أهم الشهود في لائحة اتهام مادورو: خصوم سياسيون و"مصادر محمية"
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
شكّلت عملية خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في 3 يناير/ كانون الثاني، على يد قوات خاصة أميركية، لحظة مفصلية أعادت فتح الملف القضائي والسياسي الأوسع المتعلّق بعلاقته المزعومة بالإرهاب وتجارة المخدرات، وسرعان ما تصدّرت لائحة الاتهام الصادرة عن محكمة المنطقة الجنوبية في نيويورك واجهة التغطية السياسية والإعلامية، بما حملته من اتهامات ثقيلة تتصل بتوظيف مؤسسات الدولة في شبكات إجرامية عابرة للحدود. غير أن بنية ملف الاتهام، كما ترد في وثيقة الادعاء نفسها، تُوضح أن هوية الشهود تشكل عنصراً مهماً موازياً لطبيعة التهم في قراءة الملف، وتحديداً شهادات شخصيات عملت في مواقع مركزية داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الفنزويلية قبل انتقالها إلى موقع الخصومة مع النظام. وفي السياق، يبرز اسم الجنرال المتقاعد كليفر ألكالا كوردونس، بوصفه أحد الشهود المحوريّين في الملف. ووفقاً للائحة الاتهام، خدم ألكالا لسنوات في مواقع حسّاسة داخل الجيش الفنزويلي، خلال عهد الرئيس هوغو تشافيز وبدايات حكم مادورو، وكان جزءاً من البنية العسكرية التي أدارت ملفات أمنية إقليمية معقّدة. وتُورد الوثيقة أنّه شارك عام 2007 في تسليم شحنة أسلحة إلى قيادات في منظمة القوات المسلحة الثورية الكولومبية "فارك"، بناءً على توجيهات صدرت عن مدير الاستخبارات العسكرية آنذاك؛ هوغو أرماندو كارفاخال. غير أن المسار السياسي والعسكري لألكالا شهد تحولاً جذرياً بعد مغادرته فنزويلا عام 2015 متوجهاً إلى كولومبيا، في أعقاب خلافات حادة مع مادورو. ومنذ تلك اللحظة، انتقل الجنرال السابق من موقعه داخل النظام إلى موقع الخصومة العلنية، وبدأ بتوجيه اتهامات مباشرة للقيادة السياسية والعسكرية باستخدام الجيش أداةً لحماية السلطة وإدارة تحالفات غير مشروعة. وتكشف سيرته أن هذا التحول لم يكن خطابياً فحسب، بل تُرجم لاحقاً إلى انخراط عملي في محاولات لإسقاط النظام. شاهدٌ حاول الانقلاب.. وآخر منشقّ  وبلغ مسار الخصومة بين مادورو وألكالا ذروته عام 2020، حين أعلن الأخير دعمه محاولة فاشلة لإطاحة الرئيس الفنزويلي، عُرفت إعلامياً بعملية "غيديون". وفي تلك المرحلة، أقرّ علناً بحيازته شحنة أسلحة كانت مخصصةً لدعم مجموعات معارضة مسلحة، قبل أن يسلّم نفسه، بعد أيام من فشل المحاولة، للسلطات الأميركية. ووفقاً لسجلّات المحكمة، أقرّ ألكالا في يونيو/ حزيران 2023 بالذنب في تهمة تقديم دعم مادي لمنظمة مصنّفة إرهابية، وهو الإقرار الذي مهّد لتحوله إلى شاهد متعاون في القضية، وفق ما تصفه وثيقة الادعاء. أما الشاهد الرئيسي الثاني، فهو هوغو أرماندو كارفاخال؛ الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية الفنزويلية، الذي تعرّفه اللائحة بوصفه مسؤولاً أمنياً لعب دوراً مركزياً في إدارة الملفات الحساسة للدولة على مدى سنوات طويلة، وكان جزءاً من الدائرة