنف بوصفه مفهوماً مجرّداً، بينما تُقدَّم أفعال بعينها دفاعاً عن النفس، أو ردّاً متوقعاً، أو إجراءً وقائياً فرضته الظروف. تسمح هذه الازدواجية بإعادة تدوير العنف أخلاقياً، بحيث يُرفض نظرياً ويُقبَل عملياً، خصوصاً حين يُربط بخطاب الحماية، أو استعادة النظام، أو المظلوميات.
مثلاً، يُظهر الفيديو الذي تداوله مؤثرون لطفل علوي يحمل الخبز ليلاً ويتعرّض للإهانة والضرب بعد سؤاله عن طائفته وطلب الشهادة منه، كيف يعمل العنف الطائفي اليوم بوصفه مشهداً رمزيّاً قابلاً للتعبئة أكثر من كونه حادثة معزولة، فالطفل لا يُقدَّم هنا فرداً، بل رمزاً جماعياً للفئات المستهدفة في الطائفة العلوية، ويُستخدم امتحان الهوية الدينية أداة إذلال تُعيد إنتاج منطق الفرز الطائفي في أبسط صوره وأقساها. ولا تكمن خطورة الفيديو فقط في العنف الذي يوثّقه، بل في طريقة تداوله وانتشاره، إذ يُعاد نشره مرفقاً بتعليقات تُحوّل الجريمة من فعل محدّد إلى اتهام جماعي، وتُنقل الضحية من موقعها الإنساني إلى موقع الدليل على سردية طائفية جاهزة. هكذا ينتقل المشهد من إثارة التعاطف إلى إنتاج الغضب، ومن الغضب إلى تبرير الكراهية أو العنف الاستباقي، لا باسم حماية الطفل، بل باسم الثأر الرمزي له. وفي المقابل، يُستخدم هذا الفعل أداة تشفٍّ بالنسبة لناشطين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي ممن يدّعون المظلومية السنية، وأن هذا الطفل مشابه لأطفال السنة الذين نكّل بهم نظام الأسد. في هذا المعنى، يصبح الطفل ضحية لعنف متعدّد الجوانب؛ مرّة داخل الفيديو، ومرّة في الخطاب الذي يستخدم معاناته لإعادة تدوير الخوف والانقسام بدل مساءلة الفعل وحماية الضحية؛ ومرّة في خطاب المظلومية السنية أن هذا الطفل سيكبر ويقتل السنة.
إلى جانب ذلك، تعتمد سرديات المؤثرين على أداء يقيني لا يعترف بالشك؛ إذ إن سلطة المؤثّر لا تقوم على الدقة بقدر ما تقوم على الثقة بالنبرة وعدد المتابعين وقدرة هذا العدد على الوصول والدعم، والقدرة على التنبؤ، وتقديم التأويل بوصفه معرفة حقيقية مضمونة. يُضعف هذا الأداء التفكير النقدي لدى المتلقين (المتابعين)، ويحوّلهم من مشاركين في النقاش إلى جمهور مُصطفّ عاطفيّاً، حيث يصبح الانتماء إلى السردية أهم من اختبار صحتها.
عموماً، تُساهم هذه السرديات في تطبيع منطق الانتقام و/أو الاستباق، أي تبرير العنف ليس بما وقع فعلاً، بل بما قد يقع مستقبلاً، فالتلويح الدائم بسيناريوهات الخطر والانهيار والانتقام يُعيد تعريف العنف بوصفه فعلاً وقائيّاً لا عدوانياً، ويُنقل العبء الأخلاقي من الفاعل إلى الضحية المحتملة. في هذا الإطار، يُقدَّم التصعيد بوصفه حكمة، ويُصوَّر التريّث سذاجة أو تواطؤاً. وبالتالي، لا تعكس سرديات مؤثري السياسة الخوف فحسب، بل تنتجه وتعيد تدويره عبر اللغة، والإيقاع، والتأطير الأخلاقي.
