عربي
أحدث إعلان رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار؛ قائد الائتلاف الحكومي الحالي، زلزالاً سياسياً في المشهد الحزبي المقبل على انتخابات ساخنة خلال الربع الأخير من السنة الحالية. وفي خطوة مفاجئة تحمل دلالات سياسية وتنظيمية لافتة، أعلن أخنوش، أمس الأحد، أنه لن يترشح لقيادة الحزب خلال المؤتمر الوطني الثامن المرتقب تنظيمه في 7 فبراير/ شباط المقبل، معتبراً أن "هذا هو الوقت الأمثل لتسليم المشعل، ولا ينبغي لأحد أن يتجاوز ولايتين، فالقيادة ليست إرثاً".
وأضاف أخنوش، خلال اجتماع المكتب السياسي للحزب: "لقد أديت واجبي، والحزب يشهد تطوراً عميقاً، والجميع يعترف بأنه يهيمن على المشهد السياسي الوطني. هذه قناعة شخصية، لن أترشح لولاية ثالثة". وكان أخنوش قد عاش في الأشهر الماضية لحظات صعبة، من أبرزها مطالبة شباب "جيل زد"، في رسالة إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس، برحيله وإقالة الحكومة التي يقودها، بسبب "فشلها في حماية الحقوق الدستورية للمغاربة والاستجابة لمطالبهم الاجتماعية"، فيما لم يتردد سياسيون ومراقبون في الفترة الأخيرة في العودة لإثارة ما يعتبرونه تنازعاً للمصالح في صفقة مشروع إحداث محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، التي فاز بها تحالف يضمّ شركة أكسيونا الإسبانية، وشركة كرين أوف أفريكا، وشركة أفريقيا غاز، التابعة لمجموعة أكوا؛ المملوكة لرئيس الحكومة الذي سعى في تصريح سابق إلى نفي تنازع المصالح بها.
في المقابل، بدا أخنوش، وهو يقدّم، في سبتمبر/ أيلول الماضي، حصيلة الائتلاف الذي يقوده، مطمئناً لرضا الناس عما أنجز في الأعوام الأربعة الأخيرة، معبّراً عن التوجه نحو المضي في الإصلاحات في العام الحالي الذي سيشهد انتخابات تشريعية يحلم حزبه بأن يتبوأ فيها المركز الأول، كي يشكّل ما بات يعرف في المغرب بـ"حكومة المونديال". وبينما تتجه الأنظار إلى الشخصية التي ستقود الحزب خلال المرحلة المقبلة بعد أن فتح المكتب السياسي باب الترشح ابتداء من اليوم الاثنين وحتى 21 يناير/ كانون الثاني الحالي، يثير إعلان رحيل الرجل، الذي جمع بين السياسة وعالم المال والأعمال، عن قيادة الحزب، أسئلةً عدة حول توقيت القرار ودواعيه.
في السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس، إسماعيل حمودي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن قرار أخنوش جاء مفاجئاً، ما يجعله مثيراً للتساؤلات، علماً أنه قبل يوم واحد من إعلان عدم ترشحه كان يترأس المجلس الوطني لحزبه، ولم يصدر عنه خلال أشغال المجلس ما يفيد بأنه يفكر في الاستقالة. كذلك لم يصدر عن أعضاء برلمان حزبه، سواء وزراء أو قيادات أو غيرهم، ما يفيد بأن هناك قراراً بعدم الترشح لولاية ثالثة، بل تحدث عن إمكانية التمديد للهيئات ومؤسسات الحزب إلى ما بعد الانتخابات المقبلة المرتقبة خلال الربع الأخير من 2026.
ويلفت حمودي إلى أنّه عوض أن يطرح أخنوش قراره خلال أشغال المجلس الوطني المنعقد أول من أمس السبت، فضّل الإعلان عنه أمام المكتب السياسي ثم في لقاء مع بعض وسائل الإعلام، ما وضع الحزب ككل في حالة صدمة، خصوصاً أنه كان يحدّثهم قبل يوم واحد فقط في دورة المجلس الوطني عن النجاحات والاستعداد للفوز في الانتخابات المقبلة. ويقول أستاذ العلوم السياسية إن أخنوش، بإعلان قراره المفاجئ، حرص على صنع حدث سياسي يوثق به رحيلاً كان منتظراً ومتوقعاً في السياق الجاري، لو نظم حزب الأحرار مؤتمره الوطني العادي في موعده المرتقب في الأشهر الثلاثة المقبلة، ما دام قد أنهى ولايته الثانية على رأس الحزب.
وعن الأسباب المحتملة لقرار عدم ترشح الرجل الذي نجح في إطاحة حزب العدالة التنمية الإسلامي وقيادة الحكومة عقب انتخابات 8 سبتمبر/ أيلول 2021، يحدّد حمودي ثلاثة احتمالات، أوّلها "شخصي/عائلي، وهو احتمال قوي، لأن مسار الرجل/العائلة تبلور في كنف السلطة، لكن التطورات السياسية والقانونية الأخيرة (قوانين الانتخابات، الجماعات...) تدفع به إلى مواجهتها، وهو ما لن ترغب فيه العائلة/الشخص، ومن الأسلم له العودة إلى الوراء باعتباره رجل أعمال في خدمة توازنات السلطة، وليس في مواجهتها".
أما الاحتمال الثاني، يورد المتحدث ذاته، فهو أنّ "القرار لا يتعدى الرغبة في خلق حدث إعلامي/سياسي، الغرض منه توجيه رسائل سياسية لخصومه، وفي الوقت نفسه تعزيز رمزيته كقائد سياسي تنازل عن موقعه في أوج نجاحاته، بينما نعلم أن أخنوش أنهى ولايته الثانية على رأس حزب الأحرار، وكان مفترضاً أن يعقد مؤتمره الوطني خلال الربع الأول من السنة الحالية". ويتمثل الاحتمال الثالث، بحسب حمودي، في أن "القرار ينطوي ضمناً على طلب للاستمرارية موجّه للسلطات العليا، خصوصاً أن أخنوش نفسه كان قبل أسابيع فقط يبشّر باستمراريته لولاية ثانية على رأس الحكومة المقبلة، بالنظر إلى أن خصومه ليس لهم بديلٌ في مستواه". ويبقى هذا الاحتمال ضعيفاً، وفق حمودي، لأن "الإعلان عن قرار عدم الترشح قد يكون استأذن بشأنه قبل الإعلان عنه، وهو سلوك متوقّع ممن هو في موقعه (رئيس الحكومة ورئيس الحزب)، ولهذا السبب لم يكشف عنه في اجتماع المجلس الوطني، إلا بعد حصوله على الموافقة عليه".
من جهته، يلفت أستاذ العلوم السياسية بجامعة الحسن الأول بسطات، عبد الحفيظ اليونسي، إلى أنه "في الوقت الذي صرح فيه أخنوش بأنه مع احترام النظام الأساسي للحزب الذي لا يتيح تجاوز ولايتين، وأنه مع تجديد قيادة الحزب، إلا أن الواضح، من خلال تتبع المشهد الحزبي والسياسي المغربي، أن رئيس الحكومة ارتبطت به قضايا عدة تتعلق بتضارب المصالح، كما أن هناك امتعاضاً شعبياً من المؤكد أنه سيكون له تأثير في سلوك المغاربة التصويتي".
ويوضح اليونسي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "نموذج رجل الأعمال في تدبير الشأن العام كانت كلفته كبيرة على الدولة وعلى علاقة المؤسسات فيما بينها، إذ إن هذا النموذج دخل في توتر واضح مع وزارة الداخلية". ولم يستبعد أستاذ العلوم السياسية أن يكون خروج أخنوش من الترشح لرئاسة الحزب "إجراءً لفسح المجال للتفاوض مع الدولة لاستمرار حزب التجمع الوطني للأحرار في قيادة الحكومة المقبلة من دون أخنوش، لكن من خلال وجه جديد، خصوصاً أن الحزب قد بنى لنفسه آلة انتخابية مهمة وبروفيلات انتخابية قادرة على حسم المقاعد بمجلس النواب".
في المقابل، يضع رئيس مركز شمال أفريقيا للدراسات والأبحاث وتقييم السياسات العمومية في المغرب، رشيد لزرق، رفض عزيز أخنوش الترشح لولاية ثالثة في خانة كونه قراراً عقلانياً مبنياً على حساب الكلفة، لا على خطاب أخلاقي أو تنظيمي مجرد، موضحاً أنه "بصفته رجل أعمال، يدرك أن الاستمرار في الواجهة السياسية يضاعف منسوب الاستهداف الرمزي والمادي، ويحول موقعه من فاعل اقتصادي-سياسي إلى نقطة تركّز للغضب الاجتماعي والانتقاد الإعلامي، بما يحمله ذلك من مخاطر على سمعته ومصالحه الاقتصادية".
ويقول لزرق لـ"العربي الجديد": "في هذا السياق، يصبح الانسحاب المنضبط أداةً لتقليص الخسائر، وحماية الرأسمال الرمزي والاقتصادي، خصوصاً حين تتحول السلطة التنفيذية من رافعة نفوذ إلى عبء سياسي ثقيل في ظرف اجتماعي متوتر، حيث تحمل الحكومة ورئيسها كلفة اختلالات بنيوية تتجاوز قدرتهم الفعلية على التحكم فيها". وبالنسبة إلى الباحثة في العلوم السياسية، شريفة لموير، فإن إعلان أخنوش عدم ترشحه لولاية جديدة على رأس الحزب "يعطي احتمالات مفتوحة أمام المشهد السياسي بالمغرب كافة، خاصة أن القرار جاء ونحن على مشارف سنة انتخابية مهمة كان من المنتظر فيها بقاء أخنوش في واجهة المشهد السياسي بالمغرب".
وتعتقد لموير، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "من شأن القرار على المستوى الداخلي للحزب أن يفتح باب النزاعات والانشقاقات حول من سيخلفه، ما قد يؤثر بشكل واضح على الحزب في الاستحقاقات المقبلة، وبالتالي على خريطة المشهد السياسي التي ستعرف منافسة شديدة".

أخبار ذات صلة.
تفاصيل أزمة «أبو الليف» ومذيعة شهيرة
العين الإخبارية
منذ 4 دقائق