الضيقة المحيطة بكلٍّ من تشافيز ومادورو في مراحل مفصلية. وتشير الوثيقة إلى أن كارفاخال شكّل حلقة وصل أساسية بين القيادة السياسية والمؤسسة الأمنية، ما منحه اطلاعاً واسعاً على آليات صنع القرار داخل النظام. ويظهر تتبع العلاقة بين كارفاخال ومادورو أنها دخلت مرحلة القطيعة العلنية عام 2017، حين أعلن رئيس الاستخبارات السابق انشقاقه عن النظام وبدأ توجيه اتهامات مباشرة للقيادة السياسية والعسكرية بالفساد والتورط في شبكات تهريب مخدرات. وجاء هذا الانشقاق في وقت كانت فيه الملاحقة الأميركية لكارفاخال قائمةً بالفعل، لكنها اكتسبت زخماً إضافياً بعد خروجه من صفوف النظام وتحوله إلى أحد أبرز منتقديه. وفي عام 2019، جرى توقيف كارفاخال في إسبانيا بناء على مذكرة أميركية، قبل أن يُفرج عنه بشروط ثم يختفي لفترة، ليعاد توقيفه لاحقاً وتسليمه إلى الولايات المتحدة عام 2023. وتوضح لائحة الاتهام أنه أقرّ في يونيو/ حزيران 2025 بالذنب في تهم تتعلق بالإرهاب المرتبط بالمخدرات وتهريب الكوكايين، مقدِّماً رواية مختلفة جذرياً عن تلك التي كان يدافع عنها خلال فترة وجوده داخل النظام. وفي 2 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أي قبل خطف مادورو بأسابيع قليلة، عرض كارفاخال من سجنه التعاون الكامل مع السلطات الأميركية للمساعدة في إدانة النظام الفنزويلي، كما ورد في رسالة نشرها محاميه روبرت فايتل، وهو مدّعٍ عام سابق رفيع في وزارة العدل الأميركية. رسالة ثم لائحة وأخيراً عملية خطف يزعم كارفاخال في الرسالة التي بعث بها إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ونشرتها صحيفة دالاس إكسبريس نقلاً عن محاميه، أن مادورو حوّل الكوكايين إلى سلاح، وتعاون مع "فارك" والاستخبارات الكوبية وحزب الله، وبنى علاقات مع شبكات إجرامية عنيفة، من بينها "ترين دي أراغوا"، وأن الاستخبارات الفنزويلية والكوبية اخترقت مؤسسات أميركية على مدى عقدين، بما في ذلك منشآت عسكرية. ويشدّد كارفاخال في رسالته على دعمه سياسات ترامب تجاه فنزويلا، واستعداده لتقديم مزيد من التفاصيل للسلطات الفيدرالية بهدف تفكيك النظام القائم. ويقول "قطعت علاقاتي علناً مع نظام مادورو في عام 2017، وغادرت بلادي، وأنا أعلم أنني أواجه اتهامات جنائية في الولايات المتحدة. وبذلك أصبحت عدواً للنظام. لقد تصرفت بقناعة راسخة لتفكيك نظام مادورو الإجرامي وجلب الحرية إلى بلادي. واليوم، أرى ضرورة مخاطبة الشعب الأميركي حول حقيقة ما هو عليه النظام الفنزويلي فعلاً، ولماذا لا تعد سياسات الرئيس ترامب صحيحة فحسب، بل ضرورية تماماً للأمن القومي للولايات المتحدة". ويوجه كارفاخال حديثه للأميركيين بالقول "يا شعب الولايات المتحدة، لا تخطئوا في تقدير التهديد الناجم عن السماح لمنظمة إرهابية مرتبطة بالمخدرات بأن تجوب بحرّية في الكاريبي وأميركا اللاتينية، وأن تفعل كل ما في وسعها لإلحاق الأذى بالشعب الأميركي، وتمويل معاداة الولايات المتحدة في القارة، وتسهيل عمليات منظمات إرهابية أخرى وأعداء لواشنطن داخل فنزويلا والآن داخل حدودكم. النظام الذي خدمت فيه ليس مجرد نظام معادٍ، بل هو في حالة حرب معكم، مستخدماً المخدرات والعصابات والتجسس وحتى عملياتكم الديمقراطية كأسلحة. أنا مستعد لتقديم تفاصيل إضافية حول هذه المسائل إلى حكومة الولايات المتحدة". ومن اللافت في هذا السياق أنه بعد رسالة كارفاخال، التي عرض فيها التعاون وتقديم معلومات ضد مادورو، بـ22 يوماً فقط، صدرت لائحة الاتهام الموسعة بحقه، وتحديداً في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2025، أي قبل أقل من أسبوعين من خطف الرئيس الفنزويلي السابق من العاصمة كاراكاس. وحتى الصحيفة التي انفردت بنشر الرسالة رأت حينها أنها قد تشكل تمهيداً لمسارين محتملين: السعي إلى تخفيف مدة عقوبة كارفاخال، والمساهمة في بلورة سياسة الولايات المتحدة تجاه فنزويلا، إلى جانب تعزيز الملاحقات الجارية ضد مادورو، في ظل ضغوط سياسية وعسكرية استثنائية سادت تلك الفترة. حضور لافت لـ"المصادر المتعاونة" ولا تقتصر لائحة الاتهام على الشهود الخصوم، إذ تكشف، إلى جانب الشهود المعلنين، عن حضور لافت لمصادر متعاونة مع إدارة مكافحة المخدرات الأميركية، تعتمد عليها النيابة في إثبات وقائع حساسة، من دون تقديم أي تعريف بهوية هذه المصادر أو موقعها أو طبيعة ارتباطها المؤسسي. فعلى سبيل المثال، تتحدّث اللائحة عن اجتماعات مسجلة أجراها قريبان من مادورو، هما إفران كامبو فلوريس وفرانكي فلوريس دي فريتاس، وتقول إنهما اتفقا خلال تلك اللقاءات مع مصادر تابعة لإدارة مكافحة المخدرات الأميركية على إرسال شحنات كوكايين بمئات الكيلوغرامات من مطار مايكيتا. وبحسب نص الاتهام، لم تقتصر تلك الاجتماعات على تفاصيل لوجستية، بل تضمّنت خطاباً سياسياً مباشراً تحدّث فيه المتهمان عن أنهما في "حرب" مع الولايات المتحدة، وأشارا إلى ما يعرف بـ"كارتل الشمس"، إضافة إلى صلة مزعومة بقيادات في منظمة "فارك"، وهدف جمع نحو 20 مليون دولار من عائدات المخدرات لدعم حملة سيليا فلوريس الانتخابية أواخر عام 2015. كذلك تنقل اللائحة توصيف أحد المتهمين لمادورو بـ"الأب"، من دون تقديم سياق إضافي لطبيعة هذا الوصف. ولا تقف اللائحة عند هذا الحد، بل تقدم نموذجاً آخر لاستخدام المصادر المتعاونة المحمية في سياق مختلف، إذ تذكر أنه في عام 2019 ناقش زعيم عصابة "ترين دي أراغوا"، هيكتور غيريرو فلوريس، تهريب المخدرات مع شخص كان يعتقد أنه يعمل مع النظام الفنزويلي. ووفق ما يرد في الوثيقة، عرض غيريرو تقديم خدمات مرافقة وحماية لشحنات مخدرات عبر سواحل ولاية أراغوا، مؤكداً سيطرة تنظيمه على مسارات بحرية ومخابئ تخزين سمّاها "حواضن"، وقدرته على حماية أكثر من طن من الكوكايين في العملية الواحدة. وتعتمد هذه الوقائع، كما تسردها لائحة الاتهام، على تسجيلات ومكالمات جرى جمعها عبر مصادر متعاونة مع إدارة مكافحة المخدرات الأميركية، من دون أن تقدم اللائحة تفاصيل إضافية حول طبيعة هذه المصادر أو الإطار الذي جُمعت فيه هذه التسجيلات.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية