عربي
قرر رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي، أسامة حماد، في 25 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، تشكيل لجنة مؤقتة لمراجعة أوضاع الاحتجاز، والتحقق من سلامة الإجراءات القانونية، ومنع أي احتجاز خارج الأطر القضائية، وضمان تنفيذ الأحكام وأوامر الإفراج، ما أثار تساؤلات واسعة عن الدوافع والتوقيت، خصوصاً في ظل تصاعد الضغوط الدولية على ليبيا بسبب انتهاكات مرتبطة بملف حقوق الإنسان.
وستتولى اللجنة رصد جوانب القصور والانتهاكات، وسترفع تقارير دورية عن النتائج والتوصيات إلى الحكومة، وذلك في ظل الالتزام بالمعايير الوطنية والدولية لحقوق الإنسان. ويرأس اللجنة التي تتخذ من بنغازي مقراً المستشار السابق للأمن القومي إبراهيم بوشناف، وتضم ممثلين عن الجهات القضائية والعسكرية والأمنية. ومُنحت صلاحيات دخول جميع أماكن الاحتجاز، والاطلاع على السجلات، والتواصل مع الجهات المختصة، وإحالة الجرائم إلى السلطات القضائية، واتخاذ الإجراءات الإدارية في حق المخالفين.
ورحبت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا بالخطوة باعتبارها جهداً مهماً لمعالجة أوضاع حقوق الإنسان الخاصة بالمحتجزين، والتصدي للاحتجاز التعسفي الذي وصفته بأنه "ممارسة شائعة في ليبيا".، وشددت على ضرورة ضمان الإشراف المدني الكامل على جميع مراكز الاحتجاز. وفي السياق، أعلنت القيادة العامة للقوات التابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر أن صدام حفتر، بصفته نائباً للقائد العام، التقى بوشناف في 30 ديسمبر الماضي، وناقش معه آليات عمل اللجنة، والتحقق من سلامة الإجراءات القانونية والقضائية في حق المحكومين والموقوفين، ومتابعة تنفيذ أحكام البراءة وأوامر الإفراج.
وتتزامن خطوة الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي، مع حديث أوساط ليبية عن اقتراب صدور التقرير الجديد لفريق خبراء لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة المعنية بليبيا، وذلك بعدما نفذت زيارة ميدانية لطرابلس وبنغازي في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وقيّمت الالتزام بالتدابير الأممية في جوانب عدة، من بينها أوضاع السجون ومراكز الاحتجاز. ويتوقع أن يصدر التقرير، مع نسخة عربية، في فبراير/ شباط المقبل، وأن يتضمن تقييماً لأوضاع السجون المسؤولة عنها السلطات الليبية القائمة.
وتعزز هذه التوقعات تقارير أممية ودولية سابقة، أحدها لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في إبريل/ نيسان 2018، أورد أن "سجن الكويفية في بنغازي هو أكبر منشأة احتجاز في شرق ليبيا، ويضم أجنحة تخضع لسيطرة الشرطة القضائية وأخرى لسيطرة عسكرية وأمنية". كما أكد التقرير أن "المحتجزين في الأجنحة الخاضعة للسيطرة العسكرية موقوفون خارج أي إطار قضائي، ويتعرضون لتعذيب وسوء المعاملة".
كما خلص تقرير بعثة تقصي الحقائق المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان في أكتوبر/ تشرين الأول 2021 إلى "وجود نمط واسع ومنهجي من الانتهاكات في مناطق شرق ليبيا". وأشار إلى "نقل العديد من الضحايا، بعد خطفهم أو اعتقالهم من دون أوامر قضائية، إلى مرافق مثل الكويفية وقرنادة وأخرى تابعة لكتيبة طارق بن زياد بقيادة حفتر، وتوثيق حالات تعذيب ووفيات أثناء الاحتجاز".
وفي يونيو/ حزيران 2022، وثقت منظمة العفو الدولية انتهاكات جسيمة ارتكبتها كتيبة طارق بن زياد شملت الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب والعنف الجنسي، واعتبرت أن هذه الانتهاكات ترقى إلى جرائم حرب".
وفي مايو/ أيار 2024، أعادت بعثة الأمم المتحدة تسليط الضوء على هذه المخاوف بعد وفاة الناشط سراج دغمان أثناء احتجازه في معسكر الرجمة شرقي مدينة بنغازي. وأكدت أنه "احتجز تعسفياً من دون توجيه أي تهم إليه"، ودعت إلى إجراء تحقيق مستقل وشفاف في الواقعة.
تأتي هذه التطورات في وقت يزداد اهتمام المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بملفات ليبيا، خصوصاً بعدما تسلمت المتهم خالد الهيشري من السلطات الألمانية ومثوله أمامها مطلع ديسمبر الماضي، ما أعاد ملف السجون والانتهاكات إلى صدارة الاهتمام الدولي، وفتح الباب أمام سيناريوهات أوسع لتفعيل أوامر قبض دولية في حق شخصيات ليبية أخرى.
وشجعت خطوة الحكومة أهالي المغيبين في السجون على إعلاء أصواتهم. وفي 5 يناير/ كانون الثاني الماضي تناقلت منصات إعلامية مشهد وقفة احتجاج نفذها أهالي سجناء أمام معتقل في مدينة الكفرة (جنوب شرق)، ومطالبتهم قيادة حفتر بالإفراج عن ذويهم المغيبين في السجون منذ فترات طويلة.
ويرى الناشط الحقوقي والمحامي وليد خلف الله، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن خطوة تشكيل اللجنة جاءت بعد ضغوط دولية متراكمة، ونشر تقارير كشفت حجم الانتهاكات في السجون". ويعتبر أنها "جاءت استجابة سياسية متأخرة لمحاولة احتواء مسار مساءلة بدأ يقترب فعلياً من مراكز النفوذ".
ويوضح أن "التحرك القضائي الأخير لمكتب النائب العام، والذي أفضى الى إجراءات عدة، أبرزها سجن أسامة نجيم، قائد جهاز الشرطة القضائية في طرابلس، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، المطلوب للعدالة الدولية على خلفية جرائم ارتكبت داخل سجون خضعت لسلطته، وجه رسالة بالغة الوضوح تفيد بأن الإفلات من العقاب لم يعد مضموناً حتى لمن كان ينظر إليهم كأمراء سجون خارج أي رقابة". يضيف: "هذا التطور، إلى جانب الضغوط المتصاعدة من المحكمة الجنائية الدولية، خلقت مناخاً جديداً من القلق لدى سلطات الأمر الواقع في شرق البلاد، وفي مقدمها سلطة خليفة حفتر التي باتت تدرك أن ملف السجون هو الحلقة الأضعف والأكثر توثيقاً في سجلها الحقوقي".
ويصف خلف الله سجون شرق ليبيا بأنها "الأسوأ على صعيد البنى القانونية والواقع العملي"، ويعتبر أن "تشكيل حكومة حماد اللجنة، ولو جاء متأخراً، مؤشر أولي ومحدود للتعافي في ملف حقوق الإنسان، ناتج عن ضغوط فعلية حتى في حال استبعاد وجود قناعة داخلية". ويأمل في أن يشكل هذا المسار مدخلاً لفتح ملفات ظلت مغلقة لسنوات، وفي مقدمها ملف المقابر الجماعية في ترهونة، وقضية المغيبين قسرياً داخل السجون الذين لم يعرف مصيرهم حتى الآن".

أخبار ذات صلة.
«قوة استقرار غزة».. عرض من ترامب لإيطاليا
العين الإخبارية
منذ 13 دقيقة