اليأسُ الفَرِح
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
معلومٌ أن اليأس والفرح نقيضان لا يجتمعان، ومع ذلك ها قد التقيا في الحقل الفلسفيّ عندما صاغ الفيلسوف الفرنسي المعاصر أندريه كونت سبونفيل مفهومه "اليأس الفَرِح"، معلناً أمراً بسيطاً وقاسياً في آن: إن أسوأ أوهام الإنسان على الإطلاق هو الأمل! أجل، نحن نتحدّث عن الأمل نفسه الذي لطالما تنادى إليه البشر والتجأوا إليه في مواجهة آلامهم. ولا يقول سبونفيل ذلك لأن الأمل شرٌّ أخلاقي، بل لأن من خصائصه تأجيل الحياة وتعليق الفرح على مستقبلٍ لا يمتلكه أحد. يكتب: "الأمل هو الرغبة في ما لسنا نملك، وهو لذلك يُبعدنا عمّا هو حاضر ومتوافر". من هنا ينبغي النظر إلى اليأس بوصفه تحرّراً، وفرصةً لفهم الحياة كما هي، أي في صورتها الحقيقية بلا أقنعة. وليس اليأس، في معناه الدقيق عند سبونفيل، هو الاكتئاب ولا الانهيار النفسي، بل نهاية الانتظار واللحظة التي نتوقّف فيها عن مطالبة العالم بأن يكون عادلاً، والحياة بأن تمنحنا ضمانات. "أن نيأس هو أن نكفّ عن الانتظار، وأن نعود إلى الواقع كما هو"، يقول سبونفيل؛ فحين يسقط هذا الطلب يتهاوى معه جزءٌ كبيرٌ من البؤس، لا لأن الواقع صار أفضل، بل لأن علاقتنا به صارت أكثر صدقاً وقدرة على العمل والتفاعل. ويسمّي سبونفيل هذا الوضع يأساً فَرِحاً، لأن الفرح هو الكفّ عن إنكار الواقع والقيام بقبوله من غير أوهام. هو ليس سعادةً نفسية، ولا رضاً دائماً، ولا انسجاماً كلّياً مع العالم، وإنما قوة داخلية تتأتّى من عيش ما هو موجود، بالتناقض مع التعلّق بما ينبغي أن يكون. بهذا المعنى يلتقي سبونفيل مع سبينوزا، الذي يرى أن الفرح "ازدياد القدرة على الوجود"، فينشأ من القدرة على مواجهة الواقع بكل ما فيه، لا من الهروب إلى خيال أو وعد. ويرفض "اليأس الفَرِح" الخطاب الأخلاقي القائم على العزاء؛ فهو لا يعد بعدالة مقبلة، ولا يراهن على التاريخ. وكما يكتب سبونفيل: "لا نحتاج إلى الأمل لنكون شجعاناً أو أوفياء، بل إلى القوة". نحبّ ونفعل ونكتب، مع علمنا بأن هذا لن ينقذ العالم أو يمنح لحياتنا معنى سامياً، بل لأن هذه الأفعال نفسها هي الشكل الوحيد المتاح لنا في الوجود، في مواجهة اللامعقول. هنا تتقاطع أطروحة سبونفيل بعمق مع نيتشه، خصوصاً مع أطروحته "العِلم الفَرِح". فكما أن المعرفة لا تصبح فرِحةً إلا بعد موت الحقيقة المطلقة، فإن الحياة لا تصبح قابلة للفرح إلا بعد موت الأمل؛ فلا يكون الفرح قبل اليأس، بل بعده، ولا يأتي تعويضاً عنه، بل نتيجةً منه. نيتشه، ومن بعده سبونفيل، على اختلافهما، يدعوان إلى قوة بلا عزاء، وشجاعة لا تستند إلى وعود مستقبلية، وممارسة الحياة كما هي لا كما نتمناها أن تكون، مع التأكيد على أن "اليأس الفَرِح" لا ينكر الألم ولا الظلم ولا الفقد، رافضاً تحويلها ذريعةً للمرارة أو الشلل. إنه موقف من يقول: العالم قاسٍ، والحياة غير عادلة، ولا شيء يضمن النهاية الطيبة، ومع ذلك أختارُ أن أكون حاضراً فيها، وأن أتحمّلها، وأن أقول نعم لما هو كائن، حتى لو كان قاسياً أو عبثيّاً؛ وهو ما يذكّر، ربما أيضاً، بفلسفة ألبير كامو. في زمن يُفرض فيه التفاؤل واجباً أخلاقياً، ويُعتبر فيه اليأسُ فشلاً شخصياً، يقترح سبونفيل انقلاباً هادئاً لكنّه راديكالي: "أن نكفّ عن الأمل، لكي نتعلم الفرح". لا فرح الطمأنينة، ولا فرح الوعد، بل فرح الوضوح والاستمرار. فـ"اليأس الفَرِح" ليس حلّاً ولا وصفة؛ إنه موقف أخلاقي صارم، وطريقة للعيش بلا أكاذيب، بلا انتظار، وبلا أعذار، ومواجهة الواقع وذواتنا، والقدرة على الاستمرار رغم كل شيء.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